هل سيعود إيليا النبيّ قبل المجيء الثاني للمسيح؟

هل إيليا النبيّ ما زال حيًّا؟

الفئة:لاهوت

الأرشمندريت أثناسيوس ميتيلناوس

تعريب رولا الحاج

من كتاب سفر الرؤيا- الأبواق السبعة والمسيح الدجال

يكتب القدّيس يوحنّا الدمشقيّ «وسيرسل الله أخنوخ وإيليّا، فيعيدان قلوب الآباء إلى الأبناء، أي شيوخ المجمع إلى ربّنا يسوع المسيح وإلى كرازة الرسل، ولكنّه سيقتلهما». القدّيس يوحنّا الدمشقيّ واضح جدًّا في قوله إنّ هذين الشخصين هما إيليّا النبيّ، وأخنوخ الذي هو السادس من بعد آدم. فلننعم النظر في شهادات الكتاب المقدّس حول هذين النبيّين. علينا أن نولي اهتمامًا شديدًا لهذه الأمور لئلّا نجد أنفسنا بين الذين سيحتفلون بقتل هذين الشهيدين، فالويل لنا آنذاك. ربّ من يسأل «ما همّني إن كان هو إيليّا أم لا؟» أو«أيّ أهمّيّة للموضوع؟»، طبعًا هو أمر في غاية الأهمّيّة، لأنّ الأمم ستحتفل. سيمتلئ شعب العالم كلّه فرحًا عندما يُقتلان. وعلينا ألّا نكون من بين المتهلّلين عندما يقتلهما المسيح الدجّال، بل أن نعرف ماذا يجري منذ الآن، حتّى نعترف بإيليّا وأخنوخ رجلي الله المرسلين من لدنه تعالى.

إليكم ما يكتبه ملاخي، آخر الأنبياء، عن النبيّ إيليّا في الإصحاحين الثالث والرابع، اللذين سيفيداننا جدًّا في قراءتنا العهد الجديد. «هاءنذا أرسل ملاكي فيهيّئ الطريق أمامي» (ملاخي 3: 1). «هاءنذا أرسل إليكم إيليّا النبيّ قبل مجيء يوم الربّ» (ملاخي 4: 5). يجب شرح النصّ الأصليّ المأخوذ من النصّ اليونانيّ الأصليّ وترجمته إلى لهجتنا المعاصرة، بما أنّ معظمكم قد ابتعد عن لغتنا الحقيقيّة. إنّها جريمة ألّا يتعلّم اليونانيّون اللغة اليونانيّة القديمة الأصليّة. يجب أن أقرّ بأنّني لم أكن تلميذًا مجتهدًا في مادّة اللغة اليونانيّة القديمة، وقد عانيت للحصول على المعدّل. لكنّ الحقيقة هي أنّه بما أنّنا ابتعدنا عن لغتنا الأمّ، فقد أصبح من الضروريّ شرح حتّى أصغر النصوص وأسهلها وتبسيطها، بما أنّنا لا نجتهد في اكتساب أبسط فهم للغة اليونانيّة الأصليّة.

بإعادة الصياغة من العهد القديم: «هاءنذا أرسل إليكم رسولي الذي يهيّئ الطريق قدامي. وسأرسل إيليّا النبيّ قبل مجيء يوم الربّ العظيم المجيد. وإيليّا هذا سوف يردّ قلوب الآباء إلى الأبناء، وقلوب الأبناء إلى آبائهم» (ملاخي 4: 5-6). هذه النبوءة المذهلة والواضحة الصريحة هي ما يقوله الله بواسطة النبيّ ملاخي. والرسول الأوّل هو المعنيّ في مهمّة أوّليّة، تاليًا فالرسول الأوّل هنا هو السابق للمجيء الأوّل للمسيح، أي يوحنّا المعمدان.

هكذا يفسّر العهد الجديد هذا الموضوع: يجمع الإنجيليّ مرقس بين نبوءة ملاخي هذه ونبوءة أشعياء ويكتب «ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، مرسلي»، بدلًا من أن يكتب «الذي يهيّئ طريقي قدّامي»، يكتب «الذي يهيّئ طريقك قدّامك». وبالنظر مجدّدًا إلى الآية في العهد القديم، نقرأ، «أرسل ملاكي الذي سيهيّئ طريقي قدّامي». أمّا في العهد الجديد، فيكتب القدّيس مرقس «ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيّئ طريقك قدّامك» (مرقس 1: 2). يُعتبر هذا التغيير البسيط مهمًّا جدًّا من وجهة نظر التفسير التأويليّ، لأنّه يُظهِر أنّ الذي تجسّد هو يهوه، أي الربّ. يسوع المسيح هو الربّ وليس مخلوقًا! هذه هي الآية الأقوى ضدّ شهود يهوه الذين أظلمت بصائرهم، وضدّ الألفيّين، الذين يزعمون أنّ يسوع المسيح خلقه الله. ويستخدم القدّيس مرقس هذه النبوءة الواردة في الإصحاح الرابع من سِفر ملاخي ليُظهِر أنّ الملاك المرسل هو القدّيس يوحنّا المعمدان. هذه النبوءة واضحة كلّ الوضوح! القدّيس يوحنّا المعمدان هو الرسول الذي يخبر عن المجيء الأوّل للمسيح.

ومع ذلك، ليست واضحة، في نبوءة ملاخي، المهمّة المميّزة التي يجب أن يقوم بها إيليّا، لأنّه كان معلومًا أنّ إيليّا يجب أن يظهر قبل المسيّا. هذا واضح كلّ الوضوح في سِفر ملاخي. ولكنّ التلاميذ كانوا مقتنعين بأنّ يسوع هو المسيّا، فأخذوا يتساءلون حول إيليّا. الأمر غير واضح بالنسبة إليهم. أين هو إيليّا؟ لماذا لم يظهر إيليّا قبل ظهور يسوع؟ ويزداد ارتباكهم وضوحًا عندما رأى تلاميذه الثلاثة، بطرس ويوحنّا ويعقوب، أنّ إيليّا وموسى نزلا على جبل ثابور وكلّما الربّ. لهذا السبب، بعد أن عاد التلاميذ الثلاثة من الجبل، عبّروا للربّ عن تساؤلاتهم:

«وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلًا: «لا تُعلِموا أحدًا بما رأيتم حتّى يقوم ابن الإنسان من الأموات». وسأله تلاميذه قائلين: «فلماذا يقول الكتبة: إنّ إيليّا ينبغي أن يأتي أوّلًا؟» فأجاب يسوع وقال لهم:«إنّ إيليّا يأتي أوّلًا ويردّ كلّ شيءٍ. ولكنّي أقول لكم: إنّ إيليّا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كلّ ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألّم منهم». حينئذٍ فهم التلاميذ أنّه قال لهم عن يوحنّا المعمدان» (متّى 17: 9-13).

إذًا، يأتي إيليا أوّلًا ليردّ كلّ شيء، أي العلاقات بين الآباء وأبنائهم، تمامًا كما كتب النبيّ ملاخي. لا ينفي الربّ هذا الأمر «لكنّي أقول لكم: إنّ إيليّا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كلّ ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألّم منهم». حينئذٍ فهم التلاميذ أنّه كان يتكلّم على يوحنّا المعمدان.

تشير نبوءة ملاخي، إلى المجيئين الأوّل والثاني للمسيح. فالمجيئان لهما سابقان، ضمن مجموعتين من الأيّام الأخيرة، كما أخبرتكم مرارًا. فالقدّيس بطرس كلّم الحشود يوم العنصرة، قائلًا «يقول الله: ويكون في الأيّام الأخيرة أنّي أسكب من روحي على كلّ بشرٍ» (أعمال الرسل 2: 17). أيّ أيّام أخيرة هذه؟ بالتأكيد ليست تلك المرتبطة بالمجيء الثاني للمسيح، كما يفسّر اليوم أتباع الشيعة الخمسينيّة بشكل عشوائيّ وشديد الخطورة. إنّها بوضوح الأيّام الأخيرة للمجيء الأوّل للمسيح. لذلك، علينا أن ننتبه دائمًا إلى وجود فترتين زمنيّتين تدعيان الأيّام الأخيرة أو الأزمنة الأخيرة في الكتاب المقدّس. وتشير الأيّام الأخيرة الأولى إلى المجيء الأوّل للمسيح، وتشير الأزمنة الأخيرة إلى المجيء الثاني للمسيح.

يقول الربّ مفسّرًا نبوءة ملاخي «إنّ إيليّا يأتي أوّلًا ويردّ كلّ شيءٍ». تشير هذه العبارة «إيليّا يأتي أوّلًا» إلى المجيء الثاني للمسيح. ولمّا كان التلاميذ مرتبكين، بدأ الربّ بتفسير ما يرتبط بمجيئه الثاني. فهو يقول بوضوح إنّ إيليّا سيأتي، ولم يقل «لقد أتى». لاحظوا يقول إيليّا وليس يوحنّا. ويعني بجملة «إيليّا يأتي أوّلًا» أنّه سيأتي قبلي. لكنّه لم يأت بعد، بل أتيت أنا قبله. يشير هذا كلّه إلى ما دوّنه الكتبة بأنّ إيليّا سيأتي أوّلًا ثمّ المسيّا. عرف الربّ أنّ التلاميذ متحيّرون ومرتبكون لأنّه أتى هو، الربّ، ولم يأت إيليّا. لذلك، فإنّ ذكره عن مجيء إيليّا وإعادته كلّ شيء، يرتبط حكمًا بالمجيء الثاني للمسيح. حينئذ، يقول الربّ «إنّ إيليّا قد جاء». أنظروا بانتباه إلى كلام الربّ «إنّ إيليّا قد جاء ولم يعرفوه» (متّى 17: 12). يتكلّم هنا على مجيئه الأوّل. عند هذه المرحلة، يصاب التلاميذ بالحيرة. فالربّ بدأ بالقول إنّ إيليّا سيأتي، ثمّ يقول إنّه قد أتى. ولكن كيف إن كان سيأتي في المستقبل؟ فلا يمكن أنّه أتى سابقًا. أيّ من الجملتين صحيحة؟ هل أتى أم بعد؟

هذا الأسلوب قريب من أسلوب يوحنّا عندما قال «وهذا هو روح ضدّ المسيح الذي سمعتم أنّه يأتي، والآن هو في العالم» (1 يوحنّا 4: 3). بكلامٍ آخر، المسيح الدجّال آتٍ، ولكنّه موجود فعلًا في العالم. ولكن كيف يأتي وهو موجود؟ في كلا الحالتين، يُشار هنا إلى شخصين مختلفين.

يسلّط القدّيس لوقا الإنجيليّ الضوء على هذه المعضلة، فيكتب عن المجيء الأوّل للمسيح وعن يوحنّا المعمدان، السابق الأوّل للحضور الأوّل للمسيح. ويكتب أنّ يوحنّا قد أتى «بروح إيليّا وقوّته» (لوقا 1: 17)، أي، بالروح والقوّة اللتين كانتا عند إيليّا لمّا أتى. لهذا السبب يقول الربّ إنّ إيليّا قد أتى من قبل. طبعًا، يشير الربّ إلى إيليّا في العهد القديم. عندما يقول إنّ إيليّا آتٍ، فهو يعني أنّ إيليّا سيأتي خلال مجيئه الثاني. علينا دراسة هذه النصوص بانتباه شديد، لأنّه لو ألقينا نظرة سريعة، لظنّنا أنّ الربّ يتكلّم على يوحنّا المعمدان، الذي يقابله بإيليّا. وليست هذه هي الحال.

قد يهمّكم أن تعرفوا أنّ بعض أتباع نظريّة التقمّص في تلك الأيّام– وفي أيّامنا أيضًا للأسف- حاولوا استخدام هذه الآيات المتعلّقة بإيليّا لمصلحتهم. زعموا أنّ روح إيليّا دخلت يوحنّا المعمدان ليظهر بعد ذلك بشخص يوحنّا المعمدان. لعلّ بعضكم قرأ هذه الأمور في بعض المجلّات والصحف، لأنّكم أتيتم إليّ وأخبرتموني. طبعًا، هذا ليس جديدًا، إذ نقرأ ضمن تفسير أوريجنّس أنّه «لو مات إيليّا، قد يقول المرء، بناءً على كلام الربّ، إنّ إيليّا قد أتى بالفعل في شخص القدّيس يوحنّا وذلك بفكرة أنّ الروح دخلت رجلًا آخر، وهذا الرجل الجديد هو إيليّا لكن باسم جديد. لكنّ إيليّا لم يمت. فكما تعلمون، وفق معتقد التقمّص، لا يمكن للروح أن تسكن جسدين». أوريجنّس يقظ جدًّا في ما يتعلّق بهذه المسألة، إذ يدحض بالكامل هذا التصوّر الخاطئ لدى أنصار التقمّص.

تتكلّم حكمة ابن سيراخ في السياق ذاته على إيليّا: «وخُطفت في عاصفةٍ من النار، في مركبة خيلٍ ناريّةٍ. وقد اكتتبك الربّ لأقضيةٍ تجرى في أوقاتها، ولتسكين الغضب قبل حدّته، وردّ قلب الأب إلى الابن» (48: 9- 10). نلحظ فورًا أنّ ابن سيراخ يفسّر ما ورد في سفر ملاخي ويقول إنّ إيليّا هو الذي قالت عنه النبوءة إنّه يؤنّب العالم في الوقت المناسب. وسيحين ذلك الوقت خلال الأيّام الأخيرة من المجيء الثاني للمسيح. ويتابع قائلًا «طوبى لمن عاينك، ولمن حاز فخر مصافاتك. إنّا نحيا هذه الحياة» (سيراخ 48: 11). بكلامٍ آخر، إنّ الذين سيتحلّون بثوب الفضائل سيحيون بالتأكيد، لأنّ إيليّا سيأتي ليعطي التفسير الحقيقيّ. سيعطينا مقياس هويّة المسيّا الحقيقيّ، ويخبرنا أنّ المسيح الدجّال ليس المسيّا.

المسيّا الحقيقيّ هو يسوع المسيح، كما تعبّر عنه كنيستنا في طروباريّة القدّيس النبيّ إيليّا. منذ بضع سنوات، وبتأثير بعض الإيديولوجيّات، لم يعتبر البعض أنّ الترتيل البيزنطيّ مهمٌّ في الكنيسة. إلّا أنّ الموسيقى البيزنطيّة هي بلسم الكنيسة، ومصدر مهمّ جدًّا للحقائق العقائديّة، لأنّ الترانيم ألّفها أشخاص يتحلّون بنقاوة قلب. لقد اقتنوا الروح القدس، فجاءت ترانيمهم كعمل الروح القدس. هكذا، تنصّ طروباريّة النبيّ إيليّا على: «أيّها الملاك بالجسم، قاعدة الأنبياء وركنهم، السابق الثاني لحضور المسيح، إيلياس المجيد الموقّر...»، وتوضح هذه الطروباريّة أنّ إيليّا هو السابق الثاني.

ولكي ننفي نفيًا قاطعًا أن يكون هذا الشخص إيليّا آخر، يحدّد الكتاب المقدّس، لا سيّما سفر ملاخي، أنّه إيليّا التشبيّ. ويرد ذكر موطن النبيّ لإزالة أيّ شكّ في أنّ يكون إيليّا هذا غير النبيّ إيليّا التشبيّ، الذي عاش في القرن الثامن قبل المسيح، والذي سيعود في الأيّام الأخيرة، قبل فترة وجيزة من المجيء الثاني للمسيح.

 



آخر المواضيع

الثّالوث القدّوس واحدٌ في الجوهر وغيرُ منقسم
الفئة : لاهوت

القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش 2022-01-12

كيف نفهم «تألُّه البشريَّة بالمسيح»
الفئة : لاهوت

الأب ميخائيل بومازانسكي 2021-09-08

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا