«...تفسيرُ صلاةِ «يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا

تفسيرُ صلاةِ «يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا...»
القدِّيسُ أنثيموسُ خيوس
نقلَهُ إلى العربيَّةِ: جورج الدَّغل
(عظة أُلقِيَت في دير باناجيا فويثيا الرّاهبات في خيوس)
مَاذا تعني هذه الكلماتُ؟ إنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِ والمُوافِقِ أنْ يقدِّمَهَا الآباءُ القدِّيسونَ في هذه الفَتْرَةِ، فَتْرَةِ الصَّوْمِ الأربعينيِّ المُقَدَّسِ. أيُّ مَلِكٍ، وأيُّ حاكمٍ، وأيُّ أميرٍ، وأيُّ والٍ في هذا العالمِ ليسَ له سلطانٌ؟ كَلِمَتُهُ هي ذاتُ قُوَّةٍ بحيثُ إنَّ مَا يأمرُ بِهِ يتمُّ في الحَالِ. لكنَّهُ لا يستطيعُ أن يمنحَهُم سُلْطَةً روحيَّةً.
«يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا». نطلبُ من ملكِ السَّماءِ أن يعطيَنا بعضَ القُوَّةِ الرُّوحيَّةِ. لقدْ حدَّدَ الآباءُ القدِّيسُونَ في هذِهِ الأيَّامِ أن نقُولَ هذه الكلماتِ ونطلبَ منْهُ أن يأتيَ لِيكُوْنَ مَعَنَا. تعالَ، يا سيِّدَ القُوَّاتِ كُلِّها، يا سيَّدَ الكُلِّ، تعالَ وكُنْ مَعَنَا. ماذَا يتعيَّن عليكَ أن تفعلَ؟ أن تكونَ مُعَزِّيًا لَنَا، تعالَ لتكونَ مُحاميَنَا ومُعَلِّمَنَا وطَبيبَنا؛أنتَ الضَّابِطُ كلَّ الأشياءِ«كُنْ مَعَنَا». نطلبُ منكَ أنْ تعطِيَنَا بعضَ القُوَّةِ.
لكنَّ هذِهِ القُوَّةَ لا تأتي بِبَسَاطَةٍ هَكَذَا. إنَّها ليْسَت ثوبًا نرتدِيهِ، أو شَيْئًا مادِّيًّا نأخُذُه، إنَّها قُوَّةٌ روحيَّةٌ. إنَّهُ اللهُ نفسُهُ، الَّذي نطلبُ منْه أن يأتيَ ويَحضُرَ مَعَنَا. إنَّهُ على أُهْبَةِ الاستعدادِ للمَجِيْءِ إِلَيْنا؛ إنَّه مستعدٌّ أنْ يأتيَ في أيِّ لحظةٍ، بسُرورٍ وفرحٍ وبِنِيَّةٍ طيّبَةٍ، ليُظَلِّلَ الإنسانَ ويساعدَه، لكنْ يجبُ أن نُهَيِّئَ لَهُ مكانًا.
من هوَ الَّذي يَملُك كلَّ هذِهِ القِوى؟ إنَّهُ المسيحُ نفسُه الَّذي جاءَ وأهرقَ دمَه المقدّسَ ليفتديَنا ويعطيَنا قوّةً، حتى نَدُوسَ «الحيّاتِ والعقاربَ وكلَّ قوّةِ العدُوِّ». لكنَّ هذا الأمرَ لا يتمُّ بسُهولَةٍ. عليْنا، أوّلاً، أنْ نُخضِعَ أهواءَنَا. لهذا السَّببِ، أمَرَنَا الآباءُ القدِّيسُون أنْ نتْلُوَ صلاةَ«يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا»الآنَ، في فترةِ الصَّومِ الأَربعينيِّ المُقدَّسِ، لأنَّ الصَّومَ يُخضِعُ الأهواءَ. فاللهُ لا يأتِي إنْ لمْ تُخْضَعْ هذِهِ الأَهْواءُ.
ولكنْ، ما الوسيلةُ الَّتي بها نستطيعُ أن نُحضِرَ اللهَ مَعَنَا؟ أعتقدُ أنَّكم تعرفُونَها. الوسيلةُ الّتي بها سنجلبُ اللهَ ليكونَ مَعَنَا هي نَخسُ القَلبِ. أن نكونَ ذَويْ قلبٍ نادمٍ ونجلبُ لأنفُسِنا المحبَّةَ والتَّواضُعَ والصَّبْرَ، من خلالِ المُثَابَرَةُ على عملِ الصَّالحَاتِ، حتّى يبقى اللهُ مَعَنَا. لكنَّ الأمرَ صعبٌ، إِنْ لَمْ نُخْضِعْ أهواءَنا بِسهولةٍ ويُسْرٍ.
نحن ندعُو اللهَ فِي قلاّيَتِنا، في الكنيسةِ، نبكي وننكسرُ وَنَقُومُ بِأَشْياءَ أُخرَى، ثمَّ نخرجُ ونُبَدِّدُ ما ربحنَاه. كيفَ؟ من خِلالِ الكراهِيَةِ والحِقْدِ، والشَّرِّ، وإِدانةِ الآخرِيْنَ، وغيرِها منَ الأهواءِ الَّتي تحارِبُ الإنسانَ يَوميًّا. نحنُ نصرخ« يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا»، ولكنَّ هذه الأمورَ الأُخرى تُبعِدُ نعمةَ اللهِ فلا تَأتِي. نحنُ لا نخافُ اللهَ فحسبُ، بل نحنُ لا نحبُّهُ أيضًا. نعمْ، لقد قال القدِّيسُ أنطونيوسُ الكبيرُ: «أنَا لا أخَافُ اللهَ بل أحبُّهُ من كلِّ قلبِي، لأنَّ المحبَّةَ الكاملةَ تطرُدُ الخَوفَ».
كيف نُظهِر أنَّنا لا نُحِبُّهُ؟ عندَما نَتَعَرَّضُ للإهانَةِ فلا نَتَحَمَّلْها؛ أو تُصيبُنا الشَّدائدَ ولا نسلِّمْ بِما أَصابَنا؛ عندمَا نواجهُ ما هوَ مَمقوتٌ منَ اللهِ ولا نتجنَّبْهُ. مَنِ الشَّخصُ الّذي نؤذِيه؟ إِنَّنا نُؤْذِيْ أَنفُسَنا فَحَسْبُ. أنتَ تذهبُ حيثُ تتعرَّضُ للأَذَى، تهرعُ إلى حيثُ يُظلِم ذهنُك. ماذا ستَجني؟ بدلاً من الفرحِ، الحزنَ؛ بدلاً من الراحةِ، الاضطرابَ والقلقَ. فكيف سيكونُ اللهُ مَعَكَ؟
فقدْ لاحَظْتُ، منذ أيَّامٍ، طائرَي حَجَلٍ يأتيانِ ويجلسَانِ على مقعَدٍ حيثُ أخرجُ لأتنزَّهَ؛ أحيانًا علَى الجانِبِ الأعلى وأحيانًا على الجانبِ الأسفلِ، أراهُما دائمًا يتَجَوَّلانِ هُنَاكَ. لماذا لَمْ يأتِيَا من قبلُ؟ لماذا لَمْ يأتِيَا في السّنوَاتِ المَاضيَةِ، أمَّا الآنَ فيأْتِيَانِ كلَّ يومٍ؟ لأنَّهُما لا يَجِدانِ خَطَرًا. ألا نَرى، نحن، يا أَخَوَاتِي، ألاَّ نَرى الخَطرَ القادِمَ نحوَ نفوسِنا؟ نحنُ لا نرى أنَّ الشَّيطَانَ أصبحَ أداةً لامتصاصِ قُوَّتِنَا الرُّوحيَّةِ. مَنِ الَّذي يجعلُ هذا الطَّائِرَ حكيمًا؟ مَنْ قالَ له منذُ سنواتٍ عديدةٍ ألاَّ يأتيَ والآنَ لا يغادرُ هذَا المَكَانَ؟ لا أحدَ. بمعرفتِهِ يُدْرِكُ أنَّهُ في المَكَانِ الَّذِيْ يجلبُ لَهُ السَّلامَ والرَّاحةَ والطُّمَأْنِيْنَةَ.
نحن أناسٌ عقلاءُ ومُخلِصُون للهِ. لماذَا يجبُ أن نهرَعَ إلى حيثُ يتواجدُ الخَطَرُ؟ لماذا لا نلتَزِمُ الصَّمتَ؟ لماذا لا نَسْعَى إلى الطَّاعةِ؟ لماذا لا نتحلَّى بالمحبَّةِ والصَّبرِ والوحدَةِ الَّتي بها نَتَجَنَّبُ الأخطارَ، ونجلبُ القُوَّةَ الإلهيَّةَ إلى نفوسِنَا؟
هذا الشَّيْءُ يُذهِلُني؛ فَأَزْدادُ دَهَشًا؛ الطَّائِرُ أَدْرَكَ الخَطَرَ! لقد أعطاهُ اللهُ حِكمةً، لقدْ أعطاهُ فكرًا في هذا المكانِ، حيثُ لا يَخْشَى أنْ يُصَابَ بِأَذًى.
لا يكفِينَا أيَّتُها الأَخَوَاتُ أن نقولَ إنَّنَا وَصَلْنَا إلى ميدانِ الصَّومِ المقدَّسِ، وحَفِظْنَا أنفُسَنَا بالصَّومِ الَّذي نُمارِسُهُ، فهذا الصَّومُ ليس سِوى تغييرٍ في نوعِ الطَّعامِ. فَلْنَصُمْ صَومًا آخَرَ؛ صَومًا، كما وردَ في إحدى الستيشيرات(أي: التَّراتيل): «الصّومُ الحقيقيُّ هوَ التَّغَرُّبُ عنِ الشُّرُورِ، واعتدَالُ اللِّسَانِ، والامتناعُ عنِ الغَضَبِ، والانفصالُ عنِ الشَّهواتِ والافتراءِ والكلامِ البَطّالِ وشهادَةِ الزُّورِ». فلنتجنّبْ هذه الخطايا يا أخَوَاتِي. لأنَّنا لنْ نقدرَ أن نُبَرِّرَ أَنْفُسَنَا عندَئذٍ أمَامَ مِنبرِ القضاءِ الشَّامِل ونقولَ إنَّنَا لم نعلمْ بِهَا. عندَمَا تَعمَلْنَ بهذِه الوصايا، فبمجرَّدِ أن تَقُلْنَ « يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا»، في الحالِ يحضُرُ ملاكٌ بِجانِبِكُنَّ. يأتيْ الشَّيطانُ أيضًا من خَلْفِكُنَّ، لكنَّ المَلاَكَ أقوَى منهُ. إياكنَّ أَن تَقُلْنَ: "الشَّيطانُ حَرَّضَني فارْتَكَبْتُ ذلكَ الشَّرَّ"، أو "رأيتُ شخصًا آخرَ يرتكبُ شرًّا فَدَفَعَنِي ذلك للخطيئةِ أيضًا". لأنَّ الله لا يُستَهْزَأُ بِهِ؛ لماذا لا تُصغينَ للملاكِ الَّذي أعطاكُنَّ اللهُ حارِسًا لِيَحْرُسُكُنَّ ليلَ نهارَ، بل تُصغينَ للشّيطان فقط؟ الملاكُ يحرُسُنا ليلَ نهارَ، ومِنْ دونِ مُقابِلٍ. ولكن لأنَّنَا عاجزُون عن عمل الصَّلاحِ، فالمَلاك أيضًا يعجزُ ويَهجُرُنا. لكن هَلِ الشَّيطانُ الَّذي يعيشُ بقُربِكُنَّ سيفيدُكُنَّ بشَيْءٍ؟ انتَبِهْنَ لأنَّ الأذى الّذي يَنجُمُ عظيمٌ، وعندما تتعرَّضْنَ للأذى أُصابُ بِحُزنٍ شَديدٍ للغايةِ. لأنِّي لا أريدُ أن تَضِلَّ واحدةٌ مِنكُنَّ. فإنْ هَلكْتُ أنا فلا أُبالي، ولكنْ إن هَلَكَتْ إحداكُنَّ فَحُزنِي سيكونُ عظيمًا.
احذرنَ! اهْرَعْنَ إلى حيثُ تتَواجَدُ القُوَّةُ؛ واهرُبْنَ من كلِّ أنواعِ الشُّرورِ الّتي تجلُبُ لَكُنّ الظُّلمةَ والاضطرابَ. مَن هُوَ القُوةُ؟ المسيحُ! إِلَيْهِ اهْرَعْنَ. هل أصابَكِ شيءٌ ما؟ أسرِعي إلى الصَّلاةِ، اهرَعِي إلى المسيحِ. كيف يمكنُ ألّا تَهرَعْنَ إلى المسيحِ؟ ألّا تَهرَعْنَ إلى الصَّلاةِ؟ الصَّلاةُ هي كلُّ شَيْءٍ، هناك القُوّةُ والعَونُ. اهْرَعْنَ إلى المُعين إذَن، اهْرَعْنَ إلى حيْث تَتَواجَدُ القُوَّةُ.
الصَّلاةُ هي كالتُّرْسِ، هي كالسِّلاحِ المُقتَدِرِ وكالحصنِ، لِنَتَجَنَّبِ الشَّيطانَ ولا نصبحْ ألعوبَةً في يدِهِ. من أينَ تأتِي القُوَّةُ؟ منَ المسيحِ! المسيحُ هو القُوَّةُ... أسرِعْنَ إذًا، اطلُبْنَ منهُ أنْ يُعِيْنَكُنَّ. اجتَهِدْنَ في أن تَتَقَدَّسْنَ، أن تستنِيرَنَّ... اطلُبْنَ من المسيحِ أن يكونَ مُعينًا لَكُنَّ في كلِّ شيْءٍ وناصِرًا. لدَيْنَا ملائكةُ، ومَلِكُنا يَحرُسُنَا، لقد أعطَانا ملاكًا حارِسًا. فاجتَنِبْنَ الشَّيطانَ، واهْرَعْنَ إلى المسيحِ. ومَهمَا حَدَثَ لَكُنَّ، فليكُنِ المسيحُ مُعَزِّيًا لَكُنَّ؛ لأَنَّ القُوَّةَ بِهِ. أريدَكُنَّ أن تُصبِحْنَ أبناءَ الملكِ السَّماويِّ؛ أريدُ أنْ أراكُنَّ جميعًا في ملكوتِ السَّمَاوَاتِ.
https://www.mystagogyresourcecenter.com/2025/03/lord-of-powers-be-with-us-st-anthimos.html
آخر المواضيع
«...تفسيرُ صلاةِ «يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا
الفئة : زمن التريودي المقدّس
الأرثوذكسيّة هي المسيح
الفئة : زمن التريودي المقدّس
هل يُسمَح بِتَصوير يسوع المسيح بِمَلامِح أجناسٍ أخرى؟
الفئة : زمن التريودي المقدّس
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني