الحروب والشياطين


الحروب والشياطين

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

نُشرت في الكرمة، العدد 18، 3 أيار 2026

 

الحروب كلّها من الشياطين، كلّها من وحيّ الشياطين، والشياطين هي آلهة هذا العالم، عالم الوثنيّين؛ وهي التي تدفع البشر لمحاربة بعضهم البعض، وتخلق لهم الأسباب المبرّرة لقتل بعضهم البعض. المسيح طلب من المسيحيّين أن لا يُقاوموا الشرير، وإذا اضطُهدوا في مدينة أن يهربوا إلى أخرى. وهكذا رفضوا العنف والقتل والحروب، قبلوا الموت ولم يُقاوموا الشرير وعمّاله. وهكذا انشغلت المسيحيّة من بدايتها بموضوع السلام لا الحروب، والعهد الجديد تكلّم عن "إنجيل السلام" (أف15:6). يقول كليمندوس الاسكندريّ أنّ المسيحيّ هو "آلة سلام"، يُكرّم الله "بكلمة السلام فقط". لقد أدان المسيح كلّ أعمال العنف والقتل، خاصّة حين قال لبطرس "كلّ الَّذِينَ يأخذونَ السَّيف بالسَّيْفِ يهلِكونَ" (مت52:26).

لكن للعالم الّذي نعيش فيه لغة أخرى، لغة الحروب هي لغة الشياطين. من القرن الخامس يسأل المغبوط أوغسطينوس، "على مدى القرون، هل وُجد وقت لم يكن يُجلد فيه العالم بحرب في مكان أو آخر". إنّ استمرار القتل والحروب من زمن قايين إلى اليوم يُثبت أنّ الحروب لا تحلّ اللاعدالة المسيطرة في هذا العالم. الأحقاد وشهوة السيطرة وحبّ السلطة والحسد والمال، المسيطرة على روح العالم وفكره، كلّها اسباب رئيسيّة للحروب. وفي هذه الحروب لا بدّ من أن يتعذّب الأبرياء ويموتوا مع عمّال الشرّ، لهذا لا توجد حرب عادلة.

عمل الكنيسة الدائم أن تنقل الإنسان من حروب العهد القديم إلى بشارة العهد الجديد. ترتليانوس يتكلّم عن كمال الناموس في العهد الجديد، الّذي حوّل حرب الانتقام بالسيف، والعين بالعين والسنّ بالسنّ إلى الرحمة، "وتحويل السيوف والحِراب المتعطّشة للدماء إلى خدمة السلام". يوستينوس الفيلسوف والشهيد في مواجهة خصمه تريفن اليهوديّ، وملمّحاً لأنبياء العهد القديم، إشعياء (3:2-4)، وميخا (2:4-3)، يقول: نحن الّذين كنا مملوئين بالحروب والقتل المتبادل، وكل نوع من أنواع الشرّ الأخرى، قد حوّلنا في كلّ مكان أدوات الحرب، محوّلين سيوفنا سككاً ورماحنا مناجل. نحن الآن حراثاً للتقوى، للعدالة، للكرم، للإيمان والرجاء، الّذي يأتي من الآب عبر ذاك الّذي صُلب" (3:110). أوريجنّس يتكلّم في الإطار نفسه، قائلاً بتحويل الحرب الجسديّة إلى حرب عقليّة ضدّ الكبرياء والعجرفة، "لأنّنا لا نأخذ السيف أيضاً ضدّ أيّة أمّة، ولا نتعلّم بعد فنّ الحرب"؛ لقد أصبحنا أبناء السلام عبر يسوع المسيح. بحسب أوريجنس، السيوف التي تُحارب هي سيوف الكبرياء؛ وما يقوله المزمور: "في كلّ غداة كنت أقتل كل خطأة الأرض" (مز8:101)، ينبغي أن تُفهم أنّها تدمير لكلّ "الرغبات الجسديّة"، ولكلّ "الأفكار والرغبات التي تُناقض الحقيقة". (against Celsus, 7, 22).

هكذا، وُجدت الكنيسة لتشفي الإنسان وتجعله جديداً، وتُحرّره من ناموس أهوائه. يُقارن القدّيس أمبروسيوس بين الناموس والإنجيل، يقول: "الناموس يدعو للإنتقام المتبادل، الإنجيل يأمرنا بأن نقابل العداوة بالمحبّة، والكراهية بالصلاح، واللعنات بالصلوات. يُفرحنا أن نُقدّم معونة لأولئك الّذين يضطهدوننا...". هذه هي الروح التي نشرها مسيحنا في إنجيل عهده الجديد، ونجدها مجمَّعة في الموعظة على الجبل. لا نستطيع أن نحفظها من ذاتنا، لكنّ الّذي أعطاها يُعطينا القوّة لتطبيقها. ونحن نطلب منه بدون توقّف أن يحفظنا كلّ حين من سقطات التجارب؛ وليلاً نهاراً نتوسّل إليه في ليتورجياتنا من أجل سلام كلّ العالم، وأن يحفظ "جميع المدن والقرى من السخط والجوع والوباء والزلازل... والسيف، ومن غارات القبائل الغريبة والحروب الأهليّة والموت الفجائيّ". فالله هو الّذي يقمع الحروب ويُعطي السلام، لكن فقط للّذين يطلبون حقّاً هذا السلام.

الحروب المبرّرة هي فقط الحروب الدفاعيّة عن الوطن وشعبه وإرثه تجاه المعتدين. لهذا آباء الكنيسة لم يرفضوا حكومات الدول وجيوشها ودورها في حفظ النظام والبلاد من التهديدات الخارجيّة؛ وبولس الرسول يطلب الصلاة للحكام والرؤساء. وبهذه الصلوات ساند المسيحيّون أوطانهم وشعوبهم وحكّامهم. تجنّب المسيحيّين الخدمة العسكريّة، في القرون الثلاثة الأولى، سببه الأوّل رفضهم تقديم شعائر العبادة لإله آخر غير مسيحهم، حين حاول الوثنيّون فرض قياصرتهم آلهة للعبادة. بالنسبة لهؤلاء الشهداء لا مكان للمساومة على مبادئ الإيمان، ختم المعموديّة لا يتوافق مع الأختام العسكريّة. ثيوفيلوس الانطاكيّ يقول: "سأكرّم الامبراطور ليس بعبادته بل بالصلاة لأجله". فصلوات المسيحيّين، كما يقول أوريجنّس، هي أفضل من كلّ الحروب والقتال، لأنّها تغلب كلّ الشياطين التي تُثير الحروب، وتشوّش سلام العالم.

رأت الكنيسة في انتصار قسطنطين الكبير في حربه ضدّ أعدائه تدبيراً إلهيّاً، تمّ بمعونة مباشرة من الله. فالسلام الّذي نتج من pax Augusti (سلام أوغسطس - قسطنطين)، رأى فيه الآباء جزء من مخطّط الله في إعلان الإله الواحد لكلّ الأمم، وتعميم نشر الإنجيل، وترسيخ حضور ملكوت الله على الأرض. أفسافيوس القيصريّ، في مدحه لقسطنطين ومقارنته له مع موسى وأبطال العهد القديم، يعتبر أنّ وجود القيصر المسيحيّ قسطنطين هو من الله، وهو، كأداة لله في نشر عقيدة الإيمان والتقوى الحقيقيّة في العالم، قد نشر مبدأ الأخوّة الّذي يجمع البشر، وأنهى الأحقاد والعداوة بين الشعوب. لهذا يطلب أفسافيوس من الأساقفة "أن يُحاربوا مع قسطنطين بواسطة صلواتهم إلى الله". بالنسبة إليه، المساندة الروحيّة ضروريّة وهي تليق بالإكليروس، وذلك لاجتناب القتل وإهراق الدماء.

لا يوجد مكان للتوفيق بين القتل وإراقة الدماء ووصيّة المحبّة. مستحيل تحطيم شرّ بشرّ آخر، أن يُخرج شيطان شيطاناً آخر. فالصراع لا ينتهي بين الحقد والمغفرة، بين أعمال الانتقام والمحبّة. القلب الّذي يُحبّ المسيح يغفر على مثال مسيحه ويُصليّ لأعدائه. يرمي ألمه وتجاربه وحقد أعدائه أمام صليب مسيحه، عالماً أنّه لا يستطيع أن يتّحد بمسيحه ويتناول أسرار محبّته إلّا إذا تمثّل به وبوصايا إنجيله. "فَإنْ جاع عدُوُك فأطعِمْه، وإن عَطِش فاسْقِه، لأنّك إن فَعلت هذا تجمَع جمْر نَارٍ على رأسه" (رو20:12). حتّى في الحروب الدفاعيّة لا يمكن أن يوجد مكان للحقد أو الانتقام في نفس الجنديّ المسيحيّ؛ وهو في عمق حروبه ضدّ أعدائه يُصليّ لهم ولأجل سلام العالم؛ يصليّ ألا تتلوّث يداه بدم محاربيه. لا يمكن لذلك الّذي يتناول جسد المسيح ودمه أن يُلوّث جسده ونفسه بدماء أحد حتّى أعدائه. قوانين هيبوليتوس (القرن الرابع-الخامس)، تُشدّد على تجنّب إراقة الدماء في الجنديّة. "إذا قتل أحدهم في الجنديّة، عليه أن يمتنع عن الأسرار الإلهيّة إلى أن يتطهّر عبر النوح والدموع، وعليه أن يُكمل هذا القانون من دون غشّ وبخوف الله". القدّيس باسيليوس الكبير يمنع من يَقتل في الحروب ثلاث سنوات عن الأسرار.

الحروب والقتل والتدمير يجعلون الإنسانَ يفقد إنسانيّته الحقيقيّة، ليصير وحشاً في هيئة إنسان. اهتداء البشر إلى المسيح، الوحيد القادر أن يشفي النفس البشريّة ويُعطيها سلاماً حقيقيّاً؛ هذا السلام وحده يبتلع حروب ومآسي هذا العالم، ويقضي على فساد الإنسان، الّذي سيزداد شراسة وعنفاً كلّما تقدّمت الأيام نحو النهاية. هذا هو السلام الّذي سعى المسيح لنشره، كان أوّلاً داخل النفس البشريّة، سلاماً يجعل صورة الله متألّقة في هذه النفس، بعد انتصارها على الخطيئة والشياطين والموت نفسه. كلّ أسباب الحروب موجودة داخل الإنسان، في خطايا وأهواء البشر. لهذا حروبنا الحقيقيّة لم تعد أبداً جسديّة؛ كلّ العهد الجديد يتكلّم عن الحروب الروحيّة، وعن المعارك ضدّ قوى الشرّ الموجودة داخل الإنسان وفي محيطه. إنّها معارك النفس ضدّ أهوائها وأعدائها الروحيّين. "إذا كان أمراً عظيماً للجنود في العالم أن يعودوا منتصرين إلى بيوتهم وأرض موطنهم، بعد هزيمة أعدائهم، فكم يكون مؤثّر وممجّد بالأكثر عودة الإنسان منتصراً إلى الفردوس بعد انتصاره على الشياطين" (Fortunatus 13).


 



آخر المواضيع

الحروب والشياطين
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-04-30

كلمة قدس الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان في صلاة الغفران
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-02-26

إدانة الخطأ وإدانة الخطأة
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-01-29

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا