من كبرياء البشر الى انسحاق الروح: مسيرة الخلاص في الإيمان المستقيم
من كبرياء البشر الى انسحاق الروح: مسيرة الخلاص في الإيمان المستقيم
عظة للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
رئيس دير رقاد والدة الإله بكفتين
1 تشرين الثاني 2026
باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدسِ، الإلهِ الواحدِ، آمين.
في هذا الأحد، استمعنا إلى المقطع الإنجيلي الذي يروي قصة "الغني ولعازر". ومع مطلع الأحد الأول من شهر تشرين الثاني، تقيم الكنيسة تذكاراً لثلاثة من الآباء القديسين العظام، الذين كان لهم دورٌ محوري وتاريخي في حياة الكنيسة والدفاع عن استقامة إيمانها.
إن الكنيسة في حقيقتها وجودٌ إيماني؛ فالكنيسة ليست مجرد مبنى أو مكان، بل هي الإيمان قبل كل شيء. إننا نأتي إلى الكنيسة لكي نحقق الغاية السامية من وجودنا على هذه الأرض، وهذه الغاية لا تتأتى إلا من خلال الإيمان.
وتتجلى عظمة الآباء القديسين الثلاثة الذين نحتفي بهم—وهُم:
1. القديس فوتيوس الكبير (الذي نُلَقِّبه بالكبير لعظمة الأعمال الروحية واللاهوتية التي أنجزها)،
2. القديس غريغوريوس بالاماس،
3. القديس مرقس أسقف مدينة أفسس (في آسيا الصغرى بتركيا)—
في كونهم وقفوا حراسًا أمناء مدافعين عن ثبات الإيمان. لقد أدرك هؤلاء الآباء أن الكنيسة، وإن كانت تسعى لتقديم كل ما في وسعها من أعمال الرعاية والمساعدة، إلا أن تقديم الإيمان المستقيم وتثبيته في النفوس هو رأس كل شيء وأعلى واجباتها.
قد يطلب الناس باستمرار تلبية احتياجاتهم الأرضية والمادية، غير أن الحاجة الأولى والأهم للإنسان هي الإيمان؛ أن يعرف كيف يؤمن بربنا يسوع المسيح إيماناً حقيقياً خالصاً كما كشفه لنا الرب نفسه. ومتى كان إيمان الإنسان مشوهاً أو زائفاً، فإنه لن يستطيع النمو في معرفة الله؛ إذ إننا نلتقي بالرب ونعرفه بالملاذ الإيماني الحقيقي.
وعندما يعي الإنسان جوهر الإيمان ويسعى إلى تنميته في حياته، فإنه يصل إلى الإيمان الحي، وهو هدف وجودنا وغايته معرفة الرب يسوع المسيح والدخول في شركة حقيقية ومباشرة معه.
يسعى الشيطان دائماً إلى إلهائنا واستغراقنا في الشؤون الأرضية والمادية، محاولاً اختزال دور الكنيسة وجعلها مجرد مؤسسة تقديم مساعدات ورعاية اجتماعية مع إغفال جانب الإيمان. ومتى جُرِّدت الأعمال الكنسية من بُعدها الروحي، تحولت الكنيسة إلى هيئة اجتماعية جافة، وفقدت جوهرها باعتبارها "جسد المسيح" الحامل للإيمان الحي.
إن الرب يوصينا قائلاً: «اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ»—وطَلَبُ الملكوت لا يكون إلا بالإيمان—ثم يضيف: «وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ». فالرب يفيض بعطاياه على من يطلبه ويسعى ليكون ابناً حقيقياً له، تماماً كما يقدم الآب الصالح لابنه كل ما يحتاجه.
من هنا، كان المحور الأساسي لجهاد الآباء القديسين هو حفظ الإيمان؛ لأنهم أدركوا أن أي انحراف في العقيدة أو الإيمان هو ضلال عن الطريق، ومن يضل الطريق ينتهي إلى أزقة مسدودة وعتمة روحية. وحده الإيمان الحي المستقيم يقودنا إلى الحقيقة الإلهية ويحقق غاية وجودنا على الأرض.
إن الإيمان ليس مجرد إقرار ذهني بوجود الله؛ فالجاهل فقط هو من ينكر وجود الخالق بدافع الكبرياء الذاتي. كما أن الإيمان ليس مجرد انفعال عاطفي زائل، بل هو انسحاق روحي وحضور إلهي حقيقي يلمسه الإنسان في حياته وصلاته.
وفي هذا السياق، يقول القديس إسحق السرياني:
«بداية الإيمان هي أن نؤمن بأن الله موجود، أما نهايته وقمته فهي معاينة الرب».
لقد دافع آباؤنا القديسون عن إيمانٍ خبروه وعاشوه عميقاً في قلوبهم، ولم يدافعوا عن نظريات مجردة. لقد تعرضوا للاضطهاد الجسدي والظلم، ورفضوا المساومة على الإيمان. وفي الوقت الذي كان فيه الباباوات ورجال السلطة في العالم يجاهدون لتثبيت نفوذهم الأرضي وسيطرتهم ومجدهم الباطل، كان الآباء القديسون ينكرون ذواتهم وأمجادهم ومراتبهم الكنسية رفيعة المستوى، ففضلوا التضحية بكل شيء من أجل حماية الكنيسة ومحبة الرب يسوع المسيح.
إن مسيرة الإنسان تتطلب أن ينتبه دائماً لكي يطلب أولاً ملكوت الله، وأن يطلبه عبر الإيمان المستقيم. فملكوت الله لا يُطلب إطلاقاً إلا بالاختبار الإيماني الصحيح. وكل واحد منا إذا سأل هذا الإيمان بصدق، فإن الله سيعطيه إياه؛ فقد وعدنا الرب قائلاً: «اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا». الله يمنح عطاياه لمن يطلبه بثقة وإيمان، فحتى الإيمان بحد ذاته هو عطية إلهية مجانية.
ولكن لكي يقبل الإنسان هذه العطية، فهو بحاجة إلى نفس مستحقة ومهيأة للقبول. إننا نستحق هذا الإيمان ونناله بقدر ما نجاهد لنبتعد عن الخطيئة وكل هوى أرضي يحرك نفوسنا ويسيطر علينا. بقدر ما نكره الخطيئة ونمقت الهرطقة والانحراف، وبقدر ما نرفض شهوات هذا العالم، بقدر ما تتدفق نعمة الإيمان وتنسكب في أعماقنا.
ومع أن هذه هي مسيرة الإيمان الحق، إلا أن الإنسان ينبغي أن يكون على ثقة تامة بأن هذا الإيمان لابد أن يكون مستقيماً. إن الإنسان لا يمكن أن ينحرف عن الإيمان المستقيم إلا بسبب الكبرياء الكامن في داخله. فالكبرياء هو الذي يجعلنا سجناء لقناعاتنا وأفكارنا الشخصية. وما إن يتخلى الإنسان عن كبريائه ويطلب الإيمان الحقيقي بتواضع، حتى يستجيب الله له. وحدها استقامة الإيمان هي التي تحفظ مسيرتنا ثابتة ومستقيمة.
وحين نتأمل في سيرة الآباء القديسين—فوتيوس، وغريغوريوس، ومرقس—نرى كيف جاهد كل واحد منهم في عصره لحفظ الإيمان من خلال إنكار الذات كلياً واحتمال الاضطهاد الجسدي، رافضين أي مساومة. وفي الوقت الذي كان فيه آباؤنا القديسون يستميتون دفاعاً عن الإيمان، نجد بالمقابل أن الباباوات ورجال السلطة في ذلك الزمان كانوا يكرسون جهودهم لتعزيز سلطانهم الأرضي ومجدهم الباطل وسيطرتهم. لقد أنكر الآباء القديسون أمجادهم ومراكزهم العالية وفضلوا التخلي عن غناهم الدنيوي في سبيل ملكوت الله والإيمان ومحبة المسيح.
إن محبة الرب تتجلى حقاً في سعينا للنمو الإيماني؛ فمن المحال أن يختبر الإنسان محبة الله الحقيقية إلا من خلال هذا الإيمان. وكلما نما الإنسان في إيمانه، كلما انسكبت في قلبه تلك المحبة الإلهية، وكلما اكتشف عظمة رحمة الله وعمق البذل الذي قدمه لنا لكي نصير أبناء حقيقيين له.
لذا، فإن أي انحراف إيماني سيؤدي حتماً إلى انحراف مسار الحياة بأسرها؛ فيستبدل الإنسان طلب ملكوت الله بالملكوت الأرضي الفاني، ومجد الرب بمجده الشخصي، متوجهاً بكل جوارحه نحو شهوات العالم وخيراته. من هنا كان لزاماً على الإنسان الصادق أن يطلب ملكوت الله والإيمان الحق.
فلنتعمق جميعاً في سير الآباء القديسين وجهادهم، وكيف كرهوا الهرطقة وكل تعليم بشري متكبر، وقدموا حياتهم ذبيحة حب للرب يسوع. إن جهادنا الروحي يبدأ أولاً في دواخلنا؛ بأن نختبر هذا الإيمان ونعيشه، وأن نقاوم كل ما يقدمه العالم لإلهائنا عنه. وإن من يقيمه الله ليدافع عن الإيمان أمام أهل هذا الدهر—سواء كانوا من خارج الكنيسة أو من داخلها حيث يوجد دائماً من يسقط في روح العالم والمصالح الشخصية بسبب الكبرياء—عليه أن يعلم أن المتواضع لا يتركه الله أبداً.
فلنتعلم التواضع ولنتخلَّ عن كل ما تربينا عليه من مفاهيم خاطئة وأهواء أرضية، لكي نطلب الرب بتجرد كامل. فالله قريب منا جداً، وكما يقول الآباء: إنه أقرب إلينا من قرب أنفسنا إلى أجسادنا. هو حاضر معنا ويسمع كل كلمة وكل دمعة وكل التماس نرفعه. كل ما يتطلبه الأمر هو إرادتنا الصادقة وطلبنا الأمين، وهو كفيل بأن يهبنا كل ما نحتاجه لضمان مسيرة خلاصنا الأبدي.
آمين.
آخر المواضيع
من كبرياء البشر الى انسحاق الروح: مسيرة الخلاص في الإيمان المستقيم
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
"من لَجْئُون إلى السلام الإلهي"
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
الأرثوذُكسيَّةُ والحياةُ النُّسكِيَّةُ
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

