العظة الأولى عن الأب البار بيمن راعي النفوس
العظة الأولى عن الأب البار بيمن راعي النفوس
المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس
نقلها إلى العربيَّة الشمَّاس مكسيموس سلُّوم
كان البارُّ بيمن، الذي تحتفل كنيستنا بتذكاره اليوم، ينتمي إلى جوقة القديسين الأبرار والنُّسَّاك العظيمة، الذين ظهروا كخلفاء للشهداء الذين استشهدوا خلال فترة الاضطهاد في القرون الأولى للمسيحيَّة. أي إنَّه عندما انتهت الاضطهادات، استمرَّت "الروح الاستشهاديَّة" للمسيحيَّة مع الأبرار والنُّسَّاك، الذين سعوا طوال حياتهم إلى حفظ وصايا المسيح، حتَّى في أسمى درجات الكمال.
وُلِدَ البارُّ بيمن في مصر نحو سنة 340م، ومنذ حداثته عاش حياةً نسكيَّة. ولمَّا بلغ الخامسة عشرة من عمره، ذهب ليعيش في ديرٍ مقدَّسٍ في ليبيا. وفي البداية بدا "قاسيًا" في نظر أُمِّه، التي كانت قد ذهبت للقائه في الإسقيط، فكان يتجنَّبها، لكنَّه فعل ذلك في إطار النسك، وقد فهمت أُمُّه هذا الأمر، فانصرفت بفرح، مع أنَّها لم تتمكَّن من لقائه. ومن جهته، تعرَّف البارُّ بيمن إلى منهج الحياة النسكيَّة الأرثوذكسيَّة بأسره، إذ تطهَّر من أهوائه بواسطة جهادات روحيَّة نسكيَّة كثيرة، واكتسب محبةً للعالم بأسره. وكانت محبة البارُّ بيمن مَضربًا للمثل، كما يتَّضح من أقواله التي حُفظت في الكتاب المعروف باسم "اليارونديكون" (أقوال الآباء الشيوخ).
سأذكر بعضًا منها، وهي التي كان يقولها لزوَّاره، والتي تكشف عن نموِّه الروحيّ.
عندما سأله أحد الإخوة: ما هو الإيمان الذي يطهِّر الإنسان من الأهواء؟ أجاب: "الإيمان هو أن يُقاد الإنسان بالتواضع وأن يصنع أعمال الرحمة". وبالطبع، فإنَّ الإيمان هو الحقّ المعلَن الذي سلَّمه المسيح إلى رسله، وهؤلاء سلَّموه إلى خلفائهم، الذين حفظوا الكنيسة بالعقائد. لكن المقصود هنا هو الإيمان الاختباريّ، أي اختبار الحقّ المعلَن، الذي يتجلَّى في التواضع والمحبَّة تجاه الآخرين.
كان لأحد الإخوة أفكارٌ شريرة، وأراد أن يتخلَّص منها. فسأل الأب بيمن عن ذلك، فأخرجه إلى الهواء الطلق وقال له أن يمدَّ يده ويحاول أن يمسك الرياح، لأنَّ الأفكار تشبه الرياح. ولمَّا أجابه بأنَّه لا يستطيع أن يفعل ذلك، قال له البارُّ بيمن: "إن كنت لا تستطيع أن تمسك الرياح، فلا يمكنك أيضًا أن تمنع الأفكار من أن تأتي، لكن يمكنك أن تقاومها"، أي ألاَّ تفعل ما تأمرك به. ما أعظم الحقّ الكامن في هذه النصيحة التي يقدِّمها البارُّ بيمن، وما أعظم ما فيها من عونٍ لنا نحن الذين تتقاذفنا الأفكار المتنوِّعة!
علَّم الأب بيمن أنَّ الناس يستطيعون أن يخلُصوا أينما كانوا، ومهما كان العمل الذي ينشغلون به. وقال: "إذا وُجد ثلاثة أشخاص معًا، وكان أحدهم يعيش في الهدوء حسنًا، أي إنَّه يعيش بحسب الطريقة الهدوئيَّة، بعيدًا عن الناس ومواظبًا على الصلاة بلا انقطاع، وكان الثاني مريضًا ويشكر الله، وكان الثالث يخدم الناس بأفكار نقيَّة، أي من دون كبرياء أو دوافع خفيَّة، فإنَّ الثلاثة جميعًا يؤدُّون العمل نفسه". وهكذا، أينما عاش الإنسان ومهما كان الوضع الذي يوجد فيه، يستطيع أن يَخلُص إذا عاش بإيمان بالله، ومحبة تجاه الإخوة، وأفكار نقيَّة.
في الجهادات الروحيَّة ينبغي أن يكون هناك اعتدال، لكي نتجنَّب الإفراط. وقد كان الأب بيمن معروفًا بالتمييز، ولذلك لُقِّب بـ"سراج التمييز"، وكان هذا ثمرة سنوات كثيرة من الجهاد ضدَّ الأهواء والشيطان. وقد قال في إحدى المرَّات: "الإفراط دائمًا من الشياطين"، أي إنَّ كلَّ ما يتجاوز الحدّ هو من الشياطين. وفي ما يتعلَّق بالخطيئة وبالجهاد الروحي على السواء، ينبغي للإنسان أن يميِّز الحدّ المناسب، وألاَّ ينشغل لا باليأس ولا بالكبرياء. فالتطرُّفات خطرة دائمًا.
كان الأب بيمن يُولي توبة الإنسان أهميَّةً كبيرة. وكان يعرف فساد الطبيعة البشريَّة، وأنَّ الإنسان يخطئ بتأثير من الشيطان وبسبب استعباد إرادته، ولذلك أظهر محبَّةً عظيمة تجاه الخطأة، وحثَّهم على التوبة. ولأحد الإخوة الذي سأله عمَّا تعنيه التوبة من الخطيئة، أجاب: "التوبة تعني عزمًا ثابتًا على ألاَّ نعود إلى الخطيئة. ولهذا السبب بالذات يُدعى الأبرار بلا لوم، لأنهم قد تركوا الخطيئة وثبتوا أبرارًا".
تظهر سمةٌ مميَّزة للمحبَّة العظيمة التي كان البارُّ بيمين يكنَّها للناس في الجواب الذي أعطاه لبعض الإخوة الذين سألوه إن كان ينبغي لهم أن يوقظوا الإخوة الذين كانوا يغلبهم النعاس أثناء الاجتماع. فقال: "إذا رأيتُ أخًا معيَّنًا يغلبه النعاس، أضع رأسه على ركبتيّ ليرتاح".
هكذا كان قلب الأب بيمن المليء بالتعاطف تجاه العالم بأسره، وكان هذا ثمرة طهارته الداخليَّة، وتحويل أهوائه نحو محبَّة الله والإخوة. ولذلك يدعوه ناظم التسابيح القديس "مساكنًا الملائكة ونجيًّا لهم"، و"مستوطنًا في أُمِّ المدن العلويَّة"، و"خزانةً للفضائل"، و"مزيِّنًا القفر".
فلنحظَ بصلواته وشفاعاته لدى الله.
https://www.johnsanidopoulos.com/2013/08/the-venerable-abba-poimen-shepherd-of.html
آخر المواضيع
العظة الأولى عن الأب البار بيمن راعي النفوس
الفئة : قصص روحية
الصّومُ نعمةٌ إلهيّةٌ
الفئة : قصص روحية
مختاراتٌ من تعاليم القدّيس قُزما الإيتوليّ
الفئة : قصص روحية
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

