عيد رقاد وانتقال والدة الإله المجيدة والدائمة البتولية مريم إلى السماء

عيد رقاد وانتقال والدة الإله المجيدة والدائمة البتولية مريم إلى السماء
الأب المتوحد مكاريوس السيمونوبتريتي الآثوسي
ترجمة: الأب سمعان سمعان
إن التقليد الليتورجي والإيقونوغرافي قد استعار كثيراً من الكتب المنحولة الكاذبة عن هذا العيد وسائر أعياد والدة الإله، خصوصاً كتاب يوحنا اللاهوتي المنحول وكتاب ميليتون المنحول، ولكن صحّح تقليد الكنيسة الشريف الأخطاء العقائدية في هذه الكتابات. بدايةً، إحتُفل بهذا العيد في كانون الثاني وثبتته كنيسة أورشليم في 15 آب، وقد فرضه الأمبراطور موريس (582 – 602 م) على كلّ كنائس الشرق. وبالفعل انتشر بسرعة، خاصةً أن آباء كبار قد ألّفوا له عظات مهمة جداّ، نذكر منهم القديس أندراوس الكريتي، القديس يوحنا الدمشقي، القديس جرمانوس رئيس أساقفة القسطنطنية، القديس ثيوذوروس الستوديتي، القديس غريغوريوس بالاماس، وغيرهم.
عندما رغب المسيح إلهنا أن يستدعي والدته إليه، أُرسل الملاك إلى أمّه ثلاث أيامٍ قبل رقادها ليعلمها بالأمر. بحسب بعض الآباء، هو الملاك جبرائيل – غفريئيل – كما في البشارة، ويذكر الآباء أن هذا الحدث قد تمّ بعد 11 سنة على قيامة الربّ من بين الأموات، أيّ كان للعذراء مريم 59 سنة من العمر. عند ظهوره لها، توجّهَ الملاك إلى الممتلئة نعمةً قائلاً "هكذا يعلن ابنكِ، ’قد حان الوقت لأدعو أمي إليَّ’، فلا تخافي من هذا الخبر، بل بالأحرى إفرحي، لأنك سوف تنتقلين إلى الحياة الأبدية". وقدّم لها الملاك غصن نخيل دلالةً على الغلبة على الموت والفساد. إستقبلت والدة الإله هذا الإعلان بفرحٍ كبير، وهي ممتلئةً شوقاً ورغبةً كبيرة أن تنتقل إلى ابنها. فتوجّهت إلى جبل الزيتون لكي تصلّي بهدوء، كما كانت تفعل دوماً (لذلك الصلاة الهدوئية هو تقليد أسّسه ربنا يسوع المسيح نفسه ومارسته والدته). وهناك على قمة جبل الزيتون تمّ حدثٌ عجيب، فقد انحنت الأشجار ساجدةً وممجدةً سيدة العالم، كخدّام عاقلين.
بعد صلاتها، عادت الكلية القداسة إلى بيتها على جبل صهيون، فبحسب بعض الآباء هي كانت تمكث في منزل القديس يوحنا اللاهوتي الحبيب كما أوصاه الربّ يسوع من على الصليب. وحينما دخلت صار يهتزّ البيت. فشكرت الربّ على نعمه وأضاءت المنزل، ودعت أقاربها وجيرانها إليها. ثمّ رتّبت فراش رقادها بيدها وجهّزت بترتيب كلّ ما يلزم لدفنها. وللنساء التي لبّت دعوتها، أخبرتهنَّ عن رقادها وانتقالها إلى السماء، وكدليل على الحدث المزمع حصوله، قدّمت لهنَّ غصن النخيل، رمز الغلبة على الموت والفساد. ولكنهنّ، بسبب تعلقهنَّ بأمور هذا العالم، استقبلنَّ زميلاتها الخبر ببكاء ونحيب، راجين والدة الإله ألّا تتركهنَّ يتامى. ولكنها طمئنتهنَّ أنها سوف تنتقل إلى السماء، ولكن ستستمرّ بحمايتهنَّ والعالم أجمع بصلاتها. وعند هذه الكلمات المعزّية، توقفنَّ عن البكاء وساعدنها بتجهيزات الدفن. حينئذٍ أمرت الكلية القداسة أن تهب ثوباها الوحيدان إلى أرملتان من بين صديقاتها (نعلم أن ثوباً من الثوبين قد وُضع في كنيسة فلاخيرن في القسطنطنية، أما زنّار الثوب فهو موجود حالياً في دير الفاتوباذي في الجبل المقدس آثوس).
مباشرةً بعد هذه الأحداث، اهتزّ البيت مجدداً من جراء صوتٍ هائلٍ كصوت رعدٍ، فامتلئ من غمام حاملاً الرسل المنتشرين في كلّ العالم إلى صهيون. وهكذا، فالكنيسة أجمع، متمثلةً برسلها قد حضرت بشكلٍ سرّيٍ لتحتفل برقاد سيدتها. ومع جوق الرسل حضر أساقفة قدّيسون، كالقديس إيروثيوس (عيده في 4 تشرين الأول)، وتلميذه القديس ذيونيسيوس الآريوباغي (عيده في 3 تشرين الأول)، والقديس تيموثيوس (عيده في 22 كانون الثاني)؛ ويذكر هذا التفصيل كتاب القديس ذيونيسيوس الآريوباغي "الأسماء الإلهية".
ثمّ قال الجميع لوالدة الإله، وأعينهم ممتلئة دموعاً "إذا استمريت عائشةً في هذا العالم وتحيَين فيما بيننا، فهذا يشّكل تعزيةً كبيرةً لنا، يا سيدتنا، لأننا عندما نراك كأننا نرى ابنك وسيدنا. ولكن بما أنَّ هذه هي مشيئته أن تنتقلي إلى السماء، فنحن ننوح ونبكي كما ترين. ولكننا نفرح لأنَّ كلَّ شيءٍ قد أُعطيَ لكِ". فأجابتهم "أيها التلاميذ وأصدقاء إبني وإلهي، لا تحّولوا فرحي إلى حزن، بل أدفنوا جسدي واحفظوه في الوضعية ذاتها التي أتخذها أنا على سرير موتي". عند هذه الكلمات، حضر بدوره الإناء المصطفى، الرسول بولس إلى المنزل، وطرح نفسه أمام أرجل الكلية القداسة ليكرّمها موجّهاً لها هذا المديح "إفرحي يا أمّ الحياة وموضوع بشارتي، لأنكِ بما أنّي لم أرَ المسيح بعين الجسد قطّ، فعندما أراكِ فإني بإيمانٍ أتأمله".
بعد أن ودّعت الحاضرين، استلقت الكلية القداسة على سرير موتها، موجّهةً جسدها بحسب رغبتها، ثمّ توجّهت بصلواتٍ حارة نحو ابنها من أجل أن يحفظ بسلامٍ العالم أجمع. ثمّ أعطت بركتها الأخيرة للرسل والأساقفة، مبتسمةً، وسلّمت بسلامٍ نفسها الطاهرة النقية والممتلئة نوراً لامعاً إلهياً بين يدّي ابنها وإلهها، الذي ظهر برفقة رئيس الملائكة ميخائيل وجوقاً من الملائكة. وقد تمَّ رقادها بدون آلامٍ واضطراب، تماماً كما كانت ولادتها لإبنها بدون ألم.
أقام خدمة الدفن الرسول بطرس، هامة الرسل، وحمل زملائه النعش، يتقدمهم جوق من الرسل يرتّلون ويحملون المصابيح، وعلى رأسهم القديس يوحنا اللاهوتي الحبيب حاملاً غصن النخل بيده رافعاً إياه كعلامة الإنتصار. أمّا البقية فكانوا يتبعون النعش بصمت وهيبة. كما سُمع أيضاً ترتيل الملائكة يشاركون البشر، بحيث أن السماء والأرض قد اشتركا معاً في نشيدٍ لتكريم سيدة العالم. أصبح الهواء نقياً بسبب صعود نفسها فيه، وتقدّست الأرض بسبب وضع جسدها فيها، ونال حينها كثير من المرضى على الشفاء.
لم يستطع اليهود احتمال هذا المنظر، فأثار زعيمهم الشعب أن يهجموا على النعش المستريح عليه الجسد المحيي ويدنّسوه. استَبَقَتْ العدالة الإلهية هذا التصميم المظلم الشرير، ففقد الشعب اليهودي بصرهم في اللحظة ذاتها. ولكن استطاع واحد منهم، الكاهن جيفونياس، الأكثر عداءً بينهم، أن يلمس طرف النعش المقدس، فتقطعت ذراعاه بسيف الغضب الإلهي وبقيت يداه على النعش في منظرٍ يثير الشفقة. أثار ما حصل معه من عقاب توبةً عميقة في نفسه، فآمن جيفونياس من كلّ قلبه، وعلى كلمة بطرس نال الشفاء وعادت ذراعاه إليه فصار لرفاقه أداة خلاص وشفاء. وبالفعل، قدّموا له جذع من غصن نخيل والدة الإله، فوضعه على أعين رفاقه فنالوا الشفاء من العمى الجسدي والروحي معاً.
وعندما وصل الموكب إلى حديقة الجثسيماني، دفن الرسل جسد القديسة والدة الإله في القبر، وبقوا هناك ثلاث أيامٍ متواصلة مقدّمين صلوات لا تنقطع مع ترانيم ملائكية. يذكر الآباء، أنه بعد الإنتهاء من الدفن، إجتمع الرسل حول مائدة أخوية، ووضعوا قطعة خبز مكان المسيح (كان يترك الرسل كرسياً فارغاً "مكان المسيح" الحاضر بينهم، و كانوا يرفعون الخبز مستدعين اسم المسيح)، واستعدوا اسم المسيح كما جرت العادة، فسمعوا صوتاً من السماء، وهو صوت الكلية القداسة، قائلةً لهم "إفرحوا، لأني معكم حتى نهاية الأيام". ممتليئين فرحاً، صرخ الرسل بصوت واحدٍ "أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلصينا". ويعتبر هذا الحدث الحاصل أساس خدمة "رفع خبز الكلية القداسة" (رفع البانآجيا)، الذي تقوم به الأديار قبل الأكل على المائدة أيام الأعياد الكبيرة والأحاد – وهي التوجّه من الكنيسة إلى المائدة على ترتيل "بواجب الإستئهال..." أو تعظيمة لوالدة الإله بحسب العيد، ثمَ توزيع الخبز المقدس من خبز الذبيحة على الجميع مع تبخير.
بحسب التقليد الآبائي، فقد تغيّب الرسول توما عن خدمة الدفن بتدبير إلهي، ولم يصل إلّا في اليوم الثالث للدفن. ولكنه لم يرضَ بتعزية إلّا بعد طلبه مشاهدة جسد الكلية القداسة للمرة الأخيرة. وهكذا بعد موافقة باقي الرسل، تقرر فتح القبر كي يستطيع السجود لجسد العذراء المقدّس. وعندما أزاحوا الحجر عن باب القبر، شملتهم دهشة ملاحظين أن الجسد قد اختفى، ولم يبقَ إلّا الكفن فارغاً على شكل الجسد الذي حويه. فصار ذلك دليلاً واضحاً لإنتقال والدة الإله إلى السماء، أي قيامتها من الأموات وانتقال جسدها متّحداً بنفسها الطاهرة فوق السماوات بسبب علاقتها الخاصة مع إبنها، فأصبحت ممثلتنا (ممثلةً البشر) ومحاميتنا لدى الله. بحسب كتاب يوحنا المنحول الأبوكريفي، انتقل أولاً جسد العذراء مريم إلى الفردوس، قرب شجرة الحياة، وهناك استقبلها رئيس الملائكة ميخائيل وأودع فيه نفسها الطاهرة، فعادت حيّةً مجدداً. ولكن لم يؤكد الآباء القديسون هذا الحدث، أو هذه الفكرة، ورفضوا إدخالها إلى الإيمان المستقيم كعقيدة، ولكنها بقيت في التقليد كتقوى، أي موضوع تقوى كنسية بعيدة عن تحديدات لاهوتية. فضَّلَ الآباء التأمل في سرّ "إنتقال" METASTASIS والدة الإله إلى السماء، على أنه إكتمال تدبير المخلص في مشاركتها قيامة ومجد المخلص نفسه، مخصصين مصطلح "قيامة" ANASTASIS للمسيح المخلص فقط. أمّا مصطلح "صعود" ASSOMPTION والدة الإله بالجسد، الذي اعتمدته الكنيسة الكاثوليكية البابوية كعقيدة سنة 1950م، عقيدة لازمة ومكملة لعقيدة "الحبل بلا دنس" (التي أُقرت سنة 1845م)، توحي بشكل مشوش، وخاطيء طبعاً، أنّ والدة الإله لم ترِث آدم في الخطيئة الجَّدية ونتائجها من فساد وموت، لذلك لم تمت البتّة، بل صعدت جسداً وروحاً مباشرة إلى السماء. وهذا رأيٌ مخالف للتقليد المقدس للكنيسة ولإيمان الكنيسة المستقيمة الأرثوذكسية. يوضح تقليدنا الليتورجي والإيماني المستقيم، من خلال الآباء القديسين، أنّ العذراء قد حبل بها بشكل طبيعي وارثةً نتائج الخطيئة الجَّدية، القابلة للموت، ولكنها جاهدت ضدّ أهواء هذا العالم، حافظةً نفسها بعيدة عن الخطيئة، أي تنقَّت مطهِّرة نفسها من كلّ دنس، فاستحقت أن يبشرها الملاك، وعند قبولها بطاعة وإتضاع، تجسّدَ ابن الله في أحشاءها، واتَّخذ منها جسده، فصارت أمّ الحياة. ثمّ ماتت كباقي البشر، ولكنها بما أنها أمّ الحياة، إنتقلت من الموت إلى الحياة، كما تفسّر طروباريتها بشكل واضح "في ميلادك (أي ولادتك المسيح) حفظت البتولية وصنتها، وفي رقادك ما أهملت العالم، و(ما) تركته يا والدة الإله، لأنك إنتقلت إلى الحياة بما أنك أمّ الحياة، فبشفعاتك أنقذي من الموت نفوسنا".
وهكذا أضحت مريم، إبنة آدم، والدة الإله THEOTOKOS بالحقيقة ووالدة الحياة بمولدها من هو مبدء الحياة (يوحنا 14 – 6)، وهكذا مرّت بالموت كباقي البشر، ولكنها لم يكن موتها شائن بغير كرامة، بل غالبة مع المسيح الموت والفساد، هي التي قبلت بطاعة لخلاصنا المسيح مبدء الحياة في أحشائها. فأصبحت لعنة آدم (أي الموت) موتاً محيياً ومبدأ حياة جديدة. وأمّا قبر الجثسيماني، فأصبح مماثلاً قبر المسيح المقدس وظهر كخدر العرس حيث يتمّ عرس عدم الفساد.
وكان من اللائق والواجب أن تمرّ العذراء القديسة في المراحل ذاتها التي مرّ بها المسيح ابنها من أجل خلاص وتقديس طبيعتنا. فبعد أن تبعته في آلامه وعاينت قيامته، عرفت خبرة الموت، وبعد انفصال نفسَها عن جسِدها، وُجدت نفسُها متّحدة بالنور الإلهي، وجسدها بعد بقائه وقتاً قليلاً في الأرض قام بنعمة وقوة قيامة المسيح. أماّ جسدها الروحي هذا، فقبله الإبن في السماء، جسداً متألهاً كعرش الله. جسدها الطاهر هو الجزء الأبرز في جسد المسيح وقد دعاه الآباء الكنيسة ذاتها، مسكن الله بين البشر، باكورة حالتنا المستقبلية، ونبع تألهنا. من أحشاء مريم والدة الإله، فُتح لنا ملكوت السماوات، لذلك إنتقالها إلى السماء هو سبب فرح لكلّ المؤمنين الذين حصلوا على التأكيد والبرهان أنّ من خلالها، كلّ الطبيعة البشرية تصبح حاملةً المسيح، ومدعوةً أن تسكن في الله متَّحدةً به.
آخر المواضيع
في رقاد السيِّدة والدة الإله وانتقالها
الفئة : أعياد سيديّة
عيد رقاد وانتقال والدة الإله المجيدة والدائمة البتولية مريم إلى السماء
الفئة : أعياد سيديّة
التجلي المقدّس
الفئة : أعياد سيديّة
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني