صمت والدة الإله


 

عظة ألقاها المطران إيروثيوس فلاخوس ميتروبوليت نافباكتوس بمناسبة عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل في ليفاديا خلال القداس الإلهي بحضور صاحب الغبطة المطران إيرونيموس رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان في 21 تشرين الثاني 2010

 

ترجمة ماهر سلوم

 

جميع أعياد والدة الإله هي مَبْعَث لفرح الكنيسة بِكُلِّيَتها، نحن نُعَيِّدُها ببهجة بالأناشيد والتمجيدات، ونقيم القدّاس الإلهيّ والطِّلبات، بكلمات وصمت، بأفكار طاهرة وصلاة القلب. هذا لأن كلّية القداسة هي عطيّة الإنسانيّة لله كما أنها عطيّةٌ من الله للإنسانيّة والعالم أجمع. هي "إلهيّة بعد الله، في المرتبة الثانية بعد الثالوث القدوس” كما نرتّل في نشيد.

 

نبتهج اليوم خاصّة لأنه عيد دخول والدة الإله إلى قدس الأقداس، هذا العيد الذي يُظهِر تكريس الكلّية القداسة للهيكل، وتألُّهَها بالنعمة واستعدادَها لتجسُّد إبن الله وكلمتِه. لقد ثَبت أن قدس الأقداس هو مكان لِتَجَدُّد والدة الإله الروحيّ، هو موضع مبارك وفردوسيّ عاش فيه آدم وحوّاء بعد خَلْقهم. والأمر العجيب أن آدم وحوّاء غادرا هذا المكان المبارك بعد مَعصيتهم لمشيئة الله، المَعصية التي جَلَبَت الموت، غير أن الكلّية القداسة دخلت هذا المكان الفردوسيّ بِطاعتِها الحاملة الحياة وعاشت في قدس الأقداس كالإنسان الأول قبل مَعْصِيَتِه.

 

هذا اليوم البَهِج هو مبارك لنا جميعاً. لقد تباركت مدينة ليفاديا التي تحتفل بهذا العيد لوالدة الإله. نحن مسرورون أن يكون غبطة رئيس أساقفة أثينا واليونان إيرونيموس معنا اليوم. أتشرّف أنني دائماً مُوكَلٌ من أخي جورج مطران طيبة وليفاديا بإلقاء العظة، إنني أشكره من كل قلبي.

 

تدخل الكلّية القداسة إذن قدس الأقداس وتبقى هناك في صمت وصلاة لإثني عشر سنة كاملة وتَبلُغ التألُّه، وهذا ما جَذَب حب الله كي يتجسّد. لقد انتظر كلمة الله في العهد القديم قُروناً طويلة كي يجد الشخص المناسب لتكون والدته وكي يدخل الإنسانيّة بواسطتها. فالله العديم المسكن قد بنى مسكناً من خلال هذه المرأة المباركة، الدائمة البتوليّة مريم.

 

إن الكلّية القداسة، بحسب القديس نيقولاوس كاباسيلاس، قد حازت في قدس الأقداس جَمالاً روحيًّا من خلال جهادات حياتها، لكن بالأخصّ بواسطة نعمة الله، وبهذا جَذَبَت العشق الإلهيّ للإنسانية. إن صورة هذا الحب العاشِق الأرضيّ تدلّ هنا على جمال الكلّية القداسة وعلى عشق الله للإنسانية. إن الجمال والعشق يعودان لقوّة حياتها الداخليّة لا لقوّة الكلمات والحركات الخارجيّة. فالله ذكَّر مُستَمِعيه بكلمات النبي إشعيا: “هَذَا ٱلشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا” (إشعيا 7:6 – مرقس 6:7)

 

إن أعماق القلب وما يحصل فيه هو ما يكوّن الجمال ويجذب عشق الله. إن أعظم الحب هو داخليّ وسِرِّي. لذا، كما يذكر القديس نيقولاوس كاباسيلاس في موضع آخر، عاشت الكلّية القداسة "حياةً لا عيب فيها، كلّية الطهارة، رَفَضَتْ جميع الشرور، وعملت بجميع الفضائل، تَنَعَّمَتْ بِنَفسٍ أطهر من النور، بِجَسَدٍ روحانيّ بكلّيته… وبِذِهْنٍ (nous) ذات أجنحة حَلَّقَ في الأعالي… وبنفس تتشوّق للعشق الإلهي.” جميع هذه الحالات الروحيّة قد جَذَبَت الخالق نحو الأرض وحَرَّكَت يَدَيْه لإعادة خلق الإنسان. لأجل ذلك تجدّد الجنس البشريّ. لكن جمال الكلّية القداسة الداخلي لم يجذب عشق الله فحسب، فالله "اشتهى بشوق جمال” الكلّية القداسة و"أقام في بطنها” بحسب ناظم التسابيح. بحسب القديس غريغوريوس بالاماس: "اشتاق الله لِسِرّ جمال بتوليّتها الأزليّة… وطأطأ السموات مُتنازِلاً.” وهي أظهرت جمال الطبيعة البشريّة. لذلك يقول القديس نيقولاوس كاباسيلاس أن جمالها وكلّيتَها قد أوضحا أيضاً جمال الطبيعة البشريّة. من هذا المنطلق يرتّل القديس يوحنا الدمشقيّ لكلّية القداسة: “يا إبنةً مستحِقّةً لله، يا جمال الطبيعة البشريّة.”

 

الكلّية القداسة هي أعظم هديّة قَدّمَتْها البشريّة للمسيح. وحصل هذا بِصَمْتِها الأقصى، لا بالتبشير والوعظ والأعمال. إنه لأمر مهم أن والدة الإله لم تَقُم بأي عمل بِشاريّ في الكنيسة، لكنها قَدَّمت ذاتها لله وصارت والدة الإله، فكان هذا العمل الأعظم في التاريخ.

 

كل مَن يَحذو حَذو الكلّية القداسة يتزيّن ويتحلّى بنعمة الله في داخل ذاته، ويجذب عشق الله، ويصبح جمال البشريّة. لقد أمْضَتْ كلّية القداسة حياتَها في صمت عميق. النشيد التي هَتَفَت به بعد اعتراف أليصابات التي قالت أنها "أم الرب” - التعظيمات المعروفة - “تعظّم نفسي الرب...”، وما قالت للمسيح بعد العثور عليه في الهيكل وكان يبلغ من العمر اثني عشر سنة: “لقد كان أبوك وأنا قَلِقَيْن عليك ونحن نبحث عنك”، وتضرّعها للمسيح في عرس قانا: “ليس لديهم أي خمر”، هي الكلمات الوحيدة التي احتفظت بها كلّية القداسة. عاشت في الهيكل بِصَمْت، رَبّت المسيح بِصَمْت، و"كانت تحفظ كلماتَه في قلبها” (لوقا 51:2). عاشت في الخَفاء خلال نشاطات المسيح، وحَضَرَت في الجلجلة بِصَمت، وعاشت بِصَمت أيضاً بعد عنصرة الكنيسة. لكنها كانت مَنْفَعةً للعالم أجمع وزينةً للإنسانيّة.

 

لقد عَمِلَت كما تعمل الغُدَد في جسم الإنسان التي تُساهِم في استقراره وصحّته. لا يشعر الإنسان بوجود الغُدَد ولا يشكو بأي ألم بسببها، لكن عندما تعمل بانتظام فهي تَصون صحّة الجسد. لكن عندما لا تعمل بانتظام فهي تُسَبِّب العيوب في جسد الإنسان. إن كلّية القداسة وسائر قدّيسي الكنيسة هم الغُدَد الروحيّة في جسد الكنيسة ويساهِمون في استقرار وصحّة عَمَلِها. تُظهِر كل هذه الأمور أن العَمل البِشاريّ، الضروريّ في الكنيسة، ليس نشاطاً فحسب (vita activa)، هو ليس مجموعة من النشاطات الخارجيّة بدون مضمون. الكلمات ليست حديثاً عابِراً عندما تأتي من خِطابات رَنّانة وعندما تُنطَقُ بِحَيَوِيّة. كما أن الصمت ليس فراغاً لأنه يكون أقوى من الكلمات أحياناً. هناك أعمال تتفوّق على الكلمات. حين يزداد الإنسان كمالاً وقداسةً، يَكون سَنَداً أعظم لكل الكنيسة، كما يقول بولس الرسول: “فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ ٱلْأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ ٱلْأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ” (1 كور 26:12). لقد تمجَّدَت كلّية القداسة، أي أنها تألّهَت، فأبهَجَت كافة البشريّة.

 

لأجل ذلك عاشت كلّية القداسة في قدس الأقداس في هدوء تام، ثم أعطت جسداً للمسيح الكلمة وأصبحت أُمّه. فيمكننا القول أن كلمة الله، الصوت الصارخ لله الآب، قد اتّخذ جسداً من الصَّمت المُعطي الحياة في قدس الأقداس. هذا الصمت الحكيم وَلَدَ كلمةً واهِبةً للحياة، والكلمة المُفيدة والمُحيية هي تعبير عن الصمت. ندرك هذا من الخبرة البشريّة، فكل أمر نقوم به بنجاح يحتاج إلى التخطيط والبَرمَجة الذي يتمّ في جو من الصمت والهدوء. كما أن تَعاطي المسيح مع البشريّة هو تعبير بالكلمات وخبرة ناجِمة عن الصمت والهدوء.

 

لدينا العديد من الأمثلة في التقليد عن هذا الأمر. يوم العنصرة، تكلّم الرسول بطرس، الذي اختبر سر الصليب وقيامة المسيح، مع الشعب من خلال عظة واحدة وأهدى ثلاث آلاف شخص إلى المسيحيّة. لا أعلم إن كان الآلاف يخلُصون اليوم من خلال أي عِظات وخِطابات رَنّانة وعميقة المضمون.

 

إن صمت الكلّية القداسة يُعلِّمنا جِهاراً، لأنه نتيجة كمال في الحياة. لقد كتب "إريش فرومّ”، وهو عالم نفس واجتماع مشهور، كتاباً عنوانه "أن تملك أو أن تكون” (to have or to be)، ويطبّقه على جميع الأمور في الحياة اليوميّة. هناك احتمالان: الأول هو أن نرتكز على أشياء تحيط بنا كالمال والناس ومجد العالم والسُّلطة، والثاني هو أن نرتكز على ما نحن، في كمال حياتِنا في المسيح. في الحالة الأولى - “أن تملك” - يخيب أمل الإنسان سريعاً، أمّا في الحالة الثانية - “أن تكون” - فنحن نشعر أن أنْجَزنا شيئاً ما، لا نخاف من أحد ونحن أحرار.

 

أنتَ، يا صاحب الغِبطة، تسعى من خلال سلطتك الروحيّة "أن تكون” لا "أن تملك”. لستَ مُنهَمِكاً بما تملك في حياتِك، بل بما تكون. أنتَ لا تتّكل على أحاديث تافهة  بل على شركة جوهريّة. لا تهمّك الخطابات الرَّنّانة بل جوهر الأشياء. إنني أعلم أنك لستَ صامِتاً لكنّك لا تتكلّم كالآخرين. كلماتُك لا تُفَرِّق ولا تستَقطِب لكنّها تَجمَع. لهذا السبب تُثير الجَدَل عند بعض الذين لا يفهمون قوّة الضّعف، لا يفهمون صياغة الخِطاب الكنسيّ ولا حياة الصمت عندما تقتضي الظروف. فهي مسألة حياة وتحقيق داخلي أن يفهم الإنسان ماهيّة الصمت المُثمِر والكلمات التي تُوَحِّد المؤمنين.

 

عندما ترتكز الحياة على النشاطات والخطابات الرَّنّانة والإنتهازيّة وتحريف المسيحيّة، لا يمكن فهم قوّة صمت الكلّية القداسة وجَمال تَوَحُّدِها لمدّة اثني عشر سنة بنعمة الله في قدس الأقداس. لا يمكن فهم الجَمال الداخلي الذي اجتذب العشق الإلهي، لا يمكن فَهم حضورها الصامت في الكنيسة، ولا يمكن فهم قوّة الصليب وكيف يموت الإنسان مَخذولاً ومَتروكاً، كما نرى في سِيَر الرسل والشهداء. ولا يمكن اختبار سر قوّة القيامة وبالتأكيد لا يمكن عيش ملكوت الله الذي "لَا يَأْتِي بِمُرَاقَبَةٍ” (لوقا 20:17). كل من لا يفهم لاهوت الصمت لا يمكنه فهم لاهوت الكلمات، لا يمكنه إدراك لاهوت النُسّاك وقوّة الهدوئيّة.

 

لأجل ذلك، فلنُصَلِّ يا صاحب الغبطة أن نتعلّم هذا السر الصارخ في صمت والدة الإله خلال وجودها في قدس الأقداس مدة اثني عشر سنة، حيث قوة الحياة الخالِدة، وأن نتعلّم صمت القلب والصلاة الذي هو "لغة الدهر الآتي” بحسب القديس إسحق السوري، فَعِندَها، سوف يكون لكلماتنا قوة عجائبيّة، آمين.

 

https://www.johnsanidopoulos.com/2015/11/the-silence-of-panagia.html?m=1



آخر المواضيع

نحن نَمرض لأنّنا لا نُصلّي قَبل أن نأكل
الفئة : مواضيع متفرقة

القدّيس سيرافيم من فيريتسا 7/2/2019

الحياة الروحيّة هي شيء مُعطى لنا من الآخر
الفئة : مواضيع متفرقة

الأرشمندريت ايميليانوس 6/25/2019

الأرثوذكسيَّة بين التطرُّف والتمسُّك
الفئة : مواضيع متفرقة

نديم سلّوم 6/7/2019

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

.لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانية.القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّةّ
 

للإتصال بنا