تاريخُ الأحدِ الأوَّلِ منَ التّريودي (أَحَدُ الفرِّيسيِّ والعشَّارِ)


تاريخُ الأحدِ الأوَّلِ منَ التّريودي (أَحَدُ الفرِّيسيِّ والعشَّارِ)

يوحنَّا سينادوبولس

نقلَها إلى العَربيَّةِ الشَّمَّاس مكسيموس سلُّوم

 

بينَما ندخلُ فترةَ التّريودي، وهي الفترةُ التَّحضيريَّةُ الَّتِي تستمرُّ لثلاثةِ أسابيعَ وتنتهي بالصَّومِ الكبيرِ، من المهم أنْ نتذكَّرَ من منظورٍ تاريخيٍّ أنَّ السّببَ في وجودِ هذه الفترةِ هو أنَّ تاريخَ الكنيسةِ تَطَوَّرَ على مرِّ العصورِ، وكذلك أعيادَها وتذكاراتِها والمعاني المرتبطة بها. في القرونِ الأولى للكنيسةِ، كانَت أيَّامُ الآحادِ في الصَّوم الكبيرِ مرتبطةً في المقامِ الأوَّلِ بقراءاتِ الإنجيلِ اليوميَّةِ، والَّتِي كانَت تهدفُ إلى تعليمِ الموعوظِينَ الجُدُدِ، تحديدًا، استعدَادًا للمعموديَّةِ المقدَّسَةِ في فترةِ عيدِ الفصحِ. ولهذا السّببِ، قبلَ القرنِ السّابعِ، كانَ الأحد الثّالثُ من الصَّومِ الكبيرِ مخصَّصًا لمَثَل الفرِّيسيّ والعشَّار.

ومَعَ حُلولِ القرنِ السَّابِعِ، تغيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ، وذلكَ عندمَا قامَ الملكُ الفارسيُّ كِسرَى الثّاني في العام 614 بغَزْوِ أورشليمَ وأخذَ، من بينِ الغنائمِ، عودَ الصَّليبِ. تمَّ استرجاعُه بعدَ أربعةَ عَشَرَ عامًا من قبلِ الإمبراطورِ هرقل الثّاني الَّذي هزمَ الفرسَ وفي ربيع عام 629 حملَه شخصيًّا إلى أورشليمَ. إنَّ عودة الصَّليب إلى كنيسةِ أورشليم من قَبَلِ الإمبراطورِ قد عزَّزَتْ بشكلٍ كبيرٍ تكريمَ الصَّليبِ المقدَّسِ، ممَّا أدَّى في النِّهايةِ إلى تخصيصِ هذا التكريم للأحدِ الثّالث من الصَّوم الكبير، حيث قد قلَّ عددُ الموعوظين الجددِ في ذلك الوقتِ.

سببٌ آخرٌ لتخصيصِ الأحد الثّالث من الصَّوم الكبيرِ للصَّليبِ المقدَّسِ وهو أنَّ الكنيسةَ كانت تحتفِلُ في السّادسِ من آذارَ بعثورِ القِدِّيسةِ هيلانةَ على الصَّليبِ المقدَّسِ، ولكن لأنَّ هذَا اليومَ كان يتزامَنُ مَعَ أيَّامِ الصَّومِ، لم يكنْ يمكنُ الاحتفالُ به بشكلٍ مناسِبٍ، لذلكَ نُقِلَ إلى يومٍ ثابتٍ وهو يومُ أحدٍ في فترةِ الصَّومِ الكبيرِ حتَّى يمكنُ الاحتفال به بشكلٍ لائقٍ. واليوم فقط ذوكصا الإينوس1 في صلاةِ السّحر وإيذيوميلات أخرى تذكِّرنا بمَثَل الفرِّيسيّ والعشَّار في الأحد الثّالث من الصَّوم الكبير.

بما أنَّ قراءةَ الإنجيلِ أيضًا قد استُبدِلَت في الأحدِ الثّالثِ من الصَّومِ الكبيرِ لكي يُشدَّدَ أكثر على الصَّليبِ، فقد تقرَّرَ نقلُ قراءة إنجيلِ "مثل الفرِّيسيّ والعشَّار" إلى الأحدِ الرَّابع الَّذي يسبِقُ الصَّومَ الكبيرَ، كدرسٍ يجبُ أن نتعلَّمَ منه قبلَ الدّخولِ في الصَّوم الأربعينيّ.

وليس واضحًا مَتى تمَّ هذا التَّغييرُ تحديدًا، لكنَّه لا بدَّ أنَّه حدثَ في القرنِ السّابعِ، وربما بدَأَ في كنيسةِ أورشليمَ، ثم أصبحَ معمولاً به في كلِّ الكنائسِ بحلولِ القرنِ العاشرِ.

أمَّا تراتيلُ التّريودي، ففي معظمِها كما نعرفُها اليوم، فقد نُظِّمت على يدِ رهبانِ دير السّتوديون في القسطنطينيَّةِ في القرن التّاسعِ، مستندِينَ إلى تراتيلِ ناظمي التّسابيح في أورشليمَ من القرنَينِ السّابعِ والثّامنِ (مثل يوحنا الدّمشقيّ وأخيه قُزما المرنِّم)، مع تطوّراتٍ طفيفةٍ استمرَّت حتَّى القرنِ الرَّابعَ عشرَ، حين أُضيفَ أَحَدُ القِدِّيس غريغوريوس بالاماس ليكونَ الأحدَ الثّاني من الصَّومِ الكبير (والَّذي كانَ حتَّى القرنِ السّادسِ مكرَّسًا لمَثَلِ الابنِ الشّاطرِ، ثُمَّ استُبدَلَ بمعجزَةِ شفاءِ المخلَّعِ حتَّى القَرنِ الرَّابعَ عشَرَ).

ومن خلال وَضْعِ أحدِ الفرِّيسيّ والعشَّار في الأحد الأوَّل من فترة التّريودي، تحاولُ الكنيسةُ أن تعلِّمَنَا قيمةَ التَّواضع، وألاَّ نعتمدَ فقَط على صومِنا وأعمالِنا الصَّالحة لنيلِ الرَّحمةِ والنِّعمةِ من اللهِ. ولهذا السّبَبِ يكون الأسبوعُ الَّذي يلي يومَ أحدِ الفرِّيسيّ والعشَّار أسبوعًا بلا صومٍ، كما يكتبُ القِدِّيسُ كيرلُّسُ الإسكندريُّ: "فما الفائدةُ من الصَّومِ مرَّتَينِ في الأسبوعِ، إن كانَ لا يخدِمُ إلاَّ حجَّةً للجهلِ والغرورِ، ويجعلك مُتكبِّرًا ومُتعجرِفًا وأنانيًّا؟".

 

https://www.johnsanidopoulos.com/2018/01/history-of-first-sunday-of-triodion.html
 

1 إنَّ ربَّ الكلّ. قد علَّمنا بمَثلٍ أن نهربَ من تشامخِ الفرِّيسيِّينَ الرَّديء. ونبَّهَنا ألاَّ يَرى الواحدُ منَّا نفسَه فوقَ ما هي عليه. وقد صارَ هو نفسُهُ رسمًا و نَموذجًا إذ أفرغَ ذاتَه حتَّى إلى الصَّلبِ والموتِ. فلنقدِّم لهُ الشّكرَ مع العشَّارِ قائلين: يا مَنْ تألَّمَ من أجلِنَا ولبثَ إلهًا غيرَ مألومٍ. نجِّنا من الآلامِ وخلِّص نفوسَنَا.



آخر المواضيع

تاريخُ الأحدِ الأوَّلِ منَ التّريودي (أَحَدُ الفرِّيسيِّ والعشَّارِ)
الفئة : زمن التريودي المقدّس

يوحنَّا سينادوبولس 2026-01-31

«...تفسيرُ صلاةِ «يَا رَبَّ القُوَّاتِ كُنْ مَعَنَا
الفئة : زمن التريودي المقدّس

القدِّيسُ أنثيموسُ خيوس 2025-04-01

الأرثوذكسيّة هي المسيح
الفئة : زمن التريودي المقدّس

الميتروبوليت إيروثاوس فلاخوس 2025-03-11

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا