الرحمة الإلهية وسرّ العودة الى الوحدة الأولى

الرحمة الإلهية وسرّ العودة الى الوحدة الأولى
عظة للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
رئيس دير رقاد والدة الإله بكفتين
4 تشرين الأول 2026
(لو ٦: ٣١ - ٣٦).


باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
نرى في هذا المقطع الإنجيلي كيف يسعى ربنا إلى إعادة الطبيعة البشرية إلى وحدتها الأصيلة.
فالله، حين خلقنا في البدء، لم يخلقنا لنكون متجزئين؛ لم تكن طبيعتنا البشرية مقسمة أو مبعثرة أو ممزقة يكره فيها الإنسان غيره، ويحسده، ويدينه. بل خلقنا الله في الأساس لنكون في وحدة؛ كما أن الإله الثالوث (الآب والابن والروح القدس) هم ثالوث ولكنهم واحد في طبيعة واحدة كاملة. وهكذا خلقنا الله لنكون في وحدة طبيعية، حيث يكون كل إنسان متتحداً بأخيه الإنسان. هذه هي الطبيعة الكاملة والغير متجزئة التي أرادها الله لنا. لكن بالسقوط تشققت هذه الطبيعة وتجزأت، فأصبح كل إنسان يعيش في أنانيته، منفصلاً كلياً عن غيره، ولا يعنيه سوى ذاته.
وهنا يأتي الرب ليرد وحدة هذه الطبيعة. فإذا عرفنا جميعاً كيف نتحد بيسوع المسيح، ونعيش هذه الوحدة، ترجع طبيعتنا البشرية إلى أصلها الأول. يوجهنا المسيح هنا ليوحدنا ببعضنا البعض قائلاً: «كَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا» (لو ٦: ٣١).
علينا أن نحب بلا مقابل، وأن نقرض بلا ثمن، ودون أي حسابات مادية؛ بل نصنع الخير والإحسان دون ترجي شيء. وساعة يبلغ الإنسان القدرة على العمل بهذه الوصايا، فإنه يصل إلى هذه الرحمة التي توحد طبيعتنا، كقول الإنجيل في ختام المقطع: «فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ» (لو ٦: ٣٦).
إن وصايا الإنجيل ليست مجرد قواعد أخلاقية أو تحسين للتصرفات الظاهرية والخارجية؛ بل هي إعادة بناء للطبيعة البشرية من جوهرها، ليعيد الرب توحيدها. وهذا هو الهدف الذي نسعى إليه؛ ولهذا قال القديس بولس الرسول: «مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟» (٢كو٢٩:١١)؛ أي أن يرى الإنسان ذاته في كل إنسان آخر.
وطالما أننا نسمع عن تجارب الآخرين ومآسيهم دون أن نشعر معهم، أو نعيش آلامهم وكأنها مأساتنا نحن، فهذا يعني أننا ما زلنا متجزئين ومنفصلين، وأن طبيعتنا لا تزال تعيش حالة السقوط ولم ترتفع بعد لتتحد بالمسيح.
إن الدعوة الموجهة إلينا هي أن نصل إلى هذا الشعور بالآخر وبمأساة البشرية؛ فحينها فقط نكون قادرين على عيش مسيحيتنا الحقيقية، وعيش حالة القيامة التي جاء المسيح ليعطينا إياها.
لقد جاء الرب ليوحد طبيعتنا؛ والدليل على وحدتها في الأصل هو أنه بسقوط آدم سقطت البشرية جمعاء معه. ولهذا السبب أيضاً، حين تجسد المسيح، أخذ جسدنا هذا -الجسد المريض والضعيف- ووحّده بألوهيته. ومن خلال يسوع المسيح، صار بمقدور كل إنسان يأتي إلى هذا العالم أن ينال القيامة والحياة الأبدية باتحاده به.
وكما يقول الآباء: "كما حدث السقوط للبشرية بشخص واحد، كذلك بشخص ربنا يسوع المسيح استعادت البشرية وحدتها الأصلية"؛ وهي وحدة متاحة لكل من يؤمن ويعمل بكل ما يدعونا الرب إليه.
هذه وصية لكل من يريد أن يعيش مسيحيته الحقيقية. فنحن غالباً ما نفكر ببساطة قائلين: "أنا لا أفعل خطأ"، لكن الرب لم يتجسد ويُصلب ويمت فقط لنكف عن ارتكاب الأخطاء؛ بل جاء ليعيدنا إلى صورته ونحقق مثاله الإلهي: «فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ» (لو ٦: ٣٦).
وعندما نصل إلى هذه الرحمة، يشعر الإنسان بأخيه، الخروج من الأنانية التي نعيش فيها غافلين، ظانين أنها حق من حقوقنا. على الإنسان أن يخرج من ذاته، وينظر إلى الآخر، ويوحد نفسه معه؛ فهكذا نصل في النهاية إلى الاتحاد بيسوع المسيح.
حين تجسد المسيح، حمل خطايا البشرية جمعاء بجسده البشري الذي أخذه؛ حمل ضعفات وآلام وخطايا كل البشر وسمّرها على الصليب. وبصليب يسوع المسيح انمحت خطايا البشرية—ونكرر دائماً: انمحت للإنسان الذي يؤمن بالمسيح ويهب ذاته كلياً له عبر الإيمان الحي وعيش الوصايا.
هذا هو الهدف من مجيء المسيح ومن كل الوصايا التي نقرؤها. ينبغي ألا نفهمها كوصايا مادية أو تقديم مساعدات خارجية فقط، بل أن يهب الإنسان ذاته بالكامل. وأعظم مكان يستطيع فيه الإنسان تقديم ذاته كلياً للآخر هو الصلاة. فبالطبع، يجب على الإنسان تقديم ما يستطيعه مادياً لسد حاجات إخوته، ولكن العطاء الأكمل يكمن في الصلاة؛ حين يصلي للآخرين بوجع قلب، ودموع، وإحساس كامل بآلامهم. وطالما أن الإنسان لا يعرف كيف يصلي هذه الصلاة، ولا يسكب ذاته لأجل الآخرين فيها، فهو ما زال بعيداً عما جاء المسيح ليحققه فينا.
إن حياتنا المسيحية ليست مجرد نظرية؛ بل جاء المسيح ليعيدنا إلى المكان الأول والحياة الأصلية التي فقدناها بالسقوط. لذا، فإن وحدتنا مع المسيح تتجلى وتتحقق من خلال وحدتنا مع كل البشر. وإذا لم نجاهد لنتحد مع كل إنسان بالإيمان الواحد، والكأس الواحدة، والعمل الصالح الواحد، فلن نكون قد قدرنا بعد على الخروج من حالة السقوط التي نعيشها. أمين.