عظة في تذكار قطع رأس السابق المجيد يوحنا المعمدان

الفئة:قصص روحية

عظة في تذكار قطع رأس السابق المجيد يوحنا المعمدان

القديس أندراوس الكريتي

نقلها إلى العربية: ماهر سلّوم

 

كثيرةٌ هي الألقاب والأسماء التي تُطلَق على «السابق المجيد» — كما يُدعى في الأناجيل ومن قِبل المسيح نفسه — وكلّها ذات رِفعة وعظمة.

إنه يُدعى أوّلاً «إبن»: «لَا تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لِأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَٱمْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ٱبْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا» (لوقا 13:1). «وَأَمَّا أَلِيصَابَاتُ فَتَمَّ زَمَانُهَا لِتَلِدَ، فَوَلَدَتِ ٱبْنًا» (لوقا 57:1).

ثانيًا، يُدعى «طفل/جنين»: «فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ ٱرْتَكَضَ ٱلْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَٱمْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي ٱلنِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلَامِكِ فِي أُذُنَيَّ ٱرْتَكَضَ ٱلْجَنِينُ بِٱبْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي» (لوقا 41:1-44).

إسمٌ آخر له هو «ولد/صبي»: «وَأَنْتَ أَيُّهَا ٱلصَّبِيُّ نَبِيَّ ٱلْعَلِيِّ تُدْعَى» (لوقا 76:1)، «أَمَّا ٱلصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِٱلرُّوحِ، وَكَانَ فِي ٱلْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لِإِسْرَائِيلَ» (لوقا 80:1).

لقد دُعي أيضًا «عظيم»: «وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَٱبْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلَادَتِهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ ٱلرَّبِّ» (لوقا 14:1-15).

ودُعي «يوحنا»: «وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ جَاءُوا لِيَخْتِنُوا ٱلصَّبِيَّ، وَسَمَّوْهُ بِٱسْمِ أَبِيهِ زَكَرِيَّا. فَأَجَابَتْ أمُّهُ وَقَالَتْ: «لَا! بَلْ يُسَمَّى يُوحَنَّا». فَقَالُوا لَهَا: «لَيْسَ أَحَدٌ فِي عَشِيرَتِكِ تَسَمَّى بِهَذَا ٱلِٱسْمِ». ثُمَّ أَوْمَأُوا إِلَى أَبِيهِ، مَاذَا يُرِيدُ أَنْ يُسَمَّى. فَطَلَبَ لَوْحًا وَكَتَبَ قَائِلًا: «ٱسْمُهُ يُوحَنَّا». فَتَعَجَّبَ ٱلْجَمِيعُ» (لوقا 59:1-63).

وبالتأكيد دُعي «نبيّ»: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ. لِأَنَّ جَمِيعَ ٱلْأَنْبِيَاءِ وَٱلنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا» (متى 13،9،7:11).

دعاه الربُّ «إيليا»: «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهَذَا هُوَ إِيلِيَّا ٱلْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ» (متى 14:11) «وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ (الرب) بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ» (لوقا 17:1).

كثيرون دَعَوه «معلّم»: «وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ: ’يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟’» (لوقا 12:3).

وحتى دَعَوه «سابق»1: «وَأَنْتَ أَيُّهَا ٱلصَّبِيُّ نَبِيَّ ٱلْعَلِيِّ تُدْعَى، لِأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ ٱلرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ» (لوقا 76:1).

ودُعي «كَانَتْ كَلِمَةُ ٱللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ ٱلتَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا» (لوقا 3-3:2).

لقد دعا ذاته «صوت»: «فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟». قَالَ: ’أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ ٱلنَّبِيُّ’» (يوحنا 22:1-23).

لقد دُعي «معمدان» وهو كذلك حقًا: «حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ ٱلْجَلِيلِ إِلَى ٱلْأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ» (متى 13:3)، «كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ ٱلتَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا» (مرقس 4:1).

إنه من دون شك «شهيد»: «هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ ٱلْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ ٱلنُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ»2 (يوحنا 7:1-8). لقد خُتِمت شهادته بالدم الاستشهاد عندما قُطع رأسه لأنه بشّر بالحقيقة ووبّخ كل معصية.

لقد دُعي أيضًا «بار» و«قدّيس»: «لِأَنَّ هِيرُودُسَ كَانَ يَهَابُ يُوحَنَّا عَالِمًا أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ» (مرقس 20:6).

لقد دعا نفسه «رسول»: «أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ: لَسْتُ أَنَا ٱلْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ»3 (يوحنا 28:3).

إسمٌ آخر ذات رفعة له هو «إنجيلي/مبشِّر»: «وَبِأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَعِظُ ٱلشَّعْبَ وَيُبَشِّرُهُمْ»4 (لوقا 18:3).

حتى أنه دُعي «صديق الختن/العريس»5 الذي يُرشِد النفوس إلى المسيح الختن، على حدّ قوله: «مَنْ لَهُ ٱلْعَرُوسُ فَهُوَ ٱلْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ ٱلْعَرِيسِ ٱلَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ ٱلْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هَذَا قَدْ كَمَلَ. يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ» (يوحنا 29:3-30).

يُدعى أيضًا «مصباح/سراج»: «كَانَ هُوَ ٱلسِّرَاجَ ٱلْمُوقَدَ ٱلْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً» (يوحنا 35:5).

ولديه لقب «موبِّخ هيرودوس»: «لِأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لِهِيرُودُسَ: ’لَا يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ ٱمْرَأَةُ أَخِيكَ’» (مرقس 18:6)، «أَمَّا هِيرُودُسُ رَئِيسُ ٱلرُّبْعِ فَإِذْ تَوَبَّخَ مِنْهُ لِسَبَبِ هِيرُودِيَّا ٱمْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، وَلِسَبَبِ جَمِيعِ ٱلشُّرُورِ ٱلَّتِي كَانَ هِيرُودُسُ يَفْعَلُهَا» (لوقا 19:3).

لقد حظي يوحنا بجميع هذه الألقاب العظيمة والرَّفيعة، وقد كُرِّمَ بها لأن أعماله كانت متوافقة معها. وهكذا كان يوحنا «الأعظم بَيْنَ ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ» (متى 11:11). هذا هو الذي أنشد له النبي داود حقًّا، وكأنه يتكلّم بفم الله الآب فيقول: «هُنَاكَ أُنْبِتُ قَرْنًا لِدَاوُدَ. رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي. أَعْدَاءَهُ أُلْبِسُ خِزْيًا، وَعَلَيْهِ يُزْهِرُ إِكْلِيلُهُ» (مزمور 17:131-18).

هذا هو ذلك الإيليا العظيم، لا إيليا التسبيتي، بل الذي استقام بين الناموس والنعمة وأصبح سابقًا للمجيء الأول للمسيح، على الرغم من أنه عاش تاريخيًّا بعد إيليا التسبيتي، والذي كان لديه نفس الإلهام والقوة اللذين كانا لإيليا، كما أخبر رئيس الملائكة والده زكريا (لوقا 17:1). ولأيِّ زكريا قال الملاك هذه الأمور؟ لزكريا بن بَرَخِيّا الذي يصرخ دمُه بصوتٍ أعلى من دم هابيل الصدّيق (متى 35:23).

هو الذي ارتكض في بطن أمِّه، قبل أن يرى نور النهار، لأنه أُعلِمَ بوجود سيّدِه جَنينًا في البطن. وقد استخدم كلمات أمِّه، وأعلن — وهو لا يزال في بطنها — ولادة ابن الله وكلمته من مريم والدة الإله، قائلاً: «فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟» (لوقا 43:1). إنه الذي، من خلال الكرازة بالتوبة، سيُليّن قلوب الآباء والأمّهات ويعيدهم إلى أطفالهم و«يَرُدَّ قُلُوبَ ٱلْآبَاءِ إِلَى ٱلْأَبْنَاءِ، وَٱلْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ ٱلْأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا» (لوقا 17:1). لقد كان ثمرة الوعد إلهي، والبشرى السارّة التي أتى بها جبرائيل، والغصن الغَضّ الذي أنْعمَ به الله للشجرة التي ذبلت بسبب تَقَدُّمِ أيّامها. إنه زهرةَ العُقرِ الخصبةَ، النَّبيّ من نَبيٍّ، ساكن البريّة، الذي أعَدَّ ويُعِدّ شعوب العالم أجمع للجهادات الروحية ولاستقبال الرب، القمر المُشرِق للشمس الذي يضيء إلى الأبد، مصباح النور الإلهي، جندي الملك الأبدي، صديق الختن (Nymphagogos)، خادم السيد، صوت الكلمة الذي كان كاهنًا إلى الأبد على ترتيب ملكيصادق، كَمَن لا أب له ولا أم ولا نَسَب، الكاهن الذي وجد مستحقًّا أن يُقيم حتى معمودية الله نفسه، الذي سمع الله الآب بأذنيه، الذي عمّد اللإبن والذي عاين الروح القدس.

هو الذي كان خاتمة الشريعة، الوَسيط بين نعمة الله والناس، الذي كان أعظم الأنبياء جميعًا، والذي اكتملت في شخصه الكرازة النبويّة، الكارز بملكوت السماوات، سابق المسيح الذي هو الحقّ نفسه، الباب الذي نَلِجُ من خلاله إلى التوبة، الذي كان جوهرة العذارى وبهاءهم، الذي أعدّ خلاصنا، الذي نادى بالإمساك وأصبح لِجامًا للعصاة والأشرار، بل وحتى المرشد لمن أطاعوا الشريعة الإلهية.

هذا هو يوحنّا العظيم، الاسم الذي خرج من فم الله ونُقِل من السماوات إلى زكريا بصوت رئيس الملائكة. هذا هو الصوت الذي وُلد من أب أصَمّ أبكَم، الذي، بصمت أبيه، أزال على عُقرَ أمِّه وأعلن «حمل الله» بإصبعه، بقوّة تَفوق أبْلَغَ الخُطباء، الذي يليق به التَّباهي بفضيلة ضبط النفس، الذي عاش حياته الأرضية ككائن غير هَيوليّ، والذي استَبان كاللؤلؤة الثمينة في الأرض، الذي وُجد ككنزٍ ثمينٍ في إناء خَزَفيّ، الذي أنذر النفوس العَقيمة بفأس العدالة الإلهية، حمامة الكنيسة العاشقة لحياة البرية، الفم الذي لا يمكن إسكاتُه، صوت الصّارخ في البرية والمُدَوّي في أقاصي العالم، قائلاً: «أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ. ٱصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً» التي سيعبر فيها الرب إلى نفوس البشر (متى 3: 3؛ يوحنا 23:1).

هذا هو اللسان الذي، بكلماته الإلهية وصوته العذب، حتى بعد رقاده، يوبّخ هيرودس ويكرز بالمسيح، قائلاً: «تُوبُوا، لِأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ» (متى 2:3).

لله المجد والمُلك إلى دهر الدّاهرين، آمين.

 

https://www.johnsanidopoulos.com/2020/01/epithets-of-saint-john-baptist-in.html

 

1. كلمة Prodromos باللغة اليونانية غالبًا ما تُتَرجم "سابق”، بيد أن الترجمة الحرفيّة هي أقرب إلى "الذي يهيّء الطريق”.

2. الكلمة باللغة اليونانية هي Martyria وتُترجَم "شاهد”.

3. الكلمة باللغة اليونانية هي Apostolos وتُترجَم "مُرسَل”.

4. الكلمة باللغة اليونانية هي Evangelistis وتُترجَم "الذي يعلِن الخبر السارّ”.

5. الكلمة باللغة اليونانية هي Nymphagogos التي تعني مُرشِد أو مُضيف العريس أو العروس، والذي يقوم بمرافقة العريس أو العروس إلى زوجهم وإلى بيتهم.



آخر المواضيع

عظة في تذكار قطع رأس السابق المجيد يوحنا المعمدان
الفئة : قصص روحية

القديس أندراوس الكريتي 2026-08-28

العظة الأولى عن الأب البار بيمن راعي النفوس
الفئة : قصص روحية

المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس 2026-08-26

الصّومُ نعمةٌ إلهيّةٌ
الفئة : قصص روحية

القدّيس ديونيسيوس إغناط 2026-03-10

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا