في قراءةِ كتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ

الفئة:آبائيّات

في قراءةِ كتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ

القِدِّيس إغناطيوسُ بريانشانينوف

نقلَهَا إلى العربيّة: الأب باييسيوس مخّول

 

للأشخاصِ الَّذين تحدّثُونَهم وتتشاركُونَ معَهم تأثيرٌ كبيرٌ عليكم. فَمعرفةُ الإِنسانِ تزدادُ عندَما يلتقي العُلَماءَ ويُحاوِرُهم، كما تسمُو أَفكارُهُ ومشاعِرُهُ عندَما يُحاوِرُ الشُّعراءَ، وكذلكَ يتعرَّفُ البَشَرُ، على بلدانٍ أخرى، وعلى عاداتِهم وتقاليدِهم، من الَّذينَ سافرُوا إِلَيْها. فكيفَ سَيكونُ حالُكَ عندَما تتَعَرَّفُ على قِدِّيْسٍ وتتحادَثُ معَهُ أَلَنْ تَتَعَلَّمَ منهُ القداسةَ أَلَمْ يَقُلِ المزمورُ: «مَعَ البارِّ تكُونُ بارًّا. وَمَعَ الزَّكِيِّ تكُونُ زكيًّا. وَمَعَ القويمِ تكُونُ قويمًا»؟ (مزمور 17: 25-26).

لِنسعَ إذًا، بِدْءًا من هذهِ اللَّحظةِ، إلى أنْ نتعرَّفَ على القِدِّيسِينَ في هذه الحياةِ الأرضيَّةِ القصيرةِ الَّتِي لا يدعُوها الكتابُ المقدَّسُ حياةً، بل هي رِحلةٌ. أتَبتَغُونَ الانتماءَ إلى السّماءِ ومجتمعِها، وأن تكونُوا مُشارِكِينَ في غِبطَتِها؟ إذًا، اصرفُوا وَقْتَكُم مع القِدِّيسِينَ لِتنهلُوا منهم الخلاصَ، لأنَّكُم عندَما تُغادِرونَ جَسَدَكُم القابلَ الموت، سيقتَبلُونكم كَأَصدِقاءَ لكُم(لوقا 9:16).

ما مِن معرفةٍ أقربُ، ولا من علاقةٍ شخصيَّةٍ أسمَى من وحدةِ الأفكارِ والمشاعرِ والأهدافِ (1 كورنثوس 10:1).

حيثُ وحدةُ الفكرِ، هناكَ انسجامُ المشاعرِ والنَّجاحُ في الوصولِ إلى الأهدافِ المَرجوَّةِ المُشترَكةِ.

اِقتَنِ لنفسِك فكرَ الآباءِ القِدِّيسِينَ وروحَهم من خلالِ قراءةِ كتاباتِهم. فإنَّ الآباءَ قد وصلُوا إلى الغايةِ الأسمى، إذ نالُوا الخلاصَ. وأنتم أيضًا سوفَ تصلُون إلى هذِه الغايةِ بطبيعةِ الحالِ. ففي اتِّحادِ فِكرِكَ وقَلْبِكَ مع الآباء القِدِّيسِينَ هُناكَ الخلاصُ .

اقتبَلَتِ السّمواتُ الآباءَ القِدِّيسِينَ في غبطَتِهم. وهكذا، يتَّضِحُ أنَّ فكرَ الآباءِ القِدِّيسِينَ ومشاعرَهم وأعمالَهم جديرةٌ بالملكوتِ. وقد شَاركُوا أفكارَهم وقلوبَهم وأفعالَهم من خلالِ كتاباتِهم. يا لَها من كتاباتٍ! إنَّها إرشاداتٌ إلى الملكوتِ لا تُقدَّرُ بثَمَنٍ!

كتاباتُ الآباءِ القِدِّيسِينَ كلُّها قد كُتبَتْ بوحيٍ من الرُّوحِ القُدُسِ. يا لَهُ من ائتلافٍ عجيبٍ! يا لَهُ من اتّفاقٍ مُذهِلٍ! فَمَن يقودُه الآباءُ القِدِّيسون، قد أحرزَ الرُّوحَ القُدُسَ مُرشِدًا مِنْ دونِ شَكٍّ.

إنَّ مياهَ الأرضِ كُلَّها تَصُبُّ في المحيطاتِ، وقد يكون المُحيطُ مصدرَ مياهِ الأرضِ كُلِّها. كذلك، فَإِنَّ كتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ تَصُبُّ في الأناجيلِ، فهم يرشدُونَنا إلى حفظِ وصايَا ربِّنَا وإِلَهِنا ومُخلِّصِنا يسوعَ المسيحِ بشكلٍ صحيحٍ. كلُّ تعاليمِهم تنبعُ من مصدرٍ واحدٍ وتَصُبُّ فيهِ (الأناجيلُ المقدَّسَةُ).

يعلِّمُنا الآباءُ القِدِّيسُونَ كيفيّةَ مقاربةِ الأناجيلِ وقراءَتِها، وَفهمِها بشكلٍ سليمٍ، وما يساعدُ أو يُعيقُ فهمًا كهذا. هكذا، من الحكمَةِ أن تقرؤُوا أوَّلًا تعاليمَهم بشكلٍ أساسيٍّ. ما أنْ تتعلَّمُوا منهم سُبُلَ قراءةِ الأناجيلِ، حتّى تصبحَ الأناجيلُ قراءَتَكم الرئيسيَّةَ.

لا تعتقِدُوا أنَّ قراءةَ الأناجيلِ بمعزلٍ عن كتاباتِ الآباءِ كافيةً لَكُمْ! فهَذا فكرٌ خطيرٌ يتسلَّطُ عليه الكبرياءُ. من الأفضلِ أن يقودَكم الآباءُ إلى الأناجيلِ وكأنَّكم أبناءَهم الأحبّاءَ المتربِّينَ والمُتعلِّمِينَ من كتابَاتِهم.

كلُّ من يرفضُ الآباءَ القِدِّيسِينَ بحماقةٍ وتكبُّرٍ، ويقاربُ الأناجيلَ مباشرةً بِجَسارَةٍ حَمقاءَ وبذهنٍ وقلبٍ مُدَنَّسَيْنِ، يقَعُ في ضلالٍ مُمِيتٍ. لذلك، يرفُضُهم الإنجيلُ، لِإنَّه يقبَلُ المتواضِعِينَ فقط.

قراءَةُ كتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ هيَ بدايَةُ كلِّ الفضائلِ ونهايَتُها. من هذهِ القراءةِ نتعلَّمُ المعنَى الحقيقيَّ للكتابِ المقدَّسِ، ويَثبُت ذهنُنا في الإيمانِ الحقيقيِّ وفي الحياةِ بحسَبِ وصايَا الإنجيلِ، ونَكُنُّ لَهم إجلالًا عظيمًا. باختصارٍ، تُعلِّمُنا هذِه الكتاباتُ الخلاصَ والكمالَ المسيحيَّ.

نَظَرًا إِلى قِلَّةِ المُرشدِينَ المُمتلئِينَ من الرُّوحِ القُدُسِ في أيَّامنا هذِهِ، أصبحَ الآباءُ القِدِّيسُون هُمُ المُرشِدِينَ الأكثرَ أمانةً لأولئِكَ الَّذين يسعَون إلى الخلاصِ والكمالِ المسيحيِّ.

إنَّ كُتُبَ الآباءِ القِدِّيسِينَ هي مِرآةٌ، فالنَّفس الَّتِي تنظرُ إليها بانتباهٍ دَومًا، تصبح أَكثرَ قدرَةً على رؤيةِ نقائصِها كُلِّها .

أيضًا، هذه الكُتُبُ هي صيدليَّة ملآنةٍ بالمعدَّاتِ الطّبّيَّةِ، وفيها تجدُ النَّفسُ علاجًا منقذًا من كلّ مرضٍ روحيٍّ.

يقولُ القِدِّيسُ إبيفانيوسُ القبرصيُّ:" إنَّ هذِهَ الكتُبَ تُرشدُ الإنسانَ إلى حياةِ التَّقوى بمجرَّدِ أن ينظرَ إليها نظرةً واحدَةً».

يجبُ أن تكونَ قراءةُ كتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ دقيقةً ويَقِظَةً ومُنتظِمَةً. إنَّ عدوَّنَا اللَّامنظورَ، كارِهَ صوتِ الحقِ، يزدري صوتَ الآباءِ القِدِّيسِينَ. إنَّ صوتَهم يشجُبُ أكاذيبَه وشَرَّهُ ويفضحُ فِخاخَه وأساليبَه. هكذا، يُحاربُ العدوُّ(الشَّيْطانُ) الَّذِيْنَ يَقرؤُونَ نصوصَ الآباءِ منْ خلالِ تثبيتِ فكرِ التَّكبُّرِ والتَّجديفِ؛ يُحاولُ أنْ يدفعَ القارئَ إلى الاهتمامَاتِ الدُّنيويَّةِ ليصرفَ انتباهَه عن هذه القراءَةِ الخلاصيَّةِ؛ يُحاربُه بالاكتئابِ والضَّجَرِ والنِّسيانِ. من هذه الحربِ الَّتِي يشنُّها العدوّ ضدَّ قراءَةِ الكتاباتِ الآبائيَّةِ، نرى مقدارَ فعاليَّتِها كسلاحٍ يُرعِبُهُ. فهوَ يعملُ مِنْ دونِ هَوادَةٍ ليخطفَ منّا هذا السّلاحَ.

لِيَخْتَرْ كلُّ إنسانٍ الآباءَ الَّذين تتَمَاشى كتاباتُهم مَعَ أسلوبِ حياتِه. لِيقرإِ النَّاسِكُ كتاباتِ الآباءِ الهدوئيَّةَ، والرَّاهبُ كتاباتِ الَّذين كتبُوا إرشاداتٍ للحياةِ المُشتركَةِ؛ أَمَّا المسيحيُّون الَّذينَ يعيشُون في العالَمِ، فلْيَقرؤُوا كتاباتِ الآباءِ الَّتِي تناولَتْ منفعَةَ كلِّ المسيحيِّينَ. على كلِّ إنسانٍ، مهما كانَت دعوتُه، أن يجنيَ حصادًا مثمِرًا من كتاباتِ الآباءِ.

من الضَّروريّ أن تتناسبَ القراءَةُ مع نَمَطِ عيشِكم، وإلَّا ستمتلئُون أفكارًا، على الرَّغْمِ منْ أَنَّها مقدَّسَةٌ، إلَّا أنَّ تطبيقَها قد يكونُ مستحيلًا نَظَرًا لنمَطِ حياتِكم. وتكونُ النتيجةُ ممارسةً عبثيَّةً لتخيّلاتٍ ورغَبَاتٍ. وهكذا، تخسرُون على غَفلَةٍ أعمالَ الفضيلَةِ الَّتِي تناسِبُ نمطَ عيشِكم لأَنَّ أفكارَكم المتعارضةَ باستمرارٍ مع حقيقةِ عيشِكم، ستقودُكم حتمًا إلى الاضطرابِ والتَّهاونِ، وبالتَّالي تسيئُونَ إِلى أَنفُسِكم وإِلى مَنْ حَولَكُم . قراءةُ الكتابِ المقدَّسِ وكتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ بشكلٍ غيرِ دقيقٍ، يُبْعِدُكُمْ بسهولةٍ عن طريقِ الخلاصِ. وهذا ما حصلَ للكثيرِيْنَ. آمين.

 

St. Ignatius Brianchaninov. The Field: Cultivating Salvation, Chapter 3: On Reading the Holy Fathers. Translated by Nicholas Kotar. Holy Trinity Publications, 2016.


 



آخر المواضيع

في قراءةِ كتاباتِ الآباءِ القِدِّيسِينَ
الفئة : آبائيّات

القِدِّيس إغناطيوسُ بريانشانينوف 2026-04-03

بِصلوات الآباء القدّيسين...
الفئة : آبائيّات

المطران نيوفيطوس، متروبوليت مورفو 2025-12-12

أربعٌ وعشرون علامةً تدلّ على الكبرياء، وكيفيّة اكتساب التّواضع
الفئة : آبائيّات

الأب إيمانويل هاتزيداكيس 2024-11-19

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا