"والدة الإلـه "إنّي أنا مدينتك

والدة الإلـه "إنّي أنا مدينتك"
حديث للأرشمندريت جاورجيوس كابسانيس، ٢٠٠١
نقله إلى العربية: فريق القديس غريغوريوس بالاماس
يوجد طقسٌ جميلٌ بين التَّقاليد المقدَّسة والمُباركة في كنيستنا، ألا وهو ترتيل مَديح السيِّدة العذراء، مساء كُلِّ جمعةٍ مِن الصَّوم الأربعينيّ الكبير المُقدَّس. نجتمع، نحن الأرثوذكس في الكنائس، لنقول لسيِّدتنا والدة الإله هذه الـ "افرحي". وهذا ليس مجرَّد بديع شعريّ، بل تعبير صادقٌ عن شدَّة امتنانا مِن عُمق القلب، نحو أمِّ اللهِ وأمّنا كلّنا، الَّتي ندين لها جميعنا بالكثير. لولا السيِّدة والدة الإله الُمباركة لما وُجدَ كإنسانٍ الرَّبُّ المُخَلِّص سيِّدنا. لهذا، تخُصُّ كنيستنا السيِّدةَ بالتَّكريم الجزيل. كلَّما اجتمعَ المسيحيونُ لتسبيحِ المسيحِ المخلِّص، لابدَّ من أن يسبِّحوا أيضًا السيِّدة العذراء. في جميع الخِدَم وجميع الأسرارِ والطُّقوس، نجدُ السيِّدة دائمًا عن يمين المسيح السيِّد، تُمدح وتسبَّح مِن الكنيسة، مُنذ عهد الرُّسل وحتَّى يَومنا. فهذا ليس بالأمر الجديد، بل هو ما تَسلَّمناهُ من الرُّسل القدِّيسين، لأنَّ السيِّدة كانت في وسطهم؛ في أثناء حياة السيِّد على الأرض حتَّى صعوده إلى السماوات، كانت السيِّدة بِقُربه، وقرب صليبه كما تذكرون، وكذلك بعد صُعوده إلى السماء، بقيت السيِّدة أُمًّا للرُّسل، تسندهم وتعلِّمهم، تعزِّيهم وتوجِّههم في عَمَلِهم البِشاريّ. وما حصل مع الرُّسل استمرَّ عبر القُرون حتَّى الآن.
مرّةً سُئلَ لاهوتيٌّ قدّيسٌ في كنيستنا: "ما هي الكنيسة؟" فأجاب: "هي المُخلِّص وأُمُّهُ وأصدقاؤهُ." لدَينا في كنيستنا المُقدَّسة: المُخلِّص أي مسيحنا، وأُمُّ المخلِّص وأصدقاءُ المُخلِّص أي القدِّيسون والقدِّيسات. مِن عهد الرُّسل حتَّى اليوم، تمثُل السيِّدة في وسطنا، مُتقدِّمة كنيسة المخلَّصين. هي مِن بعد المسيح، أَقدس وأَكرم شَخص في الكنيسة. الأُولى في مَن خَلصوا، حسَب الآباء القدِّيسين، هي الأولى الَّتي رقدت وقامت وصعِدت إلى السماء، وهي عن يمين المسيح، تتشفّع بجميع البشر، وفي المجيء الثَّاني لربِّنا، حين سيقومُ الجميع، هي لن تقوم لأنَّها قد قامت. هي أوَّل إنسان نال الخلاصَ وقام بعد المسيح، وستكون عن يمينه، مُتشفِّعَةً فينا.
إنّ بركة السيِّدة كبيرةٌ وكذلك نعمتَها ومجدَها. وكيف لا؟ ما دامت قد حملت الله في حشاها المُقدَّسة. هي مدينةُ الَّذي لا يسعه مكان، فصارت أُمَّ الحياة. كلمة "حوَّاء" بالعبرية معناها "أُمّ الحياة" لكنَّ حواء المسكينة خدعها إبليس فصارت أُمَّ المَوت! وورَّثتنا المَوت؛ بينما السيِّدة العذراء فعلت عكس حواء. الأُولى عَصت الله فخسرته، أمَّا السيِّدة فأطاعته وكسبته بطاعةٍ كاملةٍ، بل وولدتهُ وربَّته ونمَّتهُ كإنسان، ثمَّ سلَّمتهُ للعَالم كأُمٍّ لله. ولأنَّ المسيح هو القيامة والحياة، إذًا السيِّدة هي أُمُّ الحياة، مَن ولدت الحياة والَّتي ترشدنا حتَّى اليَوم إلى الحياة أي المسيح. لهذا، الآن "أم الحياة" الحقيقيَّة، حوّاء الحقيقيَّة هي سيِّدتنا العذراء، الَّتي صحَّحت خطأَ تِلك فصارت هي حوَّاء الحقيقيَّة.
إنَّنا ندين لسيِّدتنا العذراء بالكثير؛ فهي أُمُّنا الروحيَّة. كلَّنا نَعرف مقدار كرامة وإجلال الأُمّ. إذا كانت أُمُّنا بالجَسد مكرّمة هكذا بالنسبة إلينا، وشخصًا عزيزًا مقدَّسًا، ونحتاج إليها في حياتنا، وحتّى من يعمّرون إلى تسعين أو مئة سنة، تسمعهُم يقولون "أُمِّي!". فهي الأمّ، وإن كانت قد توفّت قبل ستِّين سنة، أو حتَّى لو لم نعرفها قطّ. إلى هذه الدَّرجة يتعلَّقُ كلُّ مرءٍ بأمّه ويحسُّ بها: إنَّ هذا مِن الله. إنَّ الأمومة حقًّا برَكة، وإن كان للمرءِ أُمّ ورعةٌ مؤمنة، فالبركة عندئذٍ تكون أكبر؛ لأنَّ الأمَّ شخصٌ جليلٌ مكرّمٌ لدينا؛ ولا سيّما أن لدينا أُمّنا السَّماويّة، أُمَّنا الروحيَّة أي السيِّدة العذراء. إن كان أحدٌ قد خسِر أُمَّه في هذه الحياة، أو أنَّها قد خذلتهُ أو أحزنتهُ - فهي إنسانٌ بالنهاية – فنجد تعزيةً كبيرة في أُمِّنا الروحيَّة. ما أجمل أن ندرك أنَّ لنا أمًّا سماويَّة روحيَّة قدِّيسة يُمكنُنا أن نلجأ إليها في أيِّ لحظةٍ بحياتنا، وأن نقول لها هَمَّنا في العُمر، وحبَّنا نحوها، وأفكارنا أو أحزاننا أو حتَّى شكوكنا. يُمكننا أن نقول كلَّ شيء لسيِّدتنا وأُمِّنا وأن نطلب بركتها. جميل أن يكون لدى المسيحيّين رباطٌ روحيٌّ بالسيِّدة العذراء، ومِن خلالها بربِّنا يسوع المسيح. لأنَّ السيِّدة العذراء لا تُريدنا مرتبطين بها ومتناسين ابنها. فالمسيحُ هو مركز حياتِها، كان دائمًا وسيكون أبدًا، وتُريد أن يكون مركز حياتنا نحن. إذًا هي أيضًا تُريد منّا، كلّ مَن يحبُّها أن يحبَّ المسيحَ أيضًا وأن يكون هو محور الحياة. لهذا السبَب في الجبَل المُقدَّس، وفي كلِّ مكانٍ حيث الأرثوذكس، صلاتنا الأساسيَّة هي "ربِّي يسوع المسيح ارحمني، أنا الخاطئ" وبعد ذلك: "أيَّتُها الفائق قدسها والدةُ الإلهِ خلِّصينا." وكذلك "افرحي يا والدةَ الإله العذراء مريم يا مُمتلئة نعمةً الرَّبَ معَك..." وكذلك "إنَّ الملاكَ المُتقدِّم أُرسِلَ مِن السَّماء ليقولَ لوالدة الإله افرحي.... (والمديح بأكمله). في الجبل المقدَّس، في كلِّ خدمة تُدمَج صلاةٌ أو خدمة لوالدةِ الإله. أي مع صلاة النَّوم نقول المديح في كلِّ ليلة. كذلك يتلو كلُّ راهبٍ يوميًّا في قلاّيته مُنفردًا مديح السيِّدة العذراء، لمرَّة واحدةٍ على الأقَل، مرددًا هذه "الـ: افرحي... افرحي... افرحي...".
نكون في شركةٍ دائمةٍ مع المسيح عبر صلاة يسوع: "ربِّي يسوع المسيح ارحمني، أنا الخاطئ"، وأيضًا في تواصل مُستمرٍّ مع السيِّدة والدة الإله أُمِّ مخلِّصنا، أي مع أقدس شخصين. تُرشدنا سيِّدتنا العذراء إلى مسيحنا. الإيقونة الجميلة الَّتي رتَّلنا أمامها الليلة المديح، هي نسخة عن إيقونة في دير البارّ غريغوريوس (ديرنا) وتُصوِّر السيِّدة العذراء، حاملةً على ذراعها السيِّد طفلاً وباليد الأخرى تدلّ عليه، لذا تُسمَّى المُرشِدة، لأنَّها تقودنا إلى المسيح.
لكنّ دأب السيّدة ليس لاستجابة مطالبنا فقط: كَي تشفينا إن مَرِضنا، وتُساعدنا في صُعوبات الحياة أو أن تعزِّينا وحسب؛ بل هي لنا النموذج كي نتمثَّل بها. لِنرى كيف سلكَت في هذه الحياة، وأن نحاول أن نقتدي بها ونُشبهها.
في هذه الفترة، الصَّوم الأربعيني المُقدّس، نردّد مرارًا في الخِدَم الكنسيَّة صلاة القدِّيس أفرام السرياني التَّالية:
"أيُّها الرَّبّ وسيِّد حياتي، أعتقني مِن رُوح البطالة، وحبِّ الرئاسة والفضول والكلام البطَّال.
وأنعمْ عليَّ أنا عبدُك المفرط الخاطئ بروحِ العِفَّة، واتِّضاعِ الفِكر والصَّبر والمحبَّة.
نعم يا ملكي وإلهي، هَبني أن أعرِفَ ذنوبي وعيوبي وألاّ أدينَ إخوتي. فإنَّك مباركٌ إلى الأبد آمين."
نسجُد ثلاثَ سجداتٍ كبيرة، على وقع كلِّ عِبارة، تَتلوها اثنتا عشرة مطانيّة صغيرة فيما نردّد " يا الله اغفر لي أنا الخاطئ" ونرسم إشارة الصَّليب. ثمَّ سجدة رابعة مُكرِّرينَ العبارة الأخيرة: " نعم يا ملكي وإلهي..."
إنَّها صلاة جميلة جدًّا. جيِّدٌ أن نحفظها غيبًا، وأن نكرِّرها في بيوتنا، لأنَّها تشمل جميع الفضائل المسيحيّة. تَذكُر كُلّ ما يجب أن يتحلَّى به كُلّ إنسان مسيحيّ. ومن يتأمَّل بإمعانٍ يجد أنَّ سيِّدتنا والدة الإله قد تحلَّت بجميع هذه الفصائل. لن أناقش فضائلها الأُخرى كالمحبَّة والتَّواضع... بل واحدةً فقط، لأنَّنا نقع جميعًا في هذا الفخّ؛ أمَّا سيِّدتنا، فلم تُكثر الكلام قطّ. قد قامت بإنجازات عظيمة فاقت عمل أيّ إنسان آخر؛ لأنَّ ما فعلتهُ السيِّدة لم يقم به إنسان سواها، مهما كان حكيمًا وعظيمًا أو حتَّى قديسًا...أي أنَّها قد ولدت الله. وحدها والدة الإله هي من حقَّقت هذا، لكنّها كانت مُتواضعة جدًّا وقليلة الكلام.
يذكر الكتاب المقدَّس أربعةُ أحداثٍ فقط تكلّمت فيها والدةُ الإله. رُغم أنَّها كانت دائمًا إلى جانب المسيح، تُساعده كأُمٍّ وتلميذةٍ، فهي بقيت قليلة الكلام.
أولاً:
تكلَّمت في البشارة، حينَ قال لها رئيس الملائكة جبرائيل إنَّها ستَلِد المسيح. سألَتهُ:
-"كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟" فقال: "الروحُ القُدسُ يحلُّ عليكِ وقوَّة العليِّ تُظلِّلك. فأجابت:
-" ها أنا أمةٌ للرَّبّ، ليكُن لي على حسبِ قَولك."
لم تشُكّ ولم تعتَرض، وافَقت فورًا وأطاعت. وهو دليلٌ على تواضِع وطاعَة السيِّدة. بهذا القول صحَّحت عدم طاعة حواءِ لله، فصارت هي حوّاء الجديدة.
ثانيًا:
حين ذهبت إلى الجبال إلى مدينة يهوذا، لزيارة نسيبتها القدِّيسة إليصابات أُمّ السّابق المجيد، والَّتي حالما شاهَدتها قالت: "مِن أينَ لي هذا، أن تأتي أُمُّ المخلِّص إليَّ!" وارتكض السابق في حَشا أُمِّه، دلَّ منذ تلك اللحظة أنَّه نبيٌّ وارتكض فرِحًا، فَهِمَ أَنَّه أمامَ السيِّدة العذراء الَّتي تحمل في حشاها الإله. بطريقة ما، بحركَتِه هذه، سجَدَ السَّابق للمسيح الإله. حينئذٍ قالت السيِّدة النشيد الجميل:
-
"تُعظّم نفسي الرَّبّ وتبتهجُ روحي بالرَّبّ مُخلِّصي، لأنَّه نظَر إلى تواضُعِ أمَتِه.... إلى آخره". هذا نُرتِّله كلَّ صباحٍ في صلاة السَّحَر في الأودية التَّاسعة. بعدَ قول الكاهن: "لوالدةِ الإله أُمِّ النُّور بالتَسابيح نُكرِّمُها مُعظِّمين." ثمَّ يبدأ المُرتِّل بِجُمَلِ نَشيد السيِّدة. أنشدتهُ مُمجِّدةً اللهَ على عَظمتِه وأنَّه أَهَّلَها أن تلدَ الإله فيما هي مُجرَّد فتاة من العامّة، قرويَّة وَضيعة وبسيطة. إذًا هي المرّة الثَّانية حيث تَكلَّمت والدة الإله ممجِّدة الله، ومسبِّحة الثالوث القدُّوس.
ثالثًا:
حين أضاعَت المسيح طفلاً بعمر اثنتي عشر سنة، حين ذهبت معه ومع يوسف للسُّجود في القُدس وبقي هو في الهيكل. فقداه وبحثا عنه ولمَّا وجدته وبَّختهُ قليلاً، طبعًا بمحبَّة وبتميِّيز كبيرَين. فقال لها المسيح: "ألَم تعلمي أنَّه يَنبغي أن أكونَ في بيتِ أبي؟" هُنا وضَّح لها الأمور. أنَّ أباهُ هو الله، وهذا هو مكانه الصَّحيح.
رابعًا:
في عُرسِ قانا الجليل، ذَهبت مع المسيح وفَرغ الخمر. قالت للرَّبِّ: "قد نفذ الخمرُ " حينئذٍ قال لها الرَّبّ، مُتعَمِّدًا أن يبدو كأنَّهُ منتَهِر (ليدُلَّ على أنَّ صلتهُ بها ليست جسديّة بل روحيَّة وأنَّه هو الإله) فقال: "ما لي ولكِ يا امرأة؟". معنى قوْله "امرأة" هو: "أنا إلهٌ وأنتِ إنسان". لكنه أطاعها فورًا بعد هذا القول، حينئذٍ قالت السيِّدة للخُدَّام: " مهما قال لكم، افعلوا" لم تيأس، بل كانت واثقة مِن أنَّه سيصنع مُعجزة، حتَّى لو قال لها ما قاله. وفورًا بارَك المَاء فتحوَّل إلى خمرٍ واستمرَّ فرحُ العُرس.
إنَّها عبارة جميلة جدًّا، أعتقد أنَّ السيِّدة قالتها لكل البشر، لنا جميعًا: "مهما قال لكم ابني افعلوه" هكذا تقول لنا ولكلِّ واحد مِنَّا. كلماتها الأربع المقتضبة، كم لها من الأهمية! فلنضعها في صميم القلب، وفي كلِّ مرَّة نسجد لإيقونة السيِّدة، فلنسمعها تقولُ لكلِّ واحدٍ منّا:
-
"مهما قال لكم، افعلوا، اصنعوا مشيئة ابني وستجدون الخلاص."
لنحاول في هذه الفترة أن نقلِّد والدة الإله، خاصَّة في هذهِ الفضيلة، إذ نقع جميعنا وللأسف في هذا الفخّ ونثرثر ونُكثِر الكلام، فيكون مِرارًا إدانة، وهي خطيئة كبيرة. الكلام البطّال خطيئة كبيرة، وما النّفعُ من كثرة الكلام؟ بل لا شكّ في أنّنا سنزلق في خطيئة ما. كلَّما قلَّلنا كلامنا أفضل. لنحذر إذًا في هذه الفترة، ولنُقلِّل الكلام البطَّال، الفارغ والثَّرثرة، بل لنقولَنَّ كلامًا روحيًّا مُقدّسًا، كمِثلِ كلامِ سيِّدتِنا.
لكن بالطبع يلزمنا هنا التميِّيز؛ بعض الأحيان يَجِب أن نتكلَّم، كما يقولُ الآباء، والكتاب المقدّس. مكتوبٌ في العهد القديم: "هناك زمان للصمت وزمان للكلام".(الجامعة 3: 7) ليس الصمت دائمًا مُرضيًا لله. مِرارًا ما يكون مُرضيًا، لكن في بعض الأحيان يكون عكس ذلك. متى لا يُرضي الله صمتنا؟ عندما يجب أن نُعزِّي شخصًا ما، وأن نقول لهُ بعض الكلمات المُشجِّعة. حينَ يشعرُ أحد الزَّوجين بالوحدة - أقول هذا مما أسمعهُ في الاعتراف، فليست لنا نحن الرُّهبان علاقة بحياة الأزواج كما تعلمون- يعود فرضًا الزَّوج إلى البيت بعد عمله مُتعبًا، وتودُّ الزَّوجة أن يكلِّمها، فهي في البيت وحدها طيلة النَّهار والأولاد في المدرسة، إن كان لديهما أولاد. هو أمرٌ طبيعيٌّ وإنسانيٌّ أن تريد أن يكلِّمها حين يعود. هي تريد أن يتبادلا كلمتين، لكنها تراهُ صامتًا لا يتكلَّم! هذه ليست فضيلة! الفضيلة هُنا أن يحدّثها كي يوجد بينهما تواصل.
حينَ نتكلَّم بدافع محبّتنا، فهذا حديث مُبارك؛ حتَّى إن كان فيه شيء من الثَّرثرة أو بعض الأمور الفانية. يكفي أن نلبّي حاجة الآخر بالتَّواصل معنا، فلا بأس- فلنقل شيئًا ليس جادًّا- طبعًا لا أقصد أن نقول أمورًا أثيمةً. بل مواضيع قد لا تكون روحيَّة عميقة، ربَّما لا يحتمل القريب مواضيع جديَّة، مثلاً لنتحدَّث عن الطّقس أو الأخبار أو أمور مشابهة... سنفعل هذا بدافع المحبَّة، ليس لأجل الثَّرثرة، كي نرُيح شريك حياتنا أو الإنسان قريبنا بشكلٍ عام.
النُّقطة التَّالية تُقال للرهبان، لكنَّ الأمرَ يسري عليكم في العالم أيضًا: هل يُعَدُّ الانغلاق في القلاّية أمرًا جيدًا؟ يشرح الآباء القدِّيسون الأمر هكذا: إن أغلق الرَّاهب على نفسه في القلاّية محبَّةً بالله، فهو عملٌ صالح، كي يُصلّي ويطالِع. لكن إن أغلق عن غرور، كي لا يخاطب الآخرين لأنَّه يتجاهلهم فهذه خطيئة.
مثلاً يخرج راهبٌ ما من قلاّيته ويدور في الدَّير ويتعامل مع الإخوة، هل هذا عمل صالح؟ إن فعله محبّةً بالإخوة، ولأنَّه يشعرُ بالحاجَة للتَّواصل معهم، كي يُعزِّيهم أو يفرّحهم أو يساعدهم، فهو عمل صالح. لكنَّه إن خرَجَ مِن قلاّيته كي يثرثر ويفرِض نفسهُ على الآخرين بغرور، فهذا عمل سيّء. إذًا، الرَّاهب المُنغلق في قلاّيته لا يفعل حسنًا إن لم يتمّ بمحبَّة، ولا الَّذي يخرج يفعل حسنًا إن لم يكن بمحبَّة. المعيار إذًا هو المحبَّة.
أرجو أن تفكروا بهذا في شأن العائلة والبيت. حاولوا تعزيز روحَ المحبَّة والتَّواصل، خاصَّة فيما بين الزَّوجين، ومع الأولاد والأقارب والضعفاء، مع "الشيخ" والدك أو "العجوز" أُمَّك. مرارًا أسمع من المُسنِّين تَذمُّرهم: "الآن قد نَسيَني الجميع، لديهم مشاغلهم..." مهما كانت الانشغالات، يجب ألاّ ننسى الأُمّ المُسنَّة أو الأب المُسن، بل أن نجلس مَعهما قليلاً، ونحدِّثهما ونقول كلمات محبَّة ودعم وأن نُداعبهما قليلاً، لأنَّ محبَّة المسيحيين ليست مجرّد كلام بل ومُداعبة ناعمة. يجب أن يُظهر المرء محبَّته بنعومة وبروح إلهيّ.
سنشابه هكذا سيِّدتنا العذراء، كما فعلت. أتمنّى أن نفكّر جميعنا أبناء الكنيسة، بهذه الأمور وأن نتقدّم فيها حتَّى لا يمضي زمان حياتنا دون أن نعمل شيئًا. بل أن يكون هناك نُضج؛ حتَّى ننضج تمامًا فنكون مُستعدِّين ليقبَلنا الله في ملكوته السماوي. لأنَّنا متوجِّهون إليه! لكن ماذا إن رحلنا ونحن ما زلنا غير ناضجين، كما يليق لملكوت الله؟ يا لها من خسارة! لهذا، يجب ألاّ نَحزن إن رَقدَ أخٌ لنا بالرَّبّ، إنَّما إذا رقد أخٌ غير ناضجٍ ودون استعداد. إن كان أحدٌ قد استعدَّ وجاهد طيلة عمره، كي ينضج بالمسيح، حينئذٍ سيُنقَل ليُغرسَ مثل شتلة في ملكوت الله، مثل الزرع الحديث الَّذي ننشله مع جذوره من بستانٍ وضيع، لنزرعه في حديقةٍ أجمل. هذا هو حال المسيحيّين الراقدين بالرَّبّ. يُزرعون في حياةٍ أُخرى سماويّة وأسمى؛ في ملكوت الله.
أمر جميل، إن فكَّرنا أنَّ من يُغلق عينيه في هذه الحياة، يفتحها ليرى الأبديّة، يفتحها في حياة أُخرى. نعُدُّ هذا نحن المسيحيون فرحًا وتعزية كبيرين؛ أنَّ أخصّاءنا أغمضوا عيونهم في هذه الحياة، لكنَّهم فتحوها ليروا الأمور الَّتي لا نراها نحن الآن: الأبديّة الباقية السماويّة.
أتمنّى أن تستُركم السيِّدة جميعًا، وأن تُعزّيكم في جهادكم، وأن تنوّرنا جميعًا بحيثُ نفعل "كُلَّ ما يقولُ لنا المَسيح".
بصلوات آبائنا القدّيسين أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح إلهنا ارحمنا وخلصنا. آمين
ليحفظكم الرَّبّ الإله جميعًا. بقيّة صَوم مُباركة، وفصحًا مجيدًا
آخر المواضيع
"والدة الإلـه "إنّي أنا مدينتك
الفئة : أعياد سيديّة
عيد البشارة
الفئة : أعياد سيديّة
عظةٌ في رقاد والدة الإله
الفئة : أعياد سيديّة
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني