في رقاد السيِّدة والدة الإله وانتقالها

في رقاد السيِّدة والدة الإله وانتقالها
الأرشمندريت جورج كابسانيس - ٢٠٠٥
نقله إلى العربية: فريق القديس غريغوريوس بالاماس
أعظم الأعياد الوالديَّة هو عيد اليَوم، إنَّ رقاد والدة الإله فصح مصغّرٌ صيفيّ يعطينا الفُرصة لنعبِّر عن مدى العرفان بالجميل لأُمِّنا، على كلِّ ما فعلت لأجل البشريَّة، ولأجل كلِّ واحدٍ منَّا شخصيًّا. فلولا تعاونها مع الثَّالوث القدُّوس وبذلها لأجل الله لَما كانَ كلمة الله يتجسَّد. كان الله يترقَّب متى ستظهر نفسٌ مقدَّسة كُلّيَّة النَّقاء والطُّهر، ومُستعدَّة لتقديم حُرِّيَّتها بالكامل لله ، بحيث يقدِّم الله ذاته لها بالكامل! كانت هذه مريم المُباركة، فتاة النَّاصرة البسيطة. نكنُّ لها بالعرفان، لأنَّها أعطتنا أغلى ما في حياتنا: مخلِّصنا. ما كان حالنا لولا المسيح فادينا؟ نحن اليائِسين والمحكومين بالموت، أسرى الشيطان أبديًّا بلا أيِّ رجاء.
لدينا اليوم مسيحنا الفادي، الإله المُتجسِّد، وهذا بفضل سيِّدتنا والدة الإله؛ لأجل هذا مديحُ الكنيسةِ لها دائمٌ وتسبيحُها مستمرٌّ لا يَنضُب. لم يُمدَحْ إنسانٌ على الأرض قطّ بكلِّ هذه التَّسابيح ولا التَّعظيمات ولا التَّمجيد ولا التَّعابير بلاغيّة، بقدر ما مُدِحَت السيِّدة العذراء. وإن لم نشَإِ الإطالة بذِكر الأمثِلَة، حسبُنا النَّظر إلى خِدمَة مديح السيِّدة، كم وكم تمنحها الكنيسةُ من المدحَ والتبجيل. ليس هذا كله بديعًا شعريًّا وحسب، بل وتعبير الكنيسة الصَّادق عن مشاعِر الامتنان، إذ عبر والدة الإله صارت تَنعَم بالمسيح المُخلّص. نسبَت لها الكنيسةُ مُنذ المَجمع المسكونيِّ الثَّالث لقَبَ "والدة الإله". يشتمل هذا الاسم على سرِّ الخلاص وحُسن العبادة بجُملته، بحسب القدِّيس غريغوريوس اللاّهوتي، وجميع الآباء، أمَّا الهراطقة فيرفضون حقيقة أنَّ السيِّدة والدة الإله قد ولَدَت الإله المُتجسِّد. أمَّا الكنيسة فجاهَرت بافتخارٍ بإيمانها أنَّ السيِّدة والدة الإله قد ولدت كلمة الله، الإله مُتجسِّدًا، وأنَّها صارت معمَل الاتِّحاد الَّذي لا يعبّر عنه، اتِّحاد الطبيعَتَين الإلهيَّة والإنسانيَّة. إذ اتّحدت، في حشاها المقدَّس، مُنذ ساعةِ الحبل بابنها الوحيد، الطَّبيعة الإنسانيَّة بالإلهيَّة فحُبِلَ بالإله المُتأنِّس الرَّبّ يسوع المسيح. لذا نصفها بـ "معمل" اتِّحاد الطَّبيعة الإنسانيَّة بالإلهيَّة بحال لا تُدرَك. يجب ألاّ نَنسى هذا، فالكنيسة لا تَنسى أبدًا إكرامَ السيِّدة. لذا، كلَّما مجَّدَتْ ابنَها الوحيد تُمجِّدها هي أيضًا. ما مِن خِدمة كنسيَّة تذكرُ اسمَ الرَّبِّ إلاّ وتذكر فورًا اسم والدة الإله، مُتصدّرة جميع القدِّيسين مثلما تقدَّمت جوقَ الرُّسل.
حسب القديس غريغوريوس پالاماس، حين صعِد الرَّبّ إلى السَّماوات، قامَت والدة الإله بتشجيع الرُّسل القدِّيسين وشحذِ همَّتهم. هي الَّتي علَّمتهم وأرشدتهم -وكأنَّها رئيسة أخويَّتهم بطريقةِ ما- ولا تزال الأُمّ الرُّوحيَّة لكلّ المسيحيّين المؤمنين بالثَّالوث القدُّوس باستقامة، وهي خاصَّةً، رئيسة الرُّهبان، وتحديدًا الآثوسيّين. إذا كانت الكنيسة بأكملها تكِنُّ بالعرفان لوالدة الإله، فكَم بالأحرى نحن رهبان آثوس الوضعاء؟ مَن استُؤهِلنا قَبول دَعوَتِها الخاصَّة بالمجيء إلى بُستانِها ههنا، لنجاهد ببركتها هي وإرشادها في جهادنا الرُّوحيّ لنُحبَّ ابنَها الوحيد، كما أحبَّتهُ هي. عظيمٌ هو دَيْنُ كلِّ المسيحيِّين لسيِّدتنا والدة الإله، خاصَّةً الرُّهبان، ونحن الآثوسيّين. نشعر بهذا دائمًا وتحديدًا في أعيادها المقدَّسة.
إنَّ ما جعلَ والدة الإله حقًّا فائقةَ القداسة هو أنَّها لم تلِد المسيح بطريقة غير متفاعلة أو بسلبّية كأداةٍ، بل ساهَمت في الحبَل بالمسيح الإله المتأنِّس وفي ولادَتِه. لم يجئ اعتباطًا المَقطعُ المقروء اليَوم من الرَّسالة إلى أهل فيلبي ( 2 : ٥ - ١١) ، بل تمَّ اختياره تحديدًا من أجل عيد رقاد السيِّدة. فإنَّ والدةَ الإله شارَكَت أيضًا في فِكرِ المسيح. إذ يقول رسولُ الأُمم العظيم فيه: "فليكن فيكم -أيُّها المسيحيُّون- هذا الفكر، فكر المسيح يسوع أيضًا". ما هو فكرُ المسيح هذا؟ "الَّذي إذ كانَ في صُورَةِ اللهِ، لم يَحسِب خُلسَةً أن يكونَ مُعادِلاً لله. لكنَّهُ اخلى نفسهُ آخِذًا صورةَ عبدٍ صائرًا في شِبهِ النَّاس" ... آخِذًا اتِّضاعنا وذلِّنا، ليَجعَلَنا مُشابِهين لِصورَةِ مَجدِهِ.
هذا هو فكر المسيح: قمَّةُ التَّواضع! إخلاء الذَّات، التَّضحيَة والعَطاء لأجلِ البشريَّة. وهذا كانَ فكر السيِّدة العذراء كذلك. فلا يُعقل أنَّ الَّتي حَوَت اللهَ في حضنها ألاّ يطابِق فكرُها فكرَ المسيح الَّذي حبِلَت به، وفكرَ الإلهِ المُتجسِّد. هو قد تجسَّد واتَّضَعَ وأخلى ذاته مِن أجل هذا الفِكر تحديدًا. وهو بعينه فِكر مريم فتاة النَّاصرة الوضيعة والَّتي أخلَت ذاتَها هي أيضًا مُقدِّمةً إيَّاها بالكامِل لله، لم تحتفظ بأيِّ شيءٍ لنفسها. هذا ما يريده الرَّبّ مِنَّا نحن المسيحيّين أبناء ولدة الإله كذلك، الفكر هذا بعينه.
لذلِكَ، نشكُر والدة الإله أُمَّنا، ربَّما قد رقدَت والدةُ البعض منِّا (الجسديَّة) لكنَّنا نحسُّ بأجمعنا أنَّ والدةَ الإله هي أُمّنا الرُّوحيَّة السَّاهرة علينا بالشفاعات وهي الرجاء الثابت. هذا عزاءٌ عذبٌ في حياتِنا وفي تجاربنا وأحزاننا. أيّ لدينا آبٌ سماويٌّ حنونٌ، لا هذا فقط بل وأُمٌّ روحيَّة، أيّ السيِّدة العذراء، إليها نلتجئ وهي تساعدنا دائمًا وتتشفَّع بنا.
على كل هذا نشكرها اليَوم تحديدًا، من عمق القلب ونلامس بالشِّفاه وبالجباه نعشها الطَّاهر، وعقليًّا نسجدُ أمامَه ونلثمهُ صحبةَ الرُّسل، مشاركين في جنَّازِها الَّذي ما كان إلاَّ الجسر النَّاقل إلى السَّماوات. انتقلَت السيِّدة والدة الإله بنعمة ورأفة ابنها الوحيد إلى السَّماء، فإنَّه لا يُمكِن لجسدِها الطَّاهر الَّذي حمَل الله، أن ينزِل إلى تُراب الأرض كي يأكله الدُّود. كان لا بدَّ أن تقومَ مُمجَّدةً. هي أولى مَن قامَ وحُوسِبَ وتَبرَّرَ وتمجَّد، وتجلس الآن عَن يمينِ ابنِها السيِّد متشفِّعَةً بالبشر كلهم. في المجيء الثَّاني، حين نقوم كلنا ونمثل لدى منبر الرَّبّ المرهوب، ستتصدَّر هي الكنيسة وستكون الوَسيطة لنا والحماية والمعونة.
نشكرها ونترجَّاها أن تُنيرنا كيّ لا نَغدو بنين غير مستحقّين، بل أن نقوم بجهادنا اليوميّ مقتنيين فكرها، أيّ فكر ابنها الرَّبّ يسوع المسيح بفكر الاتِّضاع والتَّضحية والمحبَّة والبذل. ألا قوَّاكم الله، كلًّا في جهاده بشفاعات السيِّدة والدة الإله.
آخر المواضيع
في رقاد السيِّدة والدة الإله وانتقالها
الفئة : أعياد سيديّة
عيد رقاد وانتقال والدة الإله المجيدة والدائمة البتولية مريم إلى السماء
الفئة : أعياد سيديّة
التجلي المقدّس
الفئة : أعياد سيديّة
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني