السفينة التي أبحرت في البحار السبعة

السفينة التي أبحرت في البحار السبعة

روبرت سكوت

 

حين انبثق الفجر أولاً فوق الغمر القديم،
وأيقظ النور الوليد زَبَدَ البحر النائم،
خرجت سفينة مقدّسة من حيث ترقد العواصف،
لتحمل أبناء التراب الفاني نحو موطنهم.
لم يصنع صانع بشريّ عارضتها السفلى،
ولم يأمرها ملك أرضيّ بأن تنهض؛
فالمسيح بنى ألواحها من قلبه المطعون،
ونصب صليبه ساريةً لها تحت السماوات.

نُسجت أشرعتها من الصلاة الأمينة،
وشدّت حبالها أيدي الشهداء،
وهبّت فيها نسمة العنصرة،
فدفعتها نحو بلاد لا تُحصى.
وكان ربّانها يحمل جراح الجلجثة،
غير أنّ الموت لم يعد يظلّل أمره؛
فقد مشى فوق البحر الهائج دون أن يمسّه أذى،
وأمسك الدفّة بيده المباركة.

والصيادون الذين تركوا شباكهم قديماً
صاروا بحّارةً في هذه السفينة المقدّسة؛
تضيء شهادتهم، وينجب صوتهم
لهيباً ثابتاً في قلب المحيطات المظلمة.
ومن ساحل إلى ساحل عبر النشيد الرسوليّ،
كجرس يرنّ فوق المدّ المضطرب،
فأبصرت النفوس التي تاهت بلا موطن زمناً طويلاً
الكنيسة، ووجدت في داخلها بيتاً.

أبحرت في البحر الأول، وكان أحمراً بالدماء،
حيث رفعت الإمبراطوريات الوثنيّة سيوفها بكبرياء؛
وواجه الشهداء الاضطهاد كما يواجهون طوفاناً،
لكنّ المسيح ظلّ ثابتاً إلى جانبهم.
كان للوحوش أن تزأر، وللطغاة أن يدينوا،
وكان للسجون أن تُغلق على القلّة الأمينة،
إلا أنّ السماء فتحت أبوابها واسعةً لهم،
ومن تضحياتهم ظلّت الكنيسة تنمو.

وأبحرت في البحر الثاني، بحر الأكاذيب الماكرة،
حيث ارتدى الباطل ثوب الحكمة؛
فهناك أظلم آريوس عيوناً بشرية كثيرة،
وتنكّر الكبرياء في هيئة القداسة.
غير أنّ الآباء القدّيسين اجتمعوا حول الدفّة،
يدافعون عن الذي لم يستطع الموت احتواءه؛
فلم تستطع عاصفة من المكر أن تقهر المملكة
التي يملك فيها المسيح، الإله الحق والإنسان الحق، إلى الأبد.

وأبحرت في البحر الثالث الممتلئ بضباب ذهبيّ،
حيث عرض الغنى قصوره وعرشه؛
ودعا العالم المسيحيين إلى الكفّ
عن حمل الصلبان المؤلمة وغير المعروفة.
فنام بعض البحّارة في كنف الرخاء،
ونسي بعضهم الملكوت الآتي؛
غير أنّ رهباناً نهضوا في بحر الصحراء،
وأعادت صلواتهم الصامتة النائمين إلى موطنهم.

وأبحرت في البحر الرابع تحت نجوم غريبة،
حيث تكلّمت الشعوب بألسنة غير مألوفة؛
وعبرت ممالك مزّقتها الحروب،
وسمعت أحزان الأرامل والصغار.
لم يقدر عرق واحد أن يدّعي ملكيّتها،
لأنّ المسيح اشترى الجميع بثمن واحد؛
فمن لبنان إلى اليونان زُرعت بذوره،
ومن مصر إلى الثلوج والجليد البعيدين.

وأبحرت في البحر الخامس حين عبست السماوات،
ووقف الأخ في غضب ضد أخيه؛
فتردّد رعد الانقسام من حولها،
بينما نسي كل واحد حزن الآخر.
وأصاب جانب السفينة جراح عميقة،
إذ مزّق الكبرياء البشريّ ما جمعته المحبّة؛
لكنّ المسيح، الذي صلّى لكي يثبت الجميع
واحداً فيه، ظلّ أساس شفائها.

وأبحرت في البحر السادس خلال عصر بلا إيمان،
حيث أعلن الناس أنّ السماوات القديمة خاوية؛
وسخر المتعلّمون من صفحة الإنجيل المقدّسة،
ووصفوا القدّيسين بأنّهم أوهام ولدت من الصلاة.
وقيل للشباب إنّ الحرّيّة لا تحتاج
إلى الله أو التوبة أو العبادة أو الوصيّة؛
لكنّ الكنيسة ظلّت تبحر نحو الابن،
وبوصلتها ثابتة في يد ربّانها.

وها هي تبحر في البحر السابع الذي نسكنه،
حيث تربك الرياح القلقة الليل والنهار؛
وترتفع ألف صوت، يريد كل واحد منها
أن يأمر القلب المتعب بطرح إيمانه بعيداً.
وتصعد أمواج الخوف من كل جانب،
ويضرب الغضب هيكل السفينة كمطر الشتاء؛
لكنّ المسيح ينتهر هياج المدّ،
فتعود البحار الثائرة كلّها إلى السكون.

ولا تحتاج نفس داخل السفينة أن تبحر وحيدة،
لأنّ الغنيّ والفقير ينالان اسماً واحداً؛
ويجد اليتيم فيها عرش الأب،
ويجد الغريب دفئاً بجوار نار المذبح.
ويدخل المجروحون دون خوف من اللوم،
ويُطلب الضالون قبل أن يفهموا أنّهم ضالون؛
وتتذكّر الكنيسة كل اسم نسيه الناس،
وتمدّ يدها إلى النفوس الغارقة لتجذبها نحو البرّ.

وأبوابها مفتوحة على اتّساعها نحو البحر،
فهي لم تُبنَ لتحمي الأبرار من الضعفاء؛
بل تمدّ حبالها بلا انقطاع
لكي تنقذ كل من لا يزال يطلب الميناء.
لا يدخل إليها خاطئ لأنّه صار كاملاً،
ولا قدّيس لأنّه لم يعرف السقوط قطّ؛
فالطبيب العظيم يشفي كل نفس،
وترنّ الرحمة كنداء ترحيبه.

ويقف جرن المعموديّة في جوفها،
بحراً صغيراً تموت فيه الحياة العتيقة؛
ومن الماء يخرج، مشرقاً وشجاعاً،
طفل مولود من جديد تحت السماوات الأبديّة.
ويمسح زيت الميرون كل جبين،
ويختم الروح أولئك الذين حرّرهم المسيح؛
فيتركون الآن شاطئ عبوديتهم القديمة،
ويتعلّمون الإصغاء إلى رياح القداسة.

وتُطعم المائدة الإفخارستيّة الجميع،
كل من يجوع خلال رحلة سنواته؛
ويمنح المسيح الحياة تحت الحجاب المقدّس،
ويحوّل الضعف الأرضيّ بعيداً عن مخاوفه.
فليس خبزاً عادياً ما يحفظ طاقم الحجّاج،
ولا خمراً فانياً وحده ما يُقدَّم هناك؛
بل يهب الملك ما وعد به حقاً،
فتصير حياته دواءً وصلاة.

وحين يسقط البحّارة، تنهض بهم التوبة والاعتراف،
لأنّ المسيح لم يأمرهم بأن يغرقوا؛
ويستقبل الكاهن الجراح الكامنة تحت الإرادة،
بينما تحطّم الرحمة السلاسل التي تقيدهم.
فالتوبة ليست سجناً بُني من العار،
بل ريحاً تدير السفينة نحو الشاطئ؛
وينادي البحّار الساقط باسم المسيح،
فيجد الميناء مفتوحاً كما كان من قبل.

وتضيء الأسفار المقدّسة كمصابيح خلال الليل،
فتنعكس كلماتها المقدّسة فوق الزبد؛
ويحفظ التقليد كل نور ثابتاً،
ويصون الطريق القديم الذي يقود إلى الوطن.
ويقف الآباء كحرّاس قرب مقدّمة السفينة،
ليسوا موتى ولا ضائعين في سنوات منسيّة؛
بل تحذّر مشورتهم كل بحّار في زماننا
من صخور الكبرياء والمخاوف المختبئة.

ووالدة إلهنا، النجمة الفائقة الجمال،
لا تشير إلى ذاتها، بل إلى ابنها؛
وتحيط صلواتها الأمينة بنا في كل مكان
إلى أن تكتمل رحلة الكنيسة.
وكما حملت الكلمة قديماً في أحشائها،
فهي تعزّي المؤمنين في العاصفة؛
ويخترق بهاؤها كل سحابة من الكآبة،
فيستيقظ الرجاء تحت كل شراع.

ويظهر القدّيسون ككواكب متلألئة
فوق البحار السبعة التي عبرتها الكنيسة؛
ويشهدون أنّ المسيح قد غلب الليل،
وأنّه يحفظ آمناً كل ما يبدو ضائعاً.
فالقدّيس جاورجيوس يحتمل، وسيرافيم يصلّي،
وآباء الصحراء يسهرون وراء مجال أبصارنا؛
وتكشف حياتهم الطريق الضيّق المبارك
الذي يعبر العاصفة ويبلغ النور.

غير أنّ بعض من في السفينة يخافون من الأمواج،
ويصرخون قائلين إنّ المسيح ترك المركب فارغاً؛
فلا يستطيعون رؤية اليد القويّة التي تخلّص،
ولا سماع صوته تحت صلاتهم المضطربة.
ويراقبون البرق يضرب السارية المظلمة،
ويظنّون أنّ السفينة القديمة لا بد أن تسقط؛
لكنّ كل عاصفة افتخرت في الأزمنة الماضية
قد انكسرت، بينما ظلّت الكنيسة باقية.

فالأمان لا يعني بحراً بلا رياح،
والحماية لا تعدنا بأيّام خالية من الألم؛
وقد تئنّ السفينة في قلب الشدائد العميقة،
بينما تتعب القلوب الأمينة وسط الضباب.
لكن لا أحد يتمسّك بالمسيح يواجه وحيداً
العاصفة التي تهزّ الألواح والشراع؛
فالصخرة القائمة تحت المياه تحفظ خاصته،
وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.

يا أيّها القلب الجاهل، لماذا تقفز بعيداً
لمجرّد أنّ الأمواج تبدو مظلمة وعالية؟
فخارج السفينة تخطف التيارات فريستها،
بينما تعد الأضواء الكاذبة بشواطئ ليست قريبة.
اثبت في المكان الذي يقود فيه المسيح الدفّة،
وإن أجاب الرعدُ الرعدَ خلال الليل؛
فالربّان الذي غلب الموت قريب،
ولا تستطيع العواصف إطفاء النور القائم.

وحين يرفع حكّام الأرض راياتهم بكبرياء،
لا تنتمي الكنيسة إلى واحد منهم وحده؛
فملكوتها يستقرّ على الشاطئ الآخر،
حيث يجلس المسيح الأزليّ فوق عرشه.
وهي تصلّي من أجل الأمم حين تقوم،
لكنّها لا تعبد إمبراطوريّة مصنوعة من طين؛
لأنّ كل تاج تحت السماوات الفانية
سيسقط أمام اليوم الأبديّ.

لقد حملت السفينة الأطفال والملوك والعبيد،
والحكماء والضعفاء والشيوخ والصغار؛
وهي تعرف كل أحزان الأمواج،
وكل ترنيمة أنشدها البحّارة المؤمنون.
ومع أنّ اللغات تفرّق آذان البشر،
ترتفع عقيدة واحدة خلال البخور العطر؛
وكأس واحدة توحّد جميع المجتمعين بقربها،
وفي المسيح تلتقي حقاً كل قبيلة.

وفي بعض الأوقات يبدو الشاطئ بعيداً جداً،
ولا ترى العيون المتعبة أيّة علامة للبرّ؛
غير أنّ نجمة تظلّ مشتعلة خلال السحاب،
بينما يبقى المسيح ممسكاً بالدفّة في يده.
فهو يعرف كل صخرة مخفيّة تحت المدّ،
وكل ريح تتحوّل، وكل عمق مستور في الأسفل؛
ولا بحر يستطيع حمل الكنيسة إلى حيث لا يهديها،
ولا ليل يستطيع إخفاء الطريق الذي يعرفه.

وحين يُعبر البحر السابع أخيراً،
ويتوقّف الرعد وتسكن الرياح،
لن يضيع أحد ممّن جمعهم المسيح،
لأنّ المحبّة الكاملة تتمّم مشيئته.
وستقرع أجراس الميناء وراء الزبد،
ويقف القدّيسون كمصابيح على امتداد الشاطئ،
وكل حاجّ يدخل إلى موطنه
يقبّل يد الربّان بفرح وشكر.

حينئذ سنعرف أنّ كل موجة خفنا منها
كانت محفوظة في جوف كفّه؛
وأنّ كل ليلة قاد فيها الكنيسة
كانت تتحرّك سرّاً نحو السكون الأبديّ.
والصليب الذي بدا ضعيفاً فوق العاصفة
سيشرق بضياء يفوق شمس الظهيرة؛
ونَفَس الروح سيملأ الشراع الأخير،
والمسيح سيجمع كنيسته كلّها واحدة.

فأبحري، يا سفينة مباركة، خلال الليل،
وإن نهضت البحار السبعة كلّها ضدّك؛
فساريتكِ متوّجة بالنور الأبديّ،
وطريقكِ مكتوب وراء السماوات الفانية.
ولتسقط الممالك، ولتزبد المحيطات الغاضبة،
ما دام المسيح الربّان والهادي والباب؛
فالذين في كنيسته يبحرون نحو موطنهم،
حيث تنتهي العواصف، ولا يكون موت فيما بعد.