المَجامِع المَسكونِيَّة، سُلطة الآباء، ومَسألة المُناوَلة أثناء الدَّورَة الشَّهرِيَّة: التَّحليل القانونِي
المَجامِع المَسكونِيَّة، سُلطة الآباء، ومَسألة المُناوَلة أثناء الدَّورَة الشَّهرِيَّة: التَّحليل القانونِي1ّ.
إعداد: إدي بطرس
أولاً - مُقدِّمة: المَجامِع المَسكونِيَّة وسُلطَتها
تُشكِّلُ المَجامِع المَسكونِيَّة في الكنيسَة الأرثوذكسِيَّة أعلى وأهَم تعبير مَرجَعِيّ عن تعاليم الكنيسَة وهَوِيَّتها القانونيَّة. فهي ليست مُجرَّد مَجامعٍ تاريخِيَّةٍ لِلأساقفة، بل تُعتبَرُ مَجامِع يُرشِدُها ويُنيرُها الرّوحُ القدُس. يُعبِّرُ كتاب ”البيذاليون“ عن هذا بوُضوحٍ مُذهِل، مؤكِّدًا أنَّ قرارات هذه المَجامِع هي ”مَقبولة لِلرّوح القدُس“ الذي «يَقودُها ويُنيرها ولا يَسمحُ لها أنْ تقعَ في الخطأ»2. وبالتالي، فإنَّ المَجامِعَ المَسكونيَّة تمثلُ صَوت الرّوح القدُس الذي يَتكلَّمُ مِن خِلالِ الكنيسَة.
نجد ما يلي في كتاب «لَمحَة عامَّة عن القانون الكنسِيّ الأرثوذكسِيّ»:
«المَجامِع المَسكونِيَّة هي أعلى هيئة كَنسِيَّة وهي تُشكِّلُ السُّلطَة الكَنسِيَّة العُليا وتُمارِسُ أعلى سُلطَة إدارِيَّة وقضائيَّة وتشريعِيَّة»3.
«أعلى سُلطَة في الكنيسَة الأرثوذكسِيَّة هي تلك المَجمَعِيَّة، أي المَجمَع المَسكونِيّ. كان المَجمَعُ المَسكونِيُّ أعلى سُلطة تشريعَيَّة وإدارِيَّة وقضائيَّة في الكَنيسَة القديمة غير المُنقسِمَة ولا يَزالُ كذلك في الكنيسَة الأرثوذكسِيَّة التي هي استمرارٌ لِتلك الكنيسَة»4.
ثانِيًا: إساءةُ استِخدامِ رِسالَة القدّيس غريغوريوس الذيالوغوس (أو الكبير) والسُّلطَة المُبرَمَة للمَجامِع المَسكونِيَّة
في السَّنوات الأخيرة، لجأ بعضٌ مِن الإكليروس والعِلمانِيّين إلى رِسالَةٍ شَخصِيَّةٍ مِن القدّيس غريغوريوس الكبير مُوجهَّة إلى القدّيس أوغسطينوس في كانتربري—بشأنِ تناوُلِ النِّساء اللواتي في فترة الحيض الأسرار الإلهِيَّة—لِتبريرِ جَواز تناولهِنَّ. هذه الحِجَّة، رُغم أنَّها رِعائيَّة، إلا أنَّها غيرُ شرعِيَّةٍ قانونِيًّا وغيرُ سليمَةٍ لاهوتِيًّا.
إنَّ الرِّسالَة المَعنِيَّة هي: رِعائيَّة، مُوجهة إلى بعثة تبشيرِيَّة حَديثة التأسيس، وليست تشريعًا عقائديًّا أو قانونيًّا.
لا تضعُ الكَنيسَةُ الأرثوذكسِيَّة أبدًا قواعِدَ قانونِيَّة جامِعَة على أساسِ رَسائلَ رعوِيَّة مَعزولَة—حتّى لو كانت مِن قدّيسين مِن أعلى المَقامات. هذا هو المَبدأ بالضَّبط الذي عبَّر عنه القدّيس فينكنتيوس اللارنسِيّ الذي يَقول:
«إنْ ظَهرَت بَعضُ الأسئلَةِ اللاهوتِيَّة التي لمْ يَصدُر بِشأنِها قَرارٌ مَجمعِيٌّ، يَجِبُ اللجوء إلى آراء الآباء القِدّيسين ... وأيًّا كان ما يُمكِنُ أنْ يَكونوا قد تمَسَّكوا به، بِذهنٍ واحِدٍ واتِّفاقٍ واحدٍ، يجب أن يُحسب هذا على أنَّه التَّعليم الصَّحيح والجامِع لِلكَنيسة»5.
يوضِحُ القدّيس فنكنتيوس أنَّهُ لا يَجوز اللجوء إلى آراءِ أو كِتاباتِ الآباء إلا في حالَةِ عَدمِ وُجودِ قرارٍ مَجمَعِيّ. ولكن في المَسألة التي نحنُ بصدَدِها، فإنَّ مَسألة تناول النساء الأسرار الإلهيَّة في فترة الحَيض قد سَبق أنْ حُسِمَت وفقًا لِلتَّقليد القانوني لِلكنيسَة وأقرَّها مَجمعٌ مَسكونِيّ. لِذلك، فإنَّ أيَّ مُحاوَلةٍ لِتجاوز هذا الحُكمِ المَجمَعِيِّ بِالتَّذرُّعِ برِسالَةٍ رِعَوِيَّةٍ هي رَفضٌ مُباشَرٌ لِلإكليزيولوجيا الأرثوذكسِيَّة. مُقارَبةٌ كهذه هي مُنافِيَةٌ جوهَرِيًّا لِلأرثوذكسِيَّة؛ إنَّها في الواقع حيلة ذات طابعٍ بروتستانتِيّ—أي استبدال صَوتِ المَجامِع المَسكونِيَّة المَملوء بالرُّوح، بنصوصٍ مَعزولَة.
إنَّ إساءَة استِخدامِ رِسالَةِ القدّيس غريغوريوس تُمَثلُ:
- جَهلاً بمَنهَجيَّة المَجامع،
- تجاهُلاً للهيرارخِيَّة القانونيَّة لِلسُّلطات،
- ورفضًا لِلإجماع الآبائي كما أُكِّدَ مِن خِلال تصديق المَجامِع.
وإذا تبنّى مَجمَعًا مَسكونِيًّا قوانين الآباء، فإنَّها تتوَقفُ عن كونِها مَحليَّة أو اختيارِيَّة لِتُصبحَ مُلزمَة لكُلِّ العالَم. لا يَملكُ أيُّ نصٍّ خاصٍّ أو رِسالَةٍ رعويَّة أو مَجمَعٌ مَحليٌّ أو أسقفٌ أو كاهِنٌ أو راهِبٌ أو عِلمانيٌّ أو لاهوتِيٌّ، السُّلطَة لإلغائها.
ثالِثًا: قوانين القدّيسَيْن ذيونيسيوس وتيموثاوس الإسكَندرِيَّيْن بما يَختصُّ بفترَة الحَيض
١. القانون الثاني لِلقدّيس ذيونيسيوس الإسكندريّ
يَتناوَلُ القدّيس ذيونيسيوس هذه المَسألةَ دون أيِّ غُموض؛ بل إنَّهُ يَعتبرُ أنَّ طَرح السّؤال بحَدِّ ذاتِهِ أمرٌ لا حاجَة لهُ:
«فيما يَتعلَّقُ بالنِّساء في فترة الحَيض وما إذا كان يَنبغي لهُنَّ دُخولُ هيكلِ الله في هذه الحالَة، أعتقدُ أنَّ طَرحَ السّؤال بحَدِّ ذاتِهِ أمرٌ لا حاجَة لهُ. ففي رأيي، أنَّهُنَّ أنفسَهُنَّ، كونهُنَّ مؤمنات وتقيّات، لنْ يَجرؤنَ في هذه الحالَة على الاقترابِ مِن المائدَة المُقدَّسَة أو لمسِ جَسدِ المَسيح ودَمِه. لأنَّهُ حتى المرأة التي كان بها نزيفُ دَمٍ مدَّة اثنتيّ عشرَة سنةً لم تجرأ على أنْ تمسَّ الربَّ بل مسَّت هُدبَ ثوبه لتُشفى. لا مانِعَ مِن أنْ يُصَلّيَ المَرءُ مَهما كانت حالته أو أنْ يَذكرَ الرَّبَّ في أيِّ وَقتٍ وفي أيِّ حالَةٍ ويَطلب المَعونة؛ ولكن إذا لم يَكُن طاهِرًا تمامًا روحِيًّا وجَسدِيًّا، فلا يَجوزُ لهُ الاقتِرابُ مِن قُدسِ الأقداس»6.
٢. القانون السّابِع لِلقدّيس تيموثاوس الإسكندريّ
وكذلك أجابَ القدّيس تيموثاوس على السّؤال التّالي: «هل يَجوزُ لامرأةٍ إنْ وجدت نفسَها في دورِ حَيضِها أنْ تشترِكَ في الأسرار في ذلك اليوم أمْ لا؟» يُجيبُ بوُضوح: «لا ينبغي لها أنْ تفعل ذلك إلى أنْ تتنقّى»7.
٣. تثبيت هذه القوانين مِن المَجمع المَسكونيّ الخامس-السّادِس (مَجمع ترولو)
لا تكمُن أهمِّيَّةُ هذه القوانين في كونِها قديمَة أو في سُلطَتِها الآبائيَّة فحَسبْ، بل في ارتقائها الرَّسمِيّ إلى المُستوى المَسكونِيّ مِن خِلالِ المَجمع المَسكونِيِّ الخامس-السّادِس بمَوجِب القانون الثاني الذي يَنصُّ على ما يلي:
«وَضعنا ختمَنا على القوانين الأخرى المُقدَّسّة التي سنَّها لنا الآباء القدّيسون المُطوَّبون ... ذيونيسيوس رَئيس أساقِفة الإسكندرِيَّة المَدينة العُظمى ... وتيموثاوس الذي كان رئيسًا سابِقًا لأساقِفة الإسكندرِيَّة المَدينة العُظمى...»8.
هذا التَّثبيت المَجمعِيّ يُحوِّلُ قوانين القدّيسَيْن ديونيسيوس وتيموثاوس مِن أحكامٍ مَحليَّةٍ إلى قوانينَ مَسكونِيَّة مُلزمَة لِلكَنيسَة الأرثوذكسِيَّة بأكمَلِها إلى الأبد.
وبالتّالي:
- التَّعليم واضِح،
- التقليد القانوني واضِح،
- والسُّلطة المَسكونِيَّة واضِحَة.
لا يُمكِنُ التَّذرُّعُ بِأيِّ نَصٍّ مَهما كان سامِيًا لِمُخالَفةِ مَجمَعٍ مَسكونِيّ.
رابِعًا: الادعاء الخاطئ بوجود ”رأيَيْن/مَدرسَتيْن“ فِكريَّتيْن
الادِّعاءُ بوُجودِ ”رأيَيْن“ بشأنِ النِّساء في فترَةِ الحَيض وتناوُلهُنَّ لِلأسرارِ المُقدَّسَة هو ادِّعاءٌ لا سَندَ لهُ وساقِطُ الاعتِبارِ قانونِيًّا. فبمُجَرَّدِ أنْ ثبَّتَ المَجمَعُ المَسكونِيُّ الخامِس-السّادس قوانينِ القدّيس ديونيسيوس والقدّيس تيموثاوس، فقدَتْ جَميعُ الآراءِ السّابقةِ لِلمَجمَعِ، سُلطَتَها المُستقِلَّة. في الإكليزيولوجيا الأرثوذكسِيَّة، لا يُمكِنُ لأيِّ مَسألَةٍ يَحسمُها مَجمعٌ مَسكونِيٌّ أنْ تُقابلَها مَدارسُ مُتعدِّدَة أو تفسيراتٍ مُتنافِسَة. إنَّ قرارَ المَجمَعِ نِهائيٌّ، مَعصومٌ مِن الخطأ، مُلزمٌ لِلجَميع في الكنيسَة الجامِعة كُلِّها، ولا يُمكِنُ أنْ يَتواجدَ مع رأيٍ مُعارِضٍ لهُ. لذلك، فإنَّ أيّ مُحاوَلَةٍ لإحياء آراءٍ بَديلَةٍ تتعارَضُ مع المَجامِعِ المَسكونِيَّة يَجبُ أنْ تُرفَض.
خامِسًا: الخاتِمَة
حَسمَت الكَنيسَةُ الأرثوذكسِيَّة مَسألَة تناوُلِ النِّساء في فترة الحَيض الأسرار المُقدَّسَة بشكلْ نِهائيٍّ مِن خِلال: القدّيس ديونيسيوس الإسكندري (القانون الثاني)، القديس تيموثاوس الإسكندَرِيّ (القانون السّابع)، التَّثبيت الرَّسمِيّ لَهُما مِن المَجمَعِ المَسكونِيِّ الخامِس-السّادس. لِهذه القوانين سُلطَةٌ جامِعَة ولذلك: لا رِسالة رعوِيَّة ولا رأيٌ لاهوتِيٌّ ولا عِرفٌ مَحَلِّيٌّ ولا أسقفٌ أو كاهِنٌ ولا لاهوتِيٌّ أو عِلمانِيٌّ أو راهِبٌ أو كاتِبٌ ولا تفسيرٌ خاصٌّ، لهُ الحقُّ في نَقدِها.
إنَّ الاستِشهادَ برِسالَةِ القدّيس غريغوريوس الرّعوِيَّة المُعارِضَة لِلمَجامِع المَسكونِيَّة يَعكُسُ سوءَ فهمٍ جَوهَرِيٍّ لِمَفهومِ المَجمَعِيَّة الأرثوذكسِيَّة ويَتعارَضُ مع تعليمِ القدّيس فينكنتيوس اللارنسِيّ وسُلطَة المَجمَعِ المَسكونِيِّ الخامِس-السّادس والذِّهن القانونِيّ لِلكنيسَة الأرثوذكسِيَّة بمُجمَلِه.
ما حَكَمَتْ بهِ المَجامِعُ المَسكونِيَّة ثابتٌ إلى الأبد. وفي حالَتِنا هذه، فإنَّ حُكمَها واضِحٌ: النِّساء اللواتي في فترَةِ الحَيض لا يَتناولنَ الأسرارَ المُقدَّسَة. وأيُّ ادِّعاءٍ مُخالِفٍ لِذلك هو رَفضٌ لِسُلطَة الكنيسَة الأرثوذكسية المَجمَعِيَّة والآبائية والمُرشَدَة بِالرّوح.
1. ملاحظة: هذا المقال لا يتناول موضوع طهارة المرأة أو عدم طهارتها، بل فقط ما يتعلَّق بالقوانين المقدّسة بما يتعلّق بالمناولة خلال الدّورة الشهريّة.
2 Saints Nikodemus and Agapius, The Rudder, p. 157.
3 Professor Dr. Panteleimon Rodopoulos, [Metropolitan of Tyroloë and Serention, Ecumenical Patriarchate,] An Overview of Orthodox Canon Law, 2007, p. 42.
4 Ibid., p. 135.
5 PL 50, 675.
6 Saints Nikodemus and Agapius, The Rudder, The 4 Canons of St. Dionysios, Canon II, p. 718.
7 Ibid., The 18 Canons of St. Timothy of Alexandria, Question VII, p. 893.
8 Ibid., pp. 293-294.
آخر المواضيع
المَجامِع المَسكونِيَّة، سُلطة الآباء، ومَسألة المُناوَلة أثناء الدَّورَة الشَّهرِيَّة: التَّحليل القانونِي
الفئة : رعائيّات
في أيَّامِ الآحَادِ
الفئة : رعائيّات
القديس يوحنا الذهبيّ الفم ومسيحيُّو القرن الحادي والعشرين
الفئة : رعائيّات
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

