
الأرثوذُكسيَّةُ والحياةُ النُّسكِيَّةُ
الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
نُشرت في الكرمة، العدد 44، 1 تشرين الثاني 2026
تميَّزتِ الأرثوذُكسيَّةُ عبرَ العُصورِ بإيمانِها المُستقيمِ، الإيمانِ الَّذي لم يتغيَّرْ مَعَ تغيُّرِ الأزمِنةِ، على الرَّغمِ مِن كلِّ الاِضطِهاداتِ والهَرطقاتِ الَّتي لا تُحصى، الَّتي عبرَتْ بها الكنيسةُ في التّاريخِ. هذا الإيمانُ بَقِيَ حيًّا ومُقدَّسًا لأنَّ الكنيسةَ عاشَتْهُ في تقليدٍ نُسكِيٍّ، في جهاداتٍ روحيَّةٍ عنيفةٍ ضِدَّ كِبرياءِ الأبالسةِ وكِبرياءِ البَشَرِ. لقد شكّلَتْ هذه الجهاداتُ الأرثوذُكسيَّةُ النُّسكيَّةُ وَقودًا للإيمانِ: مِن دونِ جهاداتٍ روحيَّةٍ، يموتُ الإيمانُ الحَيُّ لأنَّهُ يتحوَّلُ بِسُهولةٍ كبيرةٍ إلى إيمانٍ نظرِيٍّ عقلانيٍّ. تحدُّ مسيرةَ هذا الإيمانِ العَقلانِيِّ نحوَ اللهِ القناعاتُ المَنطقيَّةُ الَّتي يتحكَّمُ بها عقلُ الإنسانِ ومنطِقُهُ المَحدودُ، فلا يَعكُسُ ما كشَفَهُ اللهُ عَن ذاتِهِ. إنَّ عَصْرَنا يتحوَّلُ بقوَّةٍ نحوَ عَقْلنةِ الإيمانِ ويُحاربُ النُّسكَ لأنَّ النُّسكَ يُبكِّتُ اسْتِسلامَهُ للشَّهَواتِ. عصرُنا يُعلِّمُ بِوَقاحةٍ أنَّ الأهواءَ والشَّهَواتِ طبيعيَّةٌ في الإنسانِ، ويُعلِّمُ بِوَقاحةٍ أنَّهُ لأجلِ سلامةِ الإنسانِ النَّفسيَّةِ، عليهِ أنْ يتعلَّمَ كيفَ يُرضي هذهِ الأهواءَ والشَّهَواتِ.
دعانا المسيحُ لِنَكونَ أصِحّاءَ روحانيّينَ، لكنَّ عصرَنا الحاضرَ حوّلَ النّاسَ إلى مَرضى نفسانيّينَ. فهذه الحرِّيَّةُ المريضةُ الَّتي يُروِّجونَ لها تدفعُ أعدادًا هائلةً مِنَ البشرِ للاِسْتِسْلامِ لكلِّ أنواعِ الشَّهواتِ والأهواءِ. لقد جعلوا مِن هذهِ الأهواءِ سِلعَةً لاسْتِعبادِ الإنسانِ، مُصوِّرينَ لَهُ أنّها غايةُ وجودِهِ، وأنّها ستُؤَمِّنُ لَهُ اللَّذَّةَ الكافيةَ لِسَعادتِهِ. هذهِ اللّذَّةُ الوقتيَّةُ لا تدومُ أبدًا، بل يَعقُبُها فراغٌ كبيرٌ يصلُ إلى حدِّ اليَأسِ. والمَهْووسونَ بِشَهَواتِهم يعبُرونَ مِن فراغٍ إلى فراغٍ، إلى أن يصِلوا في النِّهايةِ إلى أزَماتٍ نفسيَّةٍ مَرَضيَّةٍ كبيرةٍ. هذا هو الموتُ الرّوحيُّ الحقيقيُّ. كلُّ هذهِ الأمراضِ النفسيَّةِ المُتَفشِّيةِ بِكَثرةٍ في المُجتمعِ المُعاصرِ لها علاقةٌ مُباشرةٌ بِالأهواءِ البَشَريَّةِ. لهذا، الجهاداتُ الرّوحيَّةُ هي أدويةٌ حقيقيَّةٌ لأمراضِ الإنسانِ النَّفسِيَّةِ؛ النُّسكُ يَشفي هذهِ الأهواءَ، متى تَمَّ بِحَسبِ آباءِ الأُرثوذُكسِيَّةِ القِدّيسِينَ، وعندما تَبْطُلُ الأهواءُ تَبْطُلُ كلُّ العوارضِ المَرَضِيَّةِ الَّتي تنتجُ عَنها.
هذه الرّوحُ العالميَّةُ المُتَفشِّيَّةُ، المُسَبِّبَةُ أمراضًا نفسيَّةً في المُجتمعِ، تَسعى بِقُوّةٍ لإغراقِ الكنيسةِ بِروحٍ مادِّيَّةٍ إلحاديَّةٍ، ولِقتلِ كُلِّ حِسٍّ روحيٍّ في الإنسانِ. إنّها تَسعى لِعَصْرنةِ حياةِ الكنيسةِ ومقدَّساتِها، أي لأن تتماشى الكنيسةُ وتخضعَ للتَّغيُّراتِ الَّتي يَبْتدعُها العالمُ في كلِّ عَصْرٍ. شَيْئانِ يَسعى روحُ العَصرِ لِيُحطِّمَ مِن خِلالِهِما الكنيسةَ: إيمانُها المُستقيمُ وحياتُها النُّسكِيَّةُ. الكنيسةُ الثّابِتَةُ على مَرِّ التّاريخِ في مبادِئِ إيمانِها بدأَتْ تتخلّى عَن هذا الإيمانِ وتغرقُ في روحِ الفتورِ والاِرْتِدادِ. فالكنيسةُ الَّتي لا تُحاربُ العالمَ بأسلحةِ إيمانِها المُستقيمِ سيَبْتَلعُها العالمُ. الكنيسةُ الحقيقيّةُ لا تُحاربُ العالمَ بأسلِحَةِ العالمِ، بل بإيمانِها القائمِ على الأمانةِ المُطلقةِ لتَقليدِ آبائِها القدّيسِينَ. العالمُ المُعاصِرُ لا يؤمِنُ بالمُقدَّساتِ وبِعَملِ النِّعمةِ. إنَّهُ روحٌ لا يكتفي بالتَّكَلُّمِ عن الإلحادِ بل يزرعُهُ في ذِهنِ الإنسانِ المُعاصِرِ، البعيدِ عَن فِكرِ آبائِهِ القدّيسِينَ.
أمّا الحياةُ النُّسكيَّةُ، فهي تُشيرُ أوّلًا إلى تلكَ الحياةِ العَمَليَّةِ في الحربِ ضِدَّ الخطيئةِ والجهادِ لاقتناءِ الفضيلةِ. فالنُّسكُ الأُرثوذُكسِيُّ هو هذا السَّعيُّ المُتواصِلُ الَّذي لا يملُّ، في مُمارسةِ اليَقَظةِ والصَّلاةِ النَّقِيَّةِ، في الصَّومِ والسَّهَرِ الرّوحِيِّ والجَسَدِيِّ، وفي الزُّهدِ بِخَيراتِ هذا العالمِ وأمجادِهِ. ويكتملُ هذا النُّسكُ في حَملِ صليبِ الطّاعةِ، طاعةِ إيمانِ الكنيسةِ وكلِّ قوانينِها، لأنَّ الَّذي يُطيعُ بأمانَةٍ سيدخلُ في حربٍ شَرِسةٍ ضِدَّ إبليسَ وأتباعِهِ مِنَ البَشَرِ. النُّسكُ كان دائمًا العمودَ الفَقْرِيَّ للرّوحانِيَّةِ الأُرثوذُكسِيَّةِ، والحارسَ الأمينَ للتَّقليدِ الأُرثوذُكسِيِّ. النُّسكُ ليسَ غايةً في ذاتِهِ، ولا شيءَ مِن كلِّ الجهاداتِ الرّوحيَّةِ هو هدفٌ في ذاتِهِ، إنّما وسيلةٌ لِبُلوغِ ما هو أسمى مِن كلِّ ما هو أرضِيٌّ وموجودٌ في هذا العالمِ.
كيف يعلمُ الإنسانُ أنَّهُ مِن روحِ العَصرِ، الرّوحِ الَّتى تُنتِجُ كلَّ أنواعِ الشُّرورِ الرّوحيَّةِ؟ أتباعُ روحِ العَصرِ لا تعنيهِم وَحدةُ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ ولا طرقُهُ النُّسكِيَّةُ؛ ومِنَ البَديهِيِّ لهؤلاءِ ألّا تعنيهِم حياةُ الكنيسةِ اللّيتورجِيَّةُ وأصوامُها، لأنَّ الطُّقوسَ مُمِلَّةٌ لهم، فيُسرعونَ لاختصارِ ما استطاعوا مِنها. على صعيدِ اللّاهوتِ والعقائدِ، يعتبرونَها نَظَريّاتٍ مُنَزَّهَةً عَنِ التَّطبيقِ. لهذا يرفضونَ تحكيمَ الدِّقَّةَ في الأمورِ العقائديَّةِ، ولديهم دائمًا تبريرٌ للمُساومةِ على الحقيقةِ وانتِهاكِ القوانينِ المُقدَّسَةِ. العقائدُ والقوانينُ الكنسيَّةُ ليسَتْ بالنِّسبةِ لهُم سِوى قُيودٍ لمفاهيمِهِمِ الخاصَّةِ النّابعةِ مِن شَهَواتِ حُبِّ السُّلطةِ والمجدِ الباطلِ. يروِّجونَ للشُّذوذِ الجِنْسِيِّ ولِكَهنوتِ المرأةِ، وهذا ليسَ سوى استعادةٍ لكُلِّ المفاهيمِ الوثنيّةِ القديمةِ الَّتي كان يسودُ فيها بكثرةٍ هذا الشُّذوذُ ودعارةُ كاهناتِ الهياكلِ الوثنيَّةِ.
أولئكَ الَّذينَ لا تعنيهِمِ الحياةُ النُّسكِيَّةُ بشيءٍ يُهلِّلونَ لِكلِّ ما يبتدعُهُ روحُ العَصرِ ويُسرعونَ بِتَبنيّهِ والتَّرويجِ لَهُ. هؤلاءِ ينسونَ تِلقائيًّا كلَّ عناصرِ الإيمانِ والتَّقليدِ الهُدوئِيِّ للأُرثوذُكسِيَّةِ؛ ينمونَ في تصلُّفِ أفكارِهِم ويَصِلون حتمًا إلى ازدِراءِ كلِّ التَّقليدِ الكَنَسِيِّ. لأنَّ أفكارَ العَصرِ، الَّتي هدفُها أنْ تُنمِّيَ تَمسُّكَ الفَردِ بأفكارِهِ الخاصَّةِ، هي الَّتي ستصيرُ مرجَعًا لِحَياتِهِ.
كلُّ جوقِ الأنبياءِ والرُّسُلِ والشُّهداءِ وكلُّ الآباءِ القدّيسِينَ المُدافعينَ عَنِ الإيمانِ أتَوا مِن هذهِ الخِبراتِ النُّسكيَّةِ. لم يأتوا مِنَ المَعرفةِ النَّظريَّةِ ولا النَّظريّاتِ العِلمِيَّةِ، بل مِن خلالِ جهاداتِهِمِ الرّوحيَّةِ دخلوا في سرِّ الحقيقةِ وسرِّ الإيمانِ، فعبّروا عَن محبَّتِهم للمسيحِ بِحِفظِ نقاوةِ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ. مُستحيلٌ حِفظُ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ والثَّباتُ فيه مِن دونِ نُسكٍ وشهادةٍ يوميَّةٍ للموتِ عَن أفكارِنا وعن مشيئتِنا الذاتيَّةِ. إنّ روحَ العصرِ تتقوّى في الكنيسةِ مِن خلالِ هذه التَّياراتِ المَسكونِيّةِ؛ وهي تقتلُ روحَ الشَّهادةِ في النُّفوسِ الأُرثوذُكسِيَّةِ الأمينةِ، لأنّها تُغرّقُها في روحِ المُساومةِ واللّامُبالاةِ والاِرتدادِ عَن إيمانِ الآباءِ. لن يكونَ هناكَ شهداءُ بعدَ اليومِ للكنيسةِ الَّتي لم تُحاربِ الَّذينَ يُحاربونَ إيمانَها، ولم تُعلِّمْ شعبَها أنْ يمقتَ العقائدَ الكاذبةَ وأنْ يكونَ أمينًا لإيمانِهِ الأُرثوذُكسِيِّ. الويلُ لِكَنيسةٍ قتلَتْ شُهداءَها باسْتِسْلامِها للرّوحِ المسكونيَّةِ المُعاصِرةِ، وساهمَتْ في تفتيتِ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ في نفوسِ أولئِكَ المُزمِعينَ أنْ يَصيروا شُهداءَ. أينَ هي الكنيسةُ الَّتي تُبشِّرُ بِمَحبَّةِ الحقيقةِ وإيمانِ الآباءِ، القائمةُ على جهاداتِ تطهيرِ الذّاتِ، لا على الرِّعايةِ المُجرَّدةِ والأعمالِ الاِجتماعيَّةِ. فَمِن دونِ الإيمانِ المُستقيمِ الّذي يوجِّهُ حياتَنا نَحوَ المَسيحِ، ومِن دونِ الحياةِ النُّسكيَّةِ، تبقى هذه الرِّعايةُ خِدمةً اجتماعيَّةً تُغذّي النَّفسَ بِكُلِّ أنواعِ الأهواءِ، وتجعلُ مِنها نفسًا مادِّيَّةً، نفسًا تَدّعي المَحبَّةَ وهي تُفتِّشُ عَنِ الكراماتِ وعن مجدِها الباطلِ.
ارتبطَ النُّسكُ دائمًا بِمحبَّةِ اللهِ، فهو يُحرِّكُ فينا الشَّوقَ إلى معرفةِ اللهِ والجهادِ بِرَغبةٍ للنُّموِّ في محبَّتِهِ. الحياةُ النُّسكيَّةُ تُعطي قوّةً للشُّهداءِ والمُعترفينَ ليَشهدوا حتّى الموتِ لِمَسيحِهِم. فالّذي يُحبُّ اللهَ يسعى بكاملِ كيانِهِ ليُقدِّمَ لَهُ كلَّ ما يستطيعُ، حتّى ذاتَهُ، ويُجاهدُ ضِدَّ كلِّ الأهواءِ الَّتي تمنعُ نموَّهُ في هذهِ المحبَّةِ. آباؤُنا القدّيسونَ اخترعوا أصنافًا قاسيةً مِنَ النُّسكِ، وعاشوها بِتَوبةٍ عميقةٍ، مُعتبرينَ أنفسَهُم أكثرَ الخطأةِ. لا توجدُ محبَّةٌ مِن دونِ نُسكٍ، ولا نسكٌ مِن دونِ توبةٍ؛ التَّوبةُ تُجمِّعُ ذهنَنا المُبعثَرَ في الأمورِ الخارجيَّةِ وتُحوّلُ جهادَنا لتَطهيرِ إنسانِنا الدّاخليِّ وتوجيهِهِ نَحوَ محبَّةِ المَسيحِ. كلُّ محبَّةٍ للمَسيحِ مِن دونِ توبةٍ ونُسكٍ تتحوّلُ بِسُهولةٍ إلى محبّةٍ نفسانيَّةٍ، نابِعةٍ مِن مشاعرِ الإنسانِ البَشريَّةِ لا مِنَ النِّعمةِ السَّاكِنةِ فيهِ؛ وهذه تتحوّلُ تِلقائِيًّا إلى أمراضٍ روحيَّةٍ. النُّسكُ الأُرثوذُكسيُّ ليس عملًا سلبيًّا ولا يعني إماتةً، كما في المفهومِ الغَربيِّ، إنّما هو تمرينٌ أو تدريبٌ لِبلوغِ طريقةِ حياةٍ روحيَّةٍ تسودُ على الأهواءِ والخطيئةِ.
كلُّ جهاداتِنا، مهما كانَتْ عظيمةً، لا قيمةَ لها مِن دونِ الإيمانِ، أي الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ حَصْرًا. هذا الإيمانُ الحيُّ، المطعَّمُ بالنُّسكِ، يجتذبُ قوَّةَ نِعمةِ اللهِ، لإنَّهُ يكشفُ صِدقَ طاعةِ الإنسانِ للهِ ولكنيستِهِ. النِّعمةُ هي الَّتي تُعطي الإنسانَ القُوَّةَ لِمُمارسةِ نُسكٍ حقيقيٍّ ومُستقيمٍ بالرَّبِّ. بهذا الإيمانِ وعدَنا اللهُ بأنْ يكونَ لنا دالّةٌ لديهِ، فلا بُدَّ لِهذا الإيمانِ أنْ يُثمرَ في الَّذينَ إيمانُهُم قائِمٌ على طاعةِ ما تسلَّموهُ، ووصايا اللهِ كاملةٌ فيهِم.
كلُّ العطايا الإلهيَّةِ وبلوغُ محبّةِ اللهِ تأتي مِن هذهِ الأمانةِ للإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ وحياتِهِ النُّسكيَّةِ. نسكُ الجَسدِ ونسكُ النَّفسِ، تعبُ الجَسدِ وتواضُعُ النَّفسِ، الأصوامُ والأسهارُ ودموعُ التَّوبةِ يشفُونَ الذِّهنَ الضّالَّ ويُعطوهُ قوَّةً روحيَّةً لِمُقاومةِ الأفكارِ الأهوائيَّةِ وشياطينِها، الَّتي هي الأمراضُ الرّوحيَّةُ الحقيقيَّةُ للنَّفسِ. فلم تُخلَقْ هذه النَّفسُ لِتَعسُوَ وتُعتِمَ، بل ليَنعكسَ فيها بهاءُ صورةِ خالقِها فقط، ومجدُ ملكوتِهِ البهِيُّ غيرُ المَخلوقِ، في الَّذينَ يُجاهِدونَ لِتَحقيقِ مثالِهِ.