إدانة الخطأ وإدانة الخطأة


إدانة الخطأ وإدانة الخطأة

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

نُشِرت في الكرمة، العدد 5، الأحد 1 شباط 2026

 

في مثل الفرّيسيّ والعشّار يأتي إلى ذهننا حالاً تواضع العشّار وتوبته، وكبرياء الفرّيسيّ وتشامخه. "إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصلّيا"، هكذا يقول المثل الإنجيليّ؛ كان يمكن للعشّار أيضاً، في صلاته، أن يلتفت إلى الفرّيسيّ ويدينه، كما فعل الفرّيسيّ بالعشّار؛ لكن على عكس ذلك التفت العشّار إلى نفسه وأدانها. فالتوبة الحقيقيّة ليست نظريّة إنّما تأتي من جهاد روحيّ كثيف في معرفة الذات وعدم إدانة الآخرين. سمة الفرّيسيّ هي الكبرياء وجهل الذات؛ والكبرياء هي نقيض التوبة. المتكبّرون لا يستطيعون أن يتوبوا إلا إذا تواضعوا وعرفوا حقيقة إنسانهم الداخليّ. هكذا الّذي يتوب ينشغل بخطاياه الخاصّة وليس بخطايا الآخرين، ينشغل بخلاص الآخرين وليس بإدانتهم. المسيح نفسه لم يأتِ إلى العالم، كما قال، "ليدين إنّما ليخلّص". وقد اؤتمن كنيسته على هذه المهمّة، اؤتمنها وحدها على خلاص خليقة الله، وحدها أُعطيت هذا الحقّ. وفي عملها هذا تسعى أن لا تدين شعبها على خطاياهم الشخصيّة، إنّما أن تشفيهم، بأن تفرض عليهم القوانين المناسبة، كطريقة تربويّة تُعينهم في مقت الخطيئة ومحبّة الفضيلة. أن الله لا يدين أبناءه، إنّهم أحشاءه كما يقول في الأنبياء، لكن برحمته يؤدّبهم، لكي لا يُدانوا مع العالم. هذا عمل الكنيسة أن توبّخ وتُحذّر من الخطيئة دون أن تدين. يوصي بولس الرسول من أقامه أسقفاً: "اَلّذينَ يُخطِئون وبِّخهُم أمام الجمِيع، لكيْ يكون عند الباقين خوفٌ" (1 تيموثاوس 20:5).

المسيح لا يدين والكنيسة لا تدين، العالم يدين نفسه بكبريائه وعدم توبته. يميل الإنسان الأرضيّ دائماً إلى تبرير نفسه وسقطاته، ويُهيّء له إبليس دائماً الحجج المناسبة لتبرير هذه السقطات؛ وذلك كي لا يتوب. يقول القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ، "حاسب نفسك كديان وليس كمدافع عنها". إلقاء اللوم على الآخرين هو هروب من مواجهة الإنسان لنفسه. كل تقليد الكنيسة يُشدّد على فحص الذات، كما تقول حكمة سيراخ "قبل أن تدين إفحص ذاتك" (20:18). والقدّيس غريغوريوس اللآهوتي يقول: "إفحص نفسك أكثر من قريبك". قبول التجربة بشكر وعدم إدانة الآخرين هو تواضع. بداية التواضع لوم دائم للنفس في كل شيء، وشكر متواصل لله على كل شيء. القدّيس أنطونيوس الكبير يقول: "جهاد الإنسان الكبير هو أن يلقي الذنب على نفسه في حضرة الله، وأن يكون مستعدّاً للتجربة حتى آخر نسمة من حياته".

يتكلّم بولس الرسول عن الإنسان الروحيّ، الّذي "يحكم في كل شيء" (1كور15:2)، أنّه الّذي، بالنعمة الإلهيّة التي تُعطى للكاملين في الإيمان، يُفصّل كلمة الحقّ بتمييز روحيّ كبير خالٍ من هوى الإدانة. أن ترى خطيئة الخاطئ بعينيك ولا تدينه هي هبة عظيمة من الله. وهذه تُقتنى بعد جهادات عظيمة ضدّ الأنانيّة ومحبّة الذات.

لكنّ الخوف من الإدانة الفرّيسيّة لا تعني أن يضع الإنسان قناعاً على عينيّ نفسه، كي لا ترى الخطأ والهرطقة والشرّ. فالأسقف والكاهن وكل مَن اؤتمن على خلاص الآخرين، إذا صَمَت عن إدانة الشرّ والهرطقة يُصبح شريكاً فيها.

في الإدانة الشخصيّة يوجد ازدراء واحتقار الآخر، لكن في إدانة الهرطقة والفساد توجد فضيلة وغيرة على خلاص الآخر. الكنيسة ميّزت بين ما هو شخصيّ وما هو للإيمان. فالكنيسة، التي امتلكت من البدء وديعة الإيمان الّذي "أُسلم مرّة للقدّيسين"، أُعطيت الحقّ بإدانة الهرطقة وكل التعاليم المخالفة للإيمان المسلّم، لأنّها تُحطّم خلاص الإنسان. والعهد الجديد كلّه مملوء من هذه الدقّة والاصرار على حفظ الإيمان المستقيم: "مُؤَدِّبًا بالوداعة المُقاومين، عسى أن يُعطيهم اللهُ توبة لِمعرفة الحَقّ" (2 تيطس 25:2).

كثيرون في هذه الأيام المملوءة بالفتور الروحيّ والفوضى على صعيد الإيمان، يستخدمون هذه الآيات "لا تدينوا كي لا تُدانوا" (متى 1:7)، لتبرير مخالفاتهم للإيمان وتعدّياتهم للقوانين، وأحياناً كثيرة لنشر أفكارهم الآتية من روح العصر. ماذا يعني مسيحنا بهذا القول؟

في مسيرة الحياة الروحيّة تأتي التجارب من اليمين ومن اليسار. الخطايا التي سقط فيها الفرّيسيّ أتته من اليمين. ليس من مُخالفة قوانين وعقائد إيمانه، إنّما من الإفتخار، والإفتخار بأيّة إنجازات روحيّة أو دنيويّة هو كبرياء، لأنّه يُنكر عمل الله، أنّ "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فوق" (يعقوب 17:1). ويكتمل الكبرياء في إدانة الآخرين. أمّا الّذين يسقطون من اليسار، هم الّذين ينتهكون الوصايا الإنجيليّة، ويُخالفون ويتعدّون على الإيمان والعقائد والتقليد الكنسيّ مُبرّرين انتهاكاتهم للإيمان بهذه الحجّة: "لا تدينوا". هؤلاء أدانوا الكنيسة والإيمان وكل الآباء القدّيسين حين خانوا وديعة الإيمان التي تعهّدوها ويقولون "لا تدينوا".

الفرّيسيّون إلى اليوم يدينون والعشّارون يتوبون. الفرّيسيّون إلى اليوم ينتهكون الإيمان والعشارون يطيعون. ليست الفرّيسيّة في إدانة المخالفات والهرطقة والشرّ، إنّما في تبرير المخالفات والهرطقة والشرّ. الكنيسة، في استنادها على قوانين مجامعها المقدّسة، أدانت كل من يُخالف الإيمان في كل العصور. الكنيسة هي مجيدة مقدّسة لا عيب فيها، حين يكون إيمانها نقيّاً لا عيب فيه. إدانة الهرطقة والتعاليم المنحرفة ليست إدانة شخصيّة إنّما إدانة للّذين ينقضون عمل الربّ وتدبيره الخلاصيّ. لا يمكننا أن نحكم على أحد إن كان سيخلص أم لا، لكن الكنيسة حكمت على الهراطقة والمنحرفون في الإيمان أنّهم خارج طريق الخلاص. حكمت عليهم الكنيسة لا لتأخذ مكان الله إنّما لتحذّرهم من الدينونة الآتية ولتوقظ فيهم هذا الحسّ في البحث عن الحقيقة وطريق خلاصهم. الكنيسة تدين عن محبّة للخلاص ولتساعد الّذين ضلّوا في العودة إلى الطريق الواحد الّذي كان من البدء للخلاص. كل انحراف عن الإيمان الأرثوذكسيّ، حصل ويحصل في التاريخ هو ضدّ وحدة الكنيسة، ضدّ الكنيسة "الواحدة المقدّسة الجامعة الرسوليّة"، التي حدّدها الربّ في عمل تدبيره. يُريدون أن يُخطأوا تجاه الإيمان ولا يُريدون أن يحكم في مواقفهم أحد. "وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا" (2 تسالونيكي 10:2).

الكبرياء الفرّيسيّة تُفقد الإنسان إنسانيّته، كما ظهر في موقف الفرّيسيّ. تجعله عديم الإحساس بالآخرين والاهتمام بخلاصهم. فقدان الحسّ بأرثوذكسيّة الإيمان والتوبة وخلاص الآخرين والتبشير بالحقيقة الإلهيّة ليس فقط نقص في المحبّة، إنّما يُشير إلى حالة الفتور الروحيّ أو الموت الروحيّ، الّذي يُسيطر أحياناً كثيرة على الكنيسة نفسها. وحالة الفتور هذه ستتعاظم كلّما تقدّمت الأيام نحو النهاية. لهذا يقول المسيح عن الأيام الأخيرة: "ولكثرة الإثم تبرُدُ محبَّة الكثيرينَ" (متى 12:24). تبرد المحبّة بسبب كثرة الأنانيّة والكبرياء.

لقد فهم الفريسيّ أن الإيمان هو مجموعة وصايا متحجّرة. والعشّار فهم الإيمان توبة. لهذا، الفريسيّة هي تحوير للوصايا الإلهيّة، إخضاع الوصايا لتصير خادمة للأهواء البشريّة. الفرّيسيّة هي أن يضع الإنسان فكره ومشيئته مكان فكر المسيح ومشيئته. هذا ما يحصل لا فقط على الصعيد الشخصيّ إنّما الكنسيّ أيضاً. إثم الحركة المسكونيّة أنّها عِوض الدعوة إلى التوبة والعودة الجماعيّة إلى إيمان الرسل والآباء القدّيسين، فهي تشرّع الكبرياء البشريّة وانقساماتها. هناك كنيسة واحدة أتت من صليب المسيح، وكنائس لا تُحصى أتت من كبرياء البشر. كل موضوع الفرّيسيّة هو موضوع الكبرياء البشريّة، واللقاءات المسكونيّة لا يمكن أن تُثمر وتُصبح من الله قبل أن تُحلّ مسألة هذه الكبرياء. حين تُحلّ مسألة الكبرياء يُمكننا أن نتوب ونعود جميعاً إلى الإيمان الواحد إيمان المتواضعين، الّذي لا يُخطئ.



آخر المواضيع

إدانة الخطأ وإدانة الخطأة
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-01-29

غاية الحياة المسيحيّة ومعرفة الله
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2025-11-26

لماذا يتخلّى الله عن شعبه في هذا الشرق؟
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2025-08-28

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا