الموت الفجائي


الشيخ أفرام الفاتوبيذي

تعريب الأب نيقولاوس بو صعب

 

تسود في أيّامنا كارثةُ قِيَمٍ جسيمة خصوصًا في ظلّ تقدّم العلم والتيكنولوجيا وبالتزامن مع تلاقي الحضارات واندماجها. ونلاحظ حتّى أنّ كلمة "موت" أصبحت مغيّبة وكأنَّ العالم يتحاشاها ويتحاشى كل مرادف لها حتّى.

ينظر الإنسان المعاصر إلى الموت نظرةً تشاؤميّة وكأنّه أمرٌ سلبي أو خسارة، فعلى سبيل المثال نقول عن أحد مات أنّنا "خسرناه". لذلك فكلّ من ليس له المعرفة المناسبة عن موضوع الموت يحاول أن يتجنّبه ويعيش حياةً متوتّرة فاقدة لمعناها الحقيقي.

إنّ توقف عمل القلب و/أو الموت الدماغيّ، المسمّى بالموت السريري، ليس حالة طبيعيّة عند الإنسان وليس هو في الوقت عينه حالة ترتبط برضى الله، «اذ ليس الموت من صنع الله» (الحكمة 1: 13). لقد اقتحم الموت الجنس البشري ويتصرّف بطريقة عبثيّة. دخل الموت العالم من خلال خطيئة الجدّين الأوّلين فمستحيل أن يكون الله هو من خلق الشرّ لأنّ الله صالح، وعندما خلق الإنسان جعله خالدًا وقد ظهر الموت لاحقًا بعد السّقوط؛ «وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ» (تكوين 2: 17). يقول الرّسول بولس أيضًا: «كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيئةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيئةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ» (رومية 5: 12). وهذا يعني أنّ الموت ونتيجة خطيئة الجدّين تعدّى ودخل إلى الطبيعة البشريّة وبذلك إلى باقي الخليقة.

لقد شاء الله بعنايته غير الموصوفة أن يبقى الإنسان جاهلًا لساعة موته. بالاستناد إلى اللاهوت الأرثوذكسي، إن عَلِمَ الإنسان في أي وقت سيموت سيبقى عائشًا في الخطيئة غير آبه للفضائل. لذلك، فالغموض الذي يشمل ساعة الموت يحفّزه على أن يبقى يقظًا ومستعدًا، «اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ» (متّى 24: 42). لذلك لا يعلم أحد لا ساعة موته ولا حتّى متى يكون المجيء الثاني للمسيح.

هذا لا يعني أنَّ الله يُسرُّ عندما يموت أحد بشكل فجائي، فمن ضمن الطلبات الابتهاليّة التي نردّدها في كنيستنا، في العديد من الصلوات ويوميًّا في صلاة نصف الليل، نطلب من الرَّب أن ينجّينا من الموت الفجائي بالإضافة إلى العديد من النكبات: «أيضًا نطلب من أجل حفظ هذه الكنيسة المقدّسة وسائر الأديرة والكنائس والمدن والقرى والبلاد من السخط والجوع والأوبئة والزلازل والغرق والحريق والسّيف ومن غارات القبائل الغريبة والحروب الأهليّة والموت الفجائي».

فالكنيسة لا تصلِّي فقط من أجل أعضائها الفاعلين فيها والمؤمنين فقط، بل من أجل كلّ العالم ومنهم من سيهتدون أيضًا إلى الإيمان والكنيسة. وكأمٍّ محبّة، فهي تنظر بعين الانتباه والعطف لجميع أبنائها في كلّ العالم لتحميهم من كلّ شرّ وتمنحهم كلّ خير وبركة. ولهذا السّبب لا تصلِّي الكنيسة لجميع الأرثوذكسيّين وحسب بل "من أجل سلام كلّ العالم... من أجل المسافرين والمرضى والمتألّمين والأسرى وخلاصهم".

إنَّ موت غير المؤمن والملحد وغير التّائب الفجائي، يتحوّل إلى حدثٍ فظيع بنتائج مرعبة لأنّ الوقت المعطى لهم من الله لم يُستخدم كما يجب. هؤلاء الأشخاص لم يقتنوا نظرة إيجابيّة من الله ولا من العالم ولا حتّى من ذواتهم، وهذا يُترجم في أنّهم لم يعيشوا حياةً يشغلون فيها فكرهم بالرَّب ولم يقدموا أي توبة عن أفعالهم. ولهذا السّبب، اتّحادهم بالله ومشاركتهم بالنّعيم الأبدي الإلهي غير مضمون لهم. والطلبة الإبتهاليّة التي ذكرناها سابقًا، تخصّ بالتّحديد أمثال هؤلاء.

على صعيدٍ مشابه، فالمؤمن العائش حياةً روحيّةً حقيقيّة صعب عليه أن يتأذّى من الموت الفجائي لأنّه يصبح غير آبه به. كلّما تقدّم بالقامة الرّوحيّة، كلّما ضعف خوفه من الموت ويمكننا أن نتمادى بالقول أنّ هكذا إنسان يصير مشتهيًا اقتراب موته. ولا تأتِي هذه الرّغبة بسبب بغضه لحياته أو لأنّه يعتبر جسده كسجن ويشاء كالفلاسفة الأفلاطونيّين مثلًا أن يتخلّص منه، بلّ لأنّ المسيحي يحبّ الحياة ويرغب بالاتّحاد بالحياة الحقيقيّة، أي المسيح نفسه. لذلك يقرّ مع الرّسول بولس قائلًا: «لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (فيلبّي 1: 21-23).

في هذا السّياق، يُظهر الشيخ يوسف الهدوئي هذا الاشتهاء والعشق الإلهي للمسيح وتلك الرّغبة الشّديدة لعيش الحياة الحقيقيّة. لذلك كان يقول: "إنَّ الموت بالنّسبة لكثيرين هو أمر مريع، أمّا بالنّسبة لي فهو راحة وأمرٌ عذبٌ جدًا". وكان يعقّب قائلًا: "طوبى لمن يذكر الموت في الليل والنّهار ويتهيّأ له، لأنّ الموت هو حدثٌ ممتع لمن يترقَّبه وهو مرٌّ وقاسٍ لمن يتجاهله".

يقدّم القدّيس سلوان الآثوسي مثالًا جميلًا عن الموت الفجائي: "لنفترض أنّه هناك ملك يعيش في الخطيئة والتّرف وقد جمع كلّ غنى الأرض، إن قال له أحدٌ وهو جالسٌ بكامل عظمته على عرشه محاطًا بالأمراء والمستشارين ومحتفلًا بمناسبة ضخمة إنَّه سيموت، سيحزن جدًا ويرتعد خوفًا. أمّا إذا قيل ذلك لأحد الفقراء الممتلئ بمحبّة الرَّب سيُجيب بسلام: فلتكن مشيئة الرَّب! المجد لله الذي ذكرني وشاء أن يأخذني إلى المكان الذي دخله اللصّ أوّلًا".

إلّا أنّه من الأفضل أن يعلم المرء ساعة موته ليقدر أن يصلّي ويسلم روحه أثناء الصّلاة كما يحصل مع الشيوخ الأبرار والقدّيسين. لقد أعلَمت والدة الإله الشيخ يوسف الهدوئي مسبقًا أنّه سيرقد في يوم عيد رقادها في الخامس عشر من شهر آب، تمامًا كما أُعلم العديد من القدّيسين بساعة موتهم كالقدّيس سمعان العامودي والقدّيس غريغوريوس بالاماس وغيرهم. يقول القدّيس ثاوغنوستوس الإسكندري إنّه لا يهمّ مقدار الفضائل والمواهب التي يمكن أن يقتنيها الإنسان بقدر ما يجب عليه أن يصلّي ألّا تنفصل نفسه عن جسده قبل أن ينعم عليه الرَّب أن يكشف له ساعة موته (الفيلوكاليا، الجزء الثّاني).

«أَحْكَامُكَ لُجَّةٌ عَظِيمَةٌ» (مزمور 36: 6) و«لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟» (رومية 11: 34). ينسُجُ الرَّب، بأحكامه وترتيباته الغامضة الوصف، الخلاص والكمال الرّوحي للإنسان الذي بعقله المحدود يظن أنّه يتأذّى ويُظلم. إلّا أنَّ الرَّب سمح أن يموت بعض القدّيسين موتًا فجائيًّا، على سبيل المثال القدّيس والرّسول يعقوب أخو الرّب والقدّيس موسى الحبشي والقدّيس استيفانوس الجديد والآباء ال 38 المقتولون في سيناء وال 33 المقتولون في ريثو بالإضافة إلى القدّيس أثناسيوس الآثوسي المعيد إحياء النّهضة الرّهبانيّة في الجبل المقدّس وآخرين. هؤلاء الأشخاص، كآباء روحيّين أخذوا على عاتقهم خطايا النّاس وقدّموا ذواتهم كذبائح من أجل خلاص العالم كما فعل المسيح. كما أنّهم صاروا سببًا لتوعية وتحفيز معاصريهم. وكما يقول القدّيس أنسطاسيوس السينائي: "غالبًا ما يتعجّب النّاس من موت الصدّيقين فجائيًّا ويتساءلون إن كان ذلك ما يحصل للقدّيسين فما المزمع أن يحدث لنا نحن الخطأة"؟

يسمح الرَّب أحيانًا بمداهمة الموت الفجائي لكي يمحو عددًا كبيرًا من الخطايا. يُذكر في كتاب الآباء الشيوخ أنّه عندما اقترف أحد الرّهبان خطيئة الزنى، توسّل اثنين من الرّهبان الذين كانا ينسكان معه، وكانا قد رقدا قبله، إلى الله أن يسمح أن يفترسه أسدٌ لكي بذلك يمحو الله خطيئته بهذه الطريقة المؤلمة لكي يُحسب في مصف المخلّصين. كان القدّيس بورفيريوس الرّائي يقول إنَّ العلماء اقتربوا كثيرًا من اكتشاف دواء لمرض السرطان، إلّا أنَّ الله لم يسمح أن يعرفوه لأنّ الفردوس قد امتلأ بمرضى السّرطان.

يمتزج في الواقع الألم بالحياة. قد نجد أنفسنا أننا ننكسر في الكثير من الصعوبات التي تواجهنا، خاصّةً إن لم يكن لنا إيمانًا كافيًا. مثلًا، إن علمنا أنَّ أحدًا ما سيموت قريبًا من داءٍ لا علاج له، نستصعب أن نتقبّل الأمر حتّى ولو كنّا متهيّئين للأمر نفسيًّا. فكم سيكون الموقف أصعب أن نبقى في سلامٍ وهدوء إن علمنا بموت أحد المقرّبين بعمرٍ يافعٍ فجأةً.

الموت حدثٌ غير اعتيادي ولا منتظم ومكرب وهو دائمًا سيكون عدو الإنسان الأخير. كان الإنسان في القدم ولا يزال يتفحّص الموت برغبة وجوديّة عميقة جدًّا. وفي أيّامنا، مع كلّ ما نشاهده من ميتاتٍ مروّعة وقاسية على وسائل الإعلام نتيجة حوادث أو جرائم أو حروب، فقد الإنسان النظرة الوجوديّة للموت وبات يعتبره أمرًا عاديًّا لا قيمة له.

عندما يتكلّم المسيحي عن الموت لا ينظر له نظرة تشاؤميّة أو قدريّة حتميّة ولا يعتبره أمرًا طبيعيًّا، يعتبره عدوًّا عليه أن يتغلّب عليه بالمسيح. «آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ» (1 كور 15: 26)؛ «الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا» (يوحنّا 1: 14) «لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (عبرانيّين 2: 14). تجسّد الله ليبيد الموت والخطيئة وليقهر الشيطان. لقد اتّخذ المسيح جسدًا آيلًا للموت ومعرّضًا للأهواء لكي ينتصر على الموت بجسده. بصلبه وقيامته غلب الموت وأعطى الإنسان القدرة على سحقه إن اتّحد به، فلا يعد يسمّى موتًا بل رقادًا ويتحوّل إلى جسرٍ يمتدّ إلى الحياة الأبديّة. الصدّيق ينتقل «مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاة» (يوحنّا 5: 24).

ينصحنا القدّيس نيقوذيموس الآثوسي ألّا ننسى أنَّ "الموت يظهر كسارق يأتي بغتةً ولا نعلم كيف ومتى سيزورنا. قد يظهر اليوم، في هذه السّاعة، في هذه اللحظة تحديدًا وأنت يا من استيقظت وتشعر أنّك بحالٍ جيّدة لن ترى المساء، وإن أمسَيت فلن تستيقظ في الصّباح... لذلك يا أخي فكّر ماليًّا وقل لنفسك: إن متُّ فجأةً ماذا سينتج عني أنا البائس؟ ما الذي سينفعني حتّى ولو استمتعت بكلّ ملذّات العالم؟... ابتعد عنّي يا شيطان وأيّها الفكر الشرّير! فأنا لا أرغب بأن أطيعك وأخطئ" (القدّيس نيقوذيموس الآثوسي: دليل سرّ الإعتراف).

بالنّسبة للآباء ولخبرة كنيستنا، ينتفع إخوتنا الرّاقدون كثيرًا، وخاصّةً الذين رحلوا فجأةً، من الذكرانيّت التي نقيمها لهم والقداديس الأربعين التي نرفعها من أجلهم، وكذلك تريحهم صلواتنا وأعمال الرّحمة التي نقوم بها بالإضافة إلى عيشنا لحياةٍ بارّة ما يعكس النّور لأرواحهم.

خلاصةً لحديثنا الذي حاولنا من خلاله التطرّق إلى بعض نواحي موضوع الموت الفجائي من وجهة نظر لاهوتيّة، لا بدّ لنا أن نركّز على فكرة أنّ الموت، وبتعبير أدقّ انفصال الروح من الجسد، يحتوي على سرٍّ لا كلمة فيها إلّا لسيّد الحياة والموت. أحكام الله غير المدركة وحدها تعلم أكنّا سنموت بشكل مفاجئ أم لا. ولكن علينا أن نؤمن بشكل حازم وبكلّ حزم أنّه ومن خلال المسيح القائم «لا سيادة للمَوْتُ بَعْدُ» (رومية 6: 9) وأنَّ «هِبَةُ اللهِ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ » (رومية 6: 23).

 

المرجع:

Αρχιμ. Εφραίμ Βατοπαιδινού Καθηγουμένου Ι. Μ. Μ. Βατοπαιδίου, Αθωνικός Λόγος,
Ιερά Μεγίστη Μονή Βατοπαιδίου, Άγιον Όρος 2010.

https://pemptousia.com/2021/08/on-sudden-death-2/

 



آخر المواضيع

تعليق حول ذكر الأسماء على الذبيحة
الفئة : مواضيع متفرقة

من الكنيسة الروسية خارج روسيا 2022-06-22

الصّلاة في الكنيسة
الفئة : مواضيع متفرقة

القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم. 2022-06-18

حكمة الله
الفئة : مواضيع متفرقة

.القدّيس نيقولاي فيليميروفيتش 2022-06-16

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا