بَرَكَة صليبنا


بَرَكَة صليبنا

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلها إلى العربية: الياس الأشقر

 

في الكنيسة الأرثوذكسية، الألم وكل أنواع العذابات التي يختبرها المؤمنون، هي أمورٌ لا تزول، بل بالأحرى يكتسبون منها فضيلة جديدة كُلِّيًا، إنهم بها يتحوَّلون. من خلال شجاعتنا، وصَبرِنا، وصلواتِنا، والذِكر الدائم لله، تتحوَّل هذه الكأس المريرة إلى كأس عدم الموت الحلوة. لهذا السبب، لا يبقى الألمُ مصدرَ خوفٍ ورُعبٍ بالنسبة للمسيحيّ، ولكن، ساحةً للجهاد والمعركة. على سبيل المِثال، رُبَّ رياضيٍّ قد شارك في سِباقات وفاز بالمُباريات: فهو عندما يستلم جائزةَ فَوزِه، وبفائق البهجة، ينسى كلَّ العمل الشاقِّ الذي بَذَله للتحضير لهذه المُباريات. بالطريقة نفسها، فالمجاهد من أجل المسيح، العالِمُ بالمجد الذي سيُعلَن (١ بطرس ٥: ١) والمكافآت المُنتظرَة في ملكوت السماوات، ينسى مرارةَ المُعاناة والموتَ بحدِّ ذاتِه.

لذلك، يجب علينا أن نتحمَّل بشجاعةٍ مسيرتَنا في الجهاد الموضوع أمامنا، الذي يجب علينا أن نصبر خلاله على التَّجارب، الأحزان، والمصاعب، طالبين القوّة والعَزاء من مُخَلِّصنا، «نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ ٱلْإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِ ٱلسُّرُورِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، ٱحْتَمَلَ ٱلصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِٱلْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱللهِ» (العبرانيين ١٢: ٢).

وإذا حصلنا على عطيّة الله العظيمة للناس – المُعاناة – بالطريقة الصحيحة، ستُصبِح لنا مصدر بَرَكات. مهما علينا أن نتحمَّل في هذا الزمان الحاضر، فلا شيء يمكن قِياسُه بالأجْر المُنتَظَر في ملكوت السماوات، كما قال الرسول بولس: «إِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلَامَ ٱلزَّمَانِ ٱلْحَاضِرِ لَا تُقَاسُ بِٱلْمَجْدِ ٱلْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» (رومية ٨: ١٨). وإن أراد أحدٌ أن يحصل على إجابةٍ، في هذه الحياة، لِمسألة سَماح الله لِحُصول حادثةٍ معيَّنةٍ، فسوف يمتلئ فِكرُه، بلا شكِّ، بألوف أسئلة "لماذا؟". لكنْ، إذا اعتبَر أنّ مشاكلَه هي تجارب ضروريّة سمح بها الله، إمّا لكي يتطَّهر، أو لكي يكتمِل، أو من أجل أن يُكلَّل في الحياة المُقبِلة، فلسوف يَقبَل كأس الألمَ من يدِ الربّ كَبَرَكة.

هذا هو جواب الله للإنسان. لا يُعطي الربُّ الإنسانَ وُعودًا كاذبة بأنّه سيُبطِل المُعاناة، بل يَعِدُ بتحويل هذا الألم، ومن خلال لعنةٍ، فهو يُنشئ برَكةً وتعزية.

لا يعتقدنَّ أحدٌ أنّ القدّيسين لم يُعانوا ولم يتعرَّضوا لأمراضٍ جسديّةٍ. فكلمات القدّيس اسحق السرياني تُبرهِنُ العكس – يقول في إحدى مواعظه التالي: «هل ترى الجُموع التي لا تُعدُّ ولا تُحصى من قدّيسي الكنيسة؟ لم يصعد أحدٌ منهم إلى السماوات عائشًا بالسُّرور، ولكنّهم كلَّهم صعدوا إلى هناك بالكثير من الأحزان،» صابِرين في حَمل الصليب الذي منحهم إيّاه الله.

كلُّ واحدٍ منّا يحمل صليبَه الخاص – كلُّنا، كلُّنا بأجمعنا من دون استثناء، مهما كُنّا، مهما كان مَنصِبُنا في المجتمع، أو في أيّ مكانٍ كنّا في العالم. لكن حتّى إن لم يُرسِل الربُّ صَليب تَحَمُّلِ الأمراض بصبرٍ لبعض الناس، لكنّهم لا يزالون عُرضةً لمُختلف الأحزان، والاضطرابات؛ مِن حَملِ صليب خطاياهم، إلى محاربة عدوِّهم الداخلي – «ٱلْإِنْسَانَ ٱلْعَتِيقَ» (أفسس ٤: ٢٢) الذي يُعذِّبُهم.

في هذه الطريق المُظلِمة التي لا تنتهي، واحدٌ هو القادِرُ على إنارةِ دَربِنا – وهذا، وبكلّ تأكيد، هو ربّنا يسوع المسيح، المصلوب على الصليب من أجل خلاص كل شخصٍ؛ هو النّور والعّزاء للناس الذين يحملون صليبهم وراءه. هو الذي يدعو، في الإنجيل المقدّس، جميعَ الحَزانى، المرضى، والمعذَّبين: «عَالَوْا إِلَيَّ يا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متى ١١: ٢٨).

 

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

ترجمها من النسخة الروسيّة فيودور نيمتز

٣١/٣/٢٠١٩

https://orthochristian.com/120223.html



آخر المواضيع

بَرَكَة صليبنا
الفئة : زمن التريودي المقدّس

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول 2024-04-06

في السلام بيننا
الفئة : زمن التريودي المقدّس

‏القدّيس غريغوريوس بالاماس 2024-03-28

عظة في أحد الأرثوذكسيّة​​
الفئة : زمن التريودي المقدّس

القديس لوقا الجرّاح، أسقف سيمفروبول 2024-03-24

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا