لماذا يتخلّى الله عن شعبه في هذا الشرق؟

لماذا يتخلّى الله عن شعبه في هذا الشرق؟
الأرشمندريت غريغوريوس أسطفان
نُشِرت في الكرمة، عدد 35، الأحد 31 آب 2025
أيوجد مستقبل للمسيحيّين في هذا الشرق المجيد، أم قد حُكم علينا بالزوال، كما حصل للمسيحيّين في أماكن عديدة من العالم القديم؟ فالمسيح وعد المسيحيّين بأنّه يكون معهم إلى منتهى الدهر. فكيف يتخلّى عنهم؟ حين قال المسيح أنّ "أبواب الجحيم" لن تقوى على الكنيسة، كان يُهيّئها لحرب "أبواب الجحيم" عليها. التاريخ المقدّس، قبل المسيح وبعده، كشف أنّ حرب الجحيم ضدّ المسيح والكنيسة هي حرب ضدّ الإيمان. لهذا، الضيقات والاضطهادات ليست تخلّيًا من الله إنّما امتحانات للإيمان. الكنيسة التائبة تقبل الاضطهادات الخارجيّة لأنّها تشدّد إيمان الفاترين، وتوقف مسيرة المؤمنين من الغرق في روح هذا الدهر. لأنّ الخطر الحقيقيّ على الكنيسة ليس من الخارج، إنّما من داخل، من الّذين يسعون إلى إخضاع إيمانها لكلّ ما يُنتجه روح العصر من شذوذ وهرطقات. الكنيسة غير التائبة تستسلم لروح العصر وتبحث عن حلولها لدى العالم وليس لدى الله. الكنيسة استلمت كلّ الحقيقة وهي تبقى أمينة عليها لأنّها ستقدّم حسابًا عن هذه الوديعة في اليوم الأخير. حسابًا إذا أخلّت بوعدها في حفظ الإيمان الأرثوذكسيّ المستقيم. التعاقب الرسوليّ للأساقفة كان تعاقبًا في حفظ الإيمان والعقيدة. إنّه معيار أيّة خلافة رسوليّة تسلسليّة. لا يوجد أسقف من دون خلافة رسوليّة، لكن أيضًا لا يوجد أسقف لا يحفظ القوانين وغيرة آبائه على الإيمان الأرثوذكسيّ.
الكنيسة تُعرّف بشيئين: الإيمان والأسرار. في الأرثوذكسيّة الإيمان يُخلّص، لكن بواسطة عيشه في الأسرار المقدّسة، خاصّة سرّ الشكر. عاش آباؤنا القدّيسون الإيمان لا كوعظ أو نظريّة فلسفيّة تُدرك بالمنطق البشريّ، ولا كمؤسّسات ترضي أخلاقيّات العقل الساقط، إنّما في أسرار الكنيسة. في أسرار الكنيسة عاينت أعينهم أسرار مسيحهم. في أسرار الكنيسة عاشوا الإيمان كخبرة حياة واتّحاد بالمسيح. من البدء، عاشت الكنيسة المستقيمة إيمانها في الإفخارستيّا لا كطقوس أو شعائر دينيّة مجرّدة، إنّما كسرٍّ إلهيّ، وتذوّق مسبق لملكوت السماوات.
في كلّ أزمنة الضيق والاضطهادات وظهور الهرطقات، كانت النعمة الإلهيّة المتدفّقة في هذه الأسرار تشدّد إيمان المسيحيّين وتحفظ وجودهم في هذا الشرق. حين تتهاون الكنيسة في حفظ إيمانها الأرثوذكسيّ، فإنّه لا يبقى شيء صالح في هذه الكنيسة. لهذا تُترك لمصيرها وتُصبح كنيسة من هذا الدهر الشرّير، غارقة في كلّ أنواع الارتداد والاستسلام لمؤامرة العالم ضدّ الله والكنيسة. الإيمان والأسرار هما علّة وجودنا المسيحيّ، لكن أيضاً علّة تخلّي الله عن شعبه.
أعظم عمل يعمله الأرثوذكسيّ الحقيقيّ هو هذا القدّاس الإلهيّ، وأعظم غذاء يتلقّاه للحياة الأبديّة هو هذه المناولة الإلهيّة. لهذا، من بدء الكنيسة لم يكن يشترك في هذه الذبيحة إلّا الّذين يحملون الإيمان ذاته، وهم أعضاء كاملون في الكنيسة ذاتها. من القرن الثاني يقول يوستينوس الشهيد: "لا يشترك في هذه الذبيحة الإلهيّة، إلّا المؤمنون بأنّ كلّ ما نعلّمه هو حقّ". لهذا، إباحة المناولة المقدّسة لغير الأرثوذكسيّين، هو انتهاك بشع لكلّ الإيمان الأرثوذكسيّ ولكلّ المقدّسات الأرثوذكسيّة ولكلّ القوانين الكنسيّة. الأسرار لا تنفصل عن الإيمان؛ كلّ دساتير الإيمان والتحديدات العقائديّة هي جزء لا يتجزّأ من حياة العبادة الليتورجيّة. من لا يؤمن هذا الإيمان الأرثوذكسيّ كيف يستطيع أن يشترك في هذه القدسات الإلهيّة ويتلو دستور إيمان يُخالف إيمانه الخاصّ. إنّ دستور الإيمان ليس، كما يُصوّره البعض، نظريّات عامّة عن الثالوث والتجسّد والفداء وسرّ الكنيسة ودور والدة الإله، إنّما هو خلاصة عقائد جوهريّة دقيقة موجودة فقط في إيمان الأرثوذكسيّين. من يشترك في الأسرار الأرثوذكسيّة يرى بقوّة أنّ ملء إيماننا الأرثوذكسيّ متجسّد في هذه الأسرار.
لقد سبق مسيحنا ونبّه شعبه قائلاً: "لا تُعطوا الْقُدس لِلكلاَب، ولا تطرَحوا دُرَرَكُم قُدّام الخنازير، لِئلّا تَدوسَها بِأرجلها وتَلتفِت فتُمَزّقَكُم" (مت6:7). قساوة كلام المسيح هذا لمن هي موجّهة؟ أليس لغير المستحقّين والّذين لا يحقّ لهم الاشتراك في هذه الأسرار؟ وهي تلتفت لتمزّق مَن؟ أليس الّذين يُناولون غير المستحقّين؟ أي الكنيسة ذاتها أكليروسًا وشعبًا، لأنّها تُشرّع ما لا يحقّ لها. من يملك حسًّا إيمانيًّا يبكِ على هذه الفوضى في تعاطي الكنيسة مع مقدّساتها، وهذا يجعلها مسؤولة عن تمزيق جسد المسيح في هذا الشرق.
يقول الذهبيّ الفم في تفسير هذه الآية، إنّها دينونة على الّذين بدون خجل يشتركون في الأسرار، ويجعلون هذه الأمور مُزدراة حين يعملونها بشكل مُخزٍ؛ "لأنّ الأسرار التي نحتفل بها ضمن أبواب مُغلقة، ويُحرم منها غير المؤهّلين لها، ليس بسبب ضعف نُلصقه بطقوسنا، لكن لأنّ الكثيرين، هم غير مهيّئين لهذه الأسرار".
إنّ هذا الاستهتار بالمقدّسات، وتجاوزات الكهنة الّذين يشتركون في خدمات أسراريّة مع غير الأرثوذكس، كلّ هذا الفساد ينعكس حتماً على الكنيسة، لإنّه ليس عملًا فرديًّا، إنّما باسم الكنيسة يحصل. ويُصبح سببًا لتخلّي نعمة الله عن الكنيسة غير الأمينة لمقدّساتها. كلّ مناولة لغير الأرثوذكسيّين، وللأرثوذكسيّين غير المستحقّين، الّذين يتناولون من دون تهيئة لازمة بالصوم والصلاة، ينعكس أذاه على الكنيسة كلّها. والكنيسة التي تُشجّع هذه القداديس المسائيّة ستُسأل عن شعبها الّذي يشترك في هذه الإفخارستيّا من دون تهيئة مُسبقة. لقد أنزلنا ليتورجيّتنا الإلهيّة إلى هذا المستوى الدنيويّ، وكأنّها عمل اجتماعي وليس إلهيًّا، يشترك فيها المستحقّ وغير المستحقّ، ويتناولون جسد الربّ ودمه، وكأنّها مناولة سحريّة. أتظنّون أنّ الله يرضى عن كلّ هذه التجاوزات للإيمان. حين لا تعود "القدسات للقدّيسين"، أيّة معونة إلهيّة يمكن لهذا الشعب أن ينتظر سوى الويلات والتخلّي الإلهيّ الكامل. حين لا تعود "القدسات للقدّيسين"، تتحوّل قوّة الإفخارستيّا إلى دينونة عوض النعمة. دينونة تطال الكنيسة والشعب كلّه. لهذا، بعد أن أطلق بولس الرسول كلماته المخيفة عن الدينونة التي تقع على المؤمن الّذي يشترك بغير استحقاق، "غير مُميّزٍ جسد الرَّبِّ"، يُكمل: "من أجل هذا فيكم كثيرون ضُعَفاء ومَرضى، وكثيرون يَرقدون" (1كور28:11-30)، وآخرون يُهجَّرون، والكنيسة تُسبى.
لا يدّعي أحد المحبّة، وأن نجعل جسد المسيح مسبيًّا باسم المحبّة. من عدم المحبّة وُلدت كلّ هذه الهرطقات، ومن عدم الطاعة خسر الهراطقة محبّة المسيح، حين غيّروا تحديدات الإيمان المقدّس وخرجوا من شركة الوحدة الكنسيّة. المناولة المقدّسة تُعطى للّذين يتوبون، الّذين تواضعوا فاستناروا وعادوا إلى شركة الكنيسة وإيمانها وقوانينها. خارج هذه الطاعة لا يوجد سوى استسلام لروح العالم، روح الغرور والضلال وحبّ السلطة. ألم يكن لدى الكنيسة ومجامعها المقدّسة وآبائها القدّيسين أجمعين محبّة، حين وضعوا قوانين صارمة تمنع غير الأرثوذكسيّين من الاقتراب من الأسرار الإلهيّة، أولئك الّذين خانوا محبّة الله حين خانوا الإيمان الّذي سُلِّم إليهم.
لا يمكن للكنيسة أن تكون حياديّة، إمّا أن تغلب العالم أو يغلبها العالم. العولمة تعني روح العالم، وهدفها أن تجعل الكنيسة من روح هذا الدهر. حين يستسلم أسقف أو كاهن لهذه الروح، ويحلّ ما لم تحلّه الكنيسة، ويربط ما لم تربطه الكنيسة، أيعلم أنّه يفتح "أبواب الجحيم" على الكنيسة؟ لنفتح أعيننا وننظر سبب تخلّي الله عن شعبه، ولا نكون كاليهود، كما يقول الذهبيّ الفم، "ناظرين ولكن غير مُبصرين". لقد حدّدت الكنيسة في كلّ مجامعها أنّ كلّ انحراف عن الإيمان، صغيرًا كان أم كبيرًا، هو هرطقة. وفي كل شرطونيّة كهنوتيّة يُذكّر الله أساقفته بالوديعة وبالحساب الذي سيقدّمونه عن الإيمان، وديعة الإيمان الأرثوذكسيّ. الكذبة الأخيرة التي يكذبها إبليس على المسيحيّين اليوم، والتي هي الأعظم، من لحظة سقوطه إلى اليوم، وصدّقها كثيرون، هي أنّ الكنيسة ليست واحدة بل منقسمة، وأنّ كلّ من خرج من هذه الكنيسة الواحدة وسمّى نفسه كنيسة هو فعلًا كنيسة. وأنّ كل إيمان هو صحيح وكلّ الكنائس هي صحيحة، لا بل الأديان كلّها صحيحة، وأنّه لا توجد هرطقة. وهكذا يُزوّر إبليس الإيمان، ويُمهّد لهذه الوحدة المسكونيّة المزيّفة. وهكذا أيضًا أباح للكلّ مناولة أسرار الكلّ، ناقضًا كلّ ما علّمته الكنيسة مدّة ألفي سنة، أنّ الشركة في المناولة من دون وحدة الإيمان مستحيلة. إذا بقي لنا في هذا الشرق حسّ بالدينونة الآتية سيبقى لنا حسّ بالإيمان الأرثوذكسيّ، هذا الحسّ بالإيمان يُعطينا دافعًا للتوبة، ليُبقي لنا الربّ بقيّة في هذه الأرض.
آخر المواضيع
لماذا يتخلّى الله عن شعبه في هذا الشرق؟
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
لماذا يخسر المسيحيّون أرضهم في هذا الشرق؟
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
لماذا نصوم؟
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني