شفاء المُخَلَّع وعُزْلَة الإنسان المعاصر


الأب جورج كالشو

ترجمة ماهر سلّوم

"وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ ٱلضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِٱلْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ. فِي هَذِهِ كَانَ مُضْطَجِعًا جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ، يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ ٱلْمَاءِ. لِأَنَّ مَلَاكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي ٱلْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ ٱلْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلًا بَعْدَ تَحْرِيكِ ٱلْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ ٱعْتَرَاهُ.” (يوحنا 2:5-4)

ما هو أكثرُ مأساوِيّةً في هذا النص الإنجيليّ هو عُزْلَة الإنسان المريض. هل سَمِعْتُم النص؟ "يَا سَيِّدُ، لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي ٱلْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ ٱلْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يوحنّا 7:5). الوضعُ الأكثرَ مأساويّةً عند شخصٍ ما هو أن يكون مَعْزولاً، في حالة تَوَحُّدٍ كامل.

يقول القدّيس كبريانوس القرطاجي: “يقع كل إنسانٍ في تَوَحُّدٍ، لكننا مُخَلَّصون في جماعة الكنيسة”. أن يكون الإنسان وحدَه يعني السقوط، الفَناء. أن تكون وحدَك يعني أنك لا تفكّر بأيّ إنسانٍ سوى ذاتك، لأنكَ غارقٌ في لُجَّة العذابات التي تكاد أن تَخْنُقَك. أنتَ مُكْتَئِبٌ في خَيْبَةِ الحياة. لأن حياة العُزْلَةِ هي باطلة وضائعة في حال غياب الله من حياتِكَ. لقد فَقَدَتْ حياتُك مِعْناها في ذلك الوقت بالذات عندما أصبحتَ مَعْزولاً.

لم يكن لذلك الإنسان المريض أي أحد من أفراد عائلته ولا حتى أي صديق يُنْزِلُه في الماء عند تَحْريكِها، من أجل شِفائه. كم من مرّة نجد أنفُسَنا في حال كهذه! كم من مرّة نكون مرضى مَتروكين، ليس عندنا أي شخصٍ يساعدُنا للشفاء ويخلّصُنا من عذابنا! أو ربما لا نجد في تَوَحُّدِنا وعذابِنا أي إنسان نتواصل معه، أو كما يقول المَثَل الألمانيّ: "عندما يُشارَك الألم تَخِفُّ وَطْأتُه، لكن في غياب أي شريك يتضاعَفُ شَرُّه".

هذه كانت حال ذلك الرجل. لكن المسيح الجزيل الرحمة سأله: "هل تريد أن تَبْرأ؟"

سوف يتبيّن هذا لاحقاً، عندما يُلاقيه المخلّص في الكنيسة ويقول له: "هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ، فَلَا تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يوحنا 14:5).

ما يُفاجئنا أيضاً أنّه في اللحظة التي شفى فيها المسيح الرجل المُخَلَّع منذ ثمانٍ وثلاثين سنة، يَغضبُ الكتبةُ والفرّيسيّون، بدل أن يفرحوا أن إنساناً قد استعاد صِحَّتَه، قائلين: "إِنَّهُ سَبْتٌ! لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ سَرِيرَكَ" (يوحنا 10:5).

لم يقولوا: "حَسَنٌ أنّك شُفيتَ، إمضِ واشكر الله!" كلّا، ما يَعنيهِم هو شكليّات الناموس الذي يمنع العمل يوم السبت. لقد ضَحَّوا بإنسانٍ من أجل الإلتزام بذلك التشريع.

فسألوه: "مَن شَفاك؟"

في البدء لم يعرف الإنسان الذي شُفِيَ كيف يُجيبُهم. لكن عندما التقى بيسوع في الكنيسة، ذهب عند اليهود وقال لهم: “يسوع هو الذي شَفاني!”

لم يكن هذا استنكاراً كي يُحَرِّض اليهود على يسوع. كان هذا شَوْقاً أن يُعلن للجميع: “هذا الإنسان ساعَدَني! لقد شَفاني! كان بِجانبي في مِحنَتي!” يجب أن نقول هذا عندما يساعدنا أحدٌ ما. علينا أن نَشهَد للمعجزة. ليس من أجل الإفتخار، بل لأننا نَجَوْنا من العُزْلَة، من المرض والعذاب! عليّ أن أقول مَن ساعَدَني، مَن هَداني إلى الإيمان، مَن خَلَّصَني من خطايا وحَمأة قلبي – إن كان كاهناً أو مؤمناً أو صديقاً… عَلَيّ أن أقول: “لقد خَلَّصّني”. هذا ما قام به هذا المُخَلَّع.

أيّها المؤمنون الأحبّاء! إن المجتمع الحديث يَعزُلنا أكثر فأكثر. تحاول الحكومات – ليس فقط الشيوعيّة، بل جميع الحكومات – أن  تَعزُلنا أكثر فأكثر، كي تَزيد في تَوَحُّدِنا، حتى نصير أقلّ ارتباطاً ببعضِنا البعض، كيلا نتشارك مع بعضِنا البعض، لأن كافّة الحكومات تحاول أن تصبح توتاليتاريّة كي تتحكّم بنا. يَصْعُب التحكُّم بالجماعات المُتَراصّة مقارنةً مع أفراد معزولين، لذلك تحاول الحكومات عَزْلنا.

لقد قام الشيوعيّون بذلك من خلال استعمال القوّة. لا يستعمل الغرب القوّةَ، يقولون ببساطة أنكَ فريدٌ، يقولون أنك تملك حقوقاً، وأنك مُستَقِلٌّ. وهكذا تصبح مَعزولاً، غير مُتَمَسِّكٍ بأهلك، لا تُطيعُهُم إذا كنتَ ولداً، كيلا تكون خاضعاً لأحد – أنتَ إنسان حرّ في جميع الأحوال.

إن سوء فهم الحرية هو ثورة ضدّ الله، هو العَدَمِيّة (nihilism). هكذا وصلنا إلى ما نحن عليه، إلى كافّة هذه الجرائم التي تجتاح العالم. هناك العديد من المدن قَتَل فيها أولادٌ بعمر الرابعة عشر مُعَلِّميهم، أصدقاءهم وأهلَهم. لقد انحلّ الرباط البشريّ بالناس القَريبين مِنّا، الذين نعيش معهم. فُقِدَت العلاقاتُ النابعةُ من صميم القلب بيني وبين أخي وأهلي، بين الآباء والأولاد، بين الأصدقاء. إننا نصبح مُنْعَزِلين أكثر فأكثر في هذه الفَرديّة المُفْرِطة، التي تَؤَسِّس شَيْطَنَة المجتمع.

فلنُحاوِل أن نكون مُوَحَّدين. فلنُحاوِل أن أن نبقى في وِحدة الإيمان وفي محبة بعضِنا البعض، مع يسوع المسيح. فلنَثْبُت في وِحدةٍ في الكنيسة، لأنّ الكنيسة هي الإرتباط الإجتماعيّ الإيجابيّ الوحيد. جميع الإرتباطات الأُخرى تودي بنا إلى دمار ذاتنا. جميعها تهدف لتدمير الكائن البشريّ، لتحويلِه إلى آلةٍ، إلى أداةٍ عاديّة في نظام هذا المجتمع البشريّ المُتَشابِك.

 

المرجع:

http://orthochristian.com/103292.html

 



آخر المواضيع

نحن نَمرض لأنّنا لا نُصلّي قَبل أن نأكل
الفئة : مواضيع متفرقة

القدّيس سيرافيم من فيريتسا 7/2/2019

الحياة الروحيّة هي شيء مُعطى لنا من الآخر
الفئة : مواضيع متفرقة

الأرشمندريت ايميليانوس 6/25/2019

الأرثوذكسيَّة بين التطرُّف والتمسُّك
الفئة : مواضيع متفرقة

نديم سلّوم 6/7/2019

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

.لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانية.القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّةّ
 

للإتصال بنا