أحد آباء المجمع المسكونيّ السّابع


أحد آباء المجمع المسكونيّ السّابع
عظة للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
رئيس دير رقاد والدة الإله بكفتين
11 تشرين الأول 2026

 

باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدسِ، الإلهِ الواحدِ، آمين.

في هذا الأحد - وتحديداً الأحد الواقع بين الحادي عشر والثامن عشر من شهر تشرين الأول، وما يلي ذلك من أيام خلال هذا الأسبوع - يُتلى المقطع الإنجيلي الذي يوافق أحد المجامع المسكونية السبعة. 

نحن نعلم في الكنيسة أن هناك مجامع مسكونية، فهنالك سبعة مجامع مسكونية معترف بها رسمياً. وأكيد توجد مجامع أخرى قد تُعتبر مسكونية عند البعض دون أن ينالها الاعتراف الرسمي بعد، إلا أنها في ضمير الكنيسة الجامعة مجامع مقبولة من الكنيسة الأرثوذكسية جمعاء. فهذه المجامع السبعة هي التي حددت وثبتت إيماننا المسيحي. 

إن إيماننا بأسره مدون في الكتاب المقدس، بيد أن هذا الكتاب يحتاج إلى من يقرؤه بالروح ذاته الذي كُتب به، ألا وهو الروح القدس؛ فحين يُقرأ بهذا الروح، يُفهم الفهم القويم الذي قصده الرسل وأرادوا إيصاله إلينا. ولكننا نعلم جميعاً، لمن طالع تاريخ الكنيسة، أن هناك أناساً أبوا الخضوع لإيمان الكنيسة، وسعوا لفرض أفكارهم ومفاهيمهم الشخصية عليها، ومن هنا نشأت البدع والهرطقات. فمنذ فجر الكنيسة، زرع الرب القمح الصالح، غير أن عدو الله أتى وزرع الزوان في حقل الكنيسة. والزوان يمثل كافة البدع والهرطقات التي ظهرت عبر تاريخ الكنيسة. غير أن الكنيسة بقيت ساهرة على إيمانها بدقة متناهية؛ فلو لم تكن كذلك لاختلق كل إنسان مسيحاً بحسب أهوائه وفلسفاته الخاصة، ولتحول الإيمان إلى أصنام وأوثان عديدة. 

ولكن الكنيسة - الكنيسة الحقيقية، الكنيسة الواحدة التي أسسها الرب يسوع المسيح - كانت ساهرة منذ البداية على إيمانها، وإلى يومنا هذا وصل هذا الإيمان بكل دقته، وهذه هي كنيستنا الأرثوذكسية. نحن نؤمن أن الإيمان محفوظ بملئه، وحصراً في كنيستنا الأرثوذكسية؛ لأنه من يقرأ التاريخ سيرى أن ألفي سنة لم يتغير حرف واحد بهذا الإيمان. فالإيمان بأسره حُدد في هذه المجامع المسكونية. لقد أعطانا ربنا كلمته الإلهية الموجودة في الكتاب المقدس، ولكن - مثلما ذكرنا - دفع الكبرياء بالبعض إلى وضع مفاهيمهم الخاصة، ومن هنا ظهرت الهرطقات والبدع منذ البداية. 

وقد رأينا في الرسالة أن بولس الرسول ذاته - ونحن هنا نتحدث عن عصر بولس الرسول، أي من القرن الأول - يوصي قائلاً: «رَجُلَ الْبِدْعَةِ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَاثْنَيْنِ أَعْرِضْ عَنْهُ»، عالماً أن مثل هذا قد حكم على نفسه بنفسه. وكل إنسان يبتعد عن الإيمان يكون قد حكم على نفسه بالهلاك الأبدي. ومنذ أيام الرسل ظهرت البدع والهرطقات، غير أن الكنيسة ظلت ساهرة باستمرار على إيمانها. 

ولذلك، نرى هذا الإيمان مجسداً في المقطع الإنجيلي الذي يُقرأ في أحد المجامع المسكونية، حيث يقول الرب: «لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُحُلَّ نَامُوسَ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، إِنِّي لَمْ آتِ لِأُحُلَّ بَلْ لِأُتَمِّمَ». لقد منحنا الله الكمال حين جاء المسيح. ففي العهد القديم، كان الرب يعطينا الوصايا تدريجياً، حتى بلغ الإنسان مرحلة النضوج الكافي لكي يتسنى للرب أن يمنحنا ملء الوصية بتجسده وكشفه للإله الحقيقي، للآب الإله الواحد الحقيقي، كاشفاً لنا الحقيقة بملئها. 

إذن، يقول الرب: «إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَتِمَّ الْكُلُّ». فكل من يحل واحدة من هذه الوصايا الصغار ويعلّم الناس هكذا، فإنه يدعى صغيراً في ملكوت السماوات، وأما الذي يعمل ويعلّم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات. 

وهكذا، فإن الإنسان الذي يريد أن يكون حافظاً للإيمان، يجب عليه أن يحفظه بملئه. فليس للمسيحي أن يرفض أو يشك في أي أمر حددته الكنيسة، أو أن يقول: "لدي شك في هذا" أو "أنا لا أؤمن به". بل إن الإنسان القادر، متى جاهد الجهاد الحق بالنعمة الإلهية، سيكتشف أن كل ما حددته الكنيسة هو بعينه الوصايا التي أرادها المسيح حين أكد أنه لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس. 

كل ما أوصى به المسيح في الكتاب المقدس قد حدّدته الكنيسة بمجامعها، وكل ما يُقال عن وصايا المسيح يُقال عن تحديدات الكنيسة، سواء على صعيد الإيمان أو على صعيد الحياة في المسيح. إذن، كل ما وضعته الكنيسة والتزمت به هو ما ينبغي أن يقبله بملئه كل إنسان يسعى للجهاد والخلاص. 

ونحن نرى جلياً في هذا الزمن الذي نعيش فيه - وهو الزمن الأخير - عودة البعض ليضعوا مفاهيمهم وأفكارهم الخاصة من خارج قلب الكنيسة. غير أن المسيح يقول إن أمثال هؤلاء ليس لهم مكان في ملكوت السماوات. بل يقول السيد: «كُلَّ مَنْ حَلَّ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْوَصَايَا الصِّغَارِ وَعَلَّمَ النَّاسَ هَكَذَا» (أي بمفاهيمه الشخصية)، فإنه يدعى صغيراً في ملكوت السماوات. 

لذا، فإن طاعتنا للإيمان، وطاعتنا للكنيسة ومجامعها التي رسمت حدود الإيمان، هي جزء لا يتجزأ من طاعتنا لوصايا المسيح. فما من إنسان يمكنه الإدعاء بأنه للمسيح وهو يخالف وصاياه، أو أنه مسيحي وهو ينقض وصايا الإنجيل، وإيمان الكنيسة، وقوانينها؛ فهذه كلها تشكل جزءاً لا يتجزأ من وصايا المسيح. فالكنيسة لا تفصل بحال وصايا المسيح عما حدّدته على صعيد الإيمان والحياة فيه. 

بناءً عليه، فإن الإنسان الذي يبغي أن يكون مسيحياً حقيقياً، وأن يسلك بأمانة تامة لتعاليم المسيح، عليه أن يقبل كافة التحديدات الإيمانية التي رسمتها الكنيسة، وأن يكون أميناً لها ويسير وُفْق هذا الإيمان ويعلّمه. ولكن كما يقرر المسيح: «وَأَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ وَيُعَلِّمُ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ». 

الذي يعمل ويعلّم؛ فهناك الكثير ممن يعلّمون، بيد أن المعلّم الذي لا يعمل هو من يفتقر إلى الجهاد الروحي الخاص. فإن لم يجاهد الإنسان لإقتناء النعمة الإلهية، فلن يقدر أبداً أن يدرك أسرار ملكوت السماوات. لا يمكن للإنسان أن يفهم أسرار الملكوت ولا عقائد الإيمان ويقبلها بملئها، ما لم يتخلَّ عن فرض آرائه الخاصة وإقحام مفاهيمه الشخصية عليها. 

من هنا، فإن إيماننا يستوجب عملاً حقيقياً؛ ولذلك يركز القسم الأول من هذا المقطع الإنجيلي على عمل الإنسان: «أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْفَى مَدِينَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى جَبَلٍ... لِيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ». فالإنسان الذي يجاهد روحياً، تعمل النعمة الإلهية في حينه. وتعمل هذه النعمة من خلال جهادنا الروحي، وصلاتنا، وأصوامنا، وتواضعنا، وطاعتنا للكنيسة ولآبائنا الروحيين، واعترافاتنا، ومجاهدتنا ضد الخطيئة والأهواء والأفكار الفاسدة؛ فهذا برمته هو جهادنا الروحي. 

هذا الجهاد هو الذي ينقي الإنسان من داخله، وهو الذي يسمح للنعمة الإلهية أن تعمل فيه. وكل من يبتدع مفاهيمه الخاصة يخرج حتماً من نعمة الله. وكل من ينقض فكراً واحداً، أو يعترض على عقيدة أو قانون ملزم من إيمان الكنيسة، فإنما يخرج تلقائياً من النعمة الإلهية وتتخلى عنه النعمة. 

فالنعمة الإلهية تسكن في المطيع والمتواضع، في الإنسان الذي يسلم ذاته بمجملها لمشيئة الله من خلال تسليمها للكنيسة الحقيقية. وحينئذٍ تعمل نعمة الله في الإنسان، فيدرك حينئذٍ أسرار الملكوت كافة، ويفهم القوانين والعقائد والإيمان الذي وضعته الكنيسة؛ لأن هذا الإيمان إيمان إلهي، وليس نتاجاً بشرياً أو طروحات فلسفية أرضية. إنها عقائد إلهية تتعلق بالله وبإلهنا وحده. وكم يحتاج الإنسان لكي يعمل في النعمة لكي يستنير وليستطيع استيعاب كل ما يرتبط بإلهنا! فنحن هنا نخوض في الآيات الإلهية لا في شؤون بشرية. فكل البدع والهرطقات قد حطت بمفهوم الإله إلى المستوى البشري وحددته بأطر بشرية ضيقة، ومن ثَمَّ حادت عن الحقيقة وسقطت في الإنحراف. وكل إنسان لا يطيع سيضل وينحرف ويقع، ولن يصير له نصيب في فهم هذا الإيمان، فتكون مسيرته مسيرة هلاك وضلال. 

أما الإنسان المطيع، فيصعد مباشرة إلى ملكوت السماوات متى جمع بين العمل والتعليم. وأما المعاند غير المطيع، فهو إنسان منحرف سينتهي به المطاف إلى طريق مسدود كلياً، خارج نطاق نعمة الله. لهذا السبب، فإن المطلوب منا هو طاعة إيماننا بأسره. يحق للإنسان أن يبحث ويسأل قدر ما شاء، ولكن إن كان صادقاً في سعيه، فإن الله سيكشف له الحقيقة جلية. ومن هنا نرى آلاف الإهتداءات نحو الأرثوذكسية وكنيستها، لأن الناس أدركت تمام الإدراك أن هذه الكنيسة هي وحدها التي حفظت الإيمان نقياً ولم تنحرف عنه قيد أنملة. 

أما كل الذين خرجوا عن هذه الكنيسة فقد نسجوا مفاهيمهم الخاصة، ونتيجة لذلك انحرفوا جميعاً، ولن يستطيع أحدهم أن يبلغ الحقيقة الإلهية أو يدرك الكمال الإلهي وملكوت الله. إن ربنا هو وحده مانح الملكوت، غير أنه يمنحه لنا بحسب مدى أمانتنا وإخلاصنا لهذا الإيمان، آمين.



آخر المواضيع

أحد آباء المجمع المسكونيّ السّابع
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-10-22

الفرحُ الحقيقيُّ أنْ تُكتبَ أسماؤنا في ملكوتِ السماوات
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-10-18

الرحمة الإلهية وسرّ العودة الى الوحدة الأولى
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-10-06

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا