أنتَ موطني

أنتَ موطني

روبرت سكوت

 

يا مسيحُ، يا ملكاً لم يلبس تاجاً سوى الشوك،
ويا نوراً أشرق قبل أن يولد الصباح،
كم طويلاً تهتُ تحت قبة السماء،
بينما كنتَ قريباً منّي، وإن لم أدرك حضورك؛
بحثتُ عنكَ حيث تصرخ رياح الحنين،
في أحلام كثيرة، وفي أفكار لا تعرف السكون،
غير أنّ يدكَ كانت تحملني طوال الطريق،
وكان صوتكَ ينطق اسمي برفق وسط ظلامي.

قبل أن يتعلّم لساني كيف يتحدّث عنكَ،
كانت كلمتُكَ تهمس بين الأشجار المستيقظة؛
وقبل أن تقوى عيناي على رؤية وجهكَ،
كانت رحمتُكَ تتحرّك في أصغر نسمة.
حين حسبتُ الظلَّ طريقاً ينبغي اتّباعه،
ودعوتُ الليلَ بهاء النهار،
لم تصرف وجهكَ عنّي،
بل انتظرتني، يا ربّ، بصبر أبديّ.

لم أكن أعرفكَ، أمّا أنتَ فعرفتني تماماً؛
ولم أسمعكَ، أمّا أنتَ فسمعتَ كل تنهيدة.
وحين سقطتُ في أبعد القفار،
كانت أجنحتُكَ غير المنظورة تمتدّ تحت السماء.
ما من طريق سلكتُه إلا وكنتَ قد مررتَ فيه،
وما من عمق هبطتُ إليه وكان أعمق من إلهي،
وما من أرض غريبة أو بحر بارد عديم الوفاء
استطاع أن يقيم سوراً بين روحي وبينكَ.

كم ظننتُ نفسي وحيداً وضائعاً،
كورقة شرّدتها رياح الشتاء،
غير أنّكَ أحصيتَ كل طريق عبرتُه،
وسرتَ إلى جواري صامتاً، صبوراً وجميلاً.
والدموع التي أخفيتُها عن عيون البشر
جمعتَها رحمتُكَ في سكون الليل،
والحزن الذي عجزتُ أن أجد له كلاماً
كان مفهوماً لديكَ قبل أن ينطق به قلبي.

حين شيّد الكبرياء أبراجه داخل صدري،
وأمرني أن أعيش سيّداً على أيّامي،
وقفتَ ساكناً ولم تقتحم راحتي،
بل دعوتني برفق من خلال ألف طريق.
طيبة مفاجئة لم أكن أستحقّها،
وباب مفتوح في أعماق الليل،
وصوت يأمر خوفي المتعب أن يرحل؛
كلّ هذه كانت خطاكَ وهي تعبر قلبي.

طلبتُ الحكمة في أقوال الناس،
وشربتُ من آبار تركتني أشدّ عطشاً؛
وأخذتُ سلاسلي المحطّمة، فصغتُ منها من جديد
القيود نفسها التي سعيتُ طويلاً إلى نسيانها.
أمّا أنتَ، يا من رأيتَ كل ما تجرّأتُ على إخفائه،
فقد انتظرتَ، لا لكي تدينني، بل لكي تصلحني وتشفيني؛
لم تختلط المرارة قطّ بندائكَ،
لأنّكَ أحببتني قبل أن أعرف سقوطي.

كم مررتُ أمام بابكَ دون أن أنتبه،
بينما كنتَ قد أعددتَ لي المائدة في الداخل؛
وكم تنفّستُ هواءكَ المقدّس،
وظننتُ أنّني بعيد عن كل أرض مقدّسة.
رأيتُ الغروب يكسو السحاب بالنار،
ولم أعلم أنّ كل لون كان يسبّح اسمكَ؛
وسمعتُ الرعد يتردّد في قبّة السماء،
ولم أعلم أنّ صوته كان يناديني: «عُد إلى موطنكَ».

ثم، من خلال ضجيج سنوات تيهي،
جاء سكون أعمق من القبر،
وجاءت كلمة دخلت برفق عبر مخاوفي،
ويد امتدّت إليّ، لا بقوّة تستعبد،
بل يد مثقوبة بالمحبّة، مفتوحة للجميع،
لكي تنهض بالوضيع وتعيد الساقط؛
وفي تلك الساعة أدركت روحي المتحصّنة
أنّ الذي هربتُ منه ظلّ أميناً إلى الأبد.

استدرتُ نحوكَ، يا ربّ، فلم أجدكَ بعيداً؛
ولم تكن بيني وبينكَ أميال من العقوبة والتكفير.
كنتَ قريباً كقرب النور من النجم،
وكقرب النَّفَس من الريح، والمدّ من البحر.
ظننتُ أنّ عليّ أن أعبر العالم كي أجد
الطبيب الخفيّ للعقل المجروح،
غير أنّكَ كنتَ تنتظر عند باب روحي،
حيث وقفتَ طوال جميع السنوات الماضية.

لم يصدر عن عرشكَ سؤال غاضب،
ولا تذكير بارد بأيّامي الضائعة؛
لم تُخزني من أجل البذور التي لم أزرعها،
ولم تُحصِ الغبار المتراكم فوق طرقي.
بل قلتَ وحدكَ: «يا حبيبي، ادخل؛
فقد حمل دمي ثقل خطيئتكَ.
لقد انقضى شتاء تيهكَ،
فاخرج، لأنّ شمس الرحمة الأبديّة قد أشرقت».

عندئذ عرفتُ أنّ الرجوع إلى الوطن هو هذا:
ليس أن أجدكَ، بل أن أعلم أنّكَ وجدتني؛
وليس أن أصعد بجهدي إلى النعيم السماويّ،
بل أن أسقط حيث لا حدّ لرحمتكَ.
كان الباب مفتوحاً قبل مولدي،
وكان حبّكَ يبحث عنّي في اتّساع الأرض،
وكل طريق بدا أنّه يقودني بعيداً
كانت تراقبه عيناكَ اللتان لم تنصرفا عنّي.

أيّة شعلة هذه التي تتّقد بلا نهاية،
لكنّها لا تجرح الروح التي تضيئها؟
وأيّة نار تستطيع أن تدين وتغفر،
وأن تفني الفساد ثم تصلح وتشفي،
وتجعل أحلك منتصف الليل يستسلم للنور؟
إنّها محبّتُكَ، يا مسيح، المتّقدة في قلبكَ
من أجل كل قلب ينكسر ويتوب ويرجع؛
فما أشرقت شمس فانية بمثل هذا الجمال،
ولا تستطيع نجوم السماء كلّها أن تضاهي ضياءها.

لو أنّ شرارة واحدة من تلك النار الأبديّة
وُضعت مكشوفة فوق حقول هذا العالم،
لذابت الجبال أمام لهيبها،
ولارتفعت البحار وهربت من الأرض المرتجفة.
ولطوت السماوات القديمة أثوابها وانتهت،
ولسلّم الزمن كل سنواته إلى السلام،
ولعجز هذا العالم العظيم عن احتواء
تلك المحبّة الخالدة، فكفَّ عن الوجود.

غير أنّكَ تحجب عنّا ذلك البهاء رحمةً بنا،
كما يختبئ الصباح داخل شعاع لطيف،
لئلّا يعجز الجسد، وترتجف التلال والوديان،
وتزول الخليقة كلّها في وضح النهار.
إنّكَ لا تمنحنا مجدكَ كطوفان جارِف،
بل تقدّمه ككأس دمكَ المقدّس؛
شعلة تبدو محدودة، وإن كانت بلا حدود في الأعالي،
لكي نستطيع أن نحيا داخل نار المحبّة.

لم تأتِ وجيوش الأرض تسير إلى جانبكَ،
ولم تنتزع أنفاس الأقوياء بسلطان العنف؛
بل أتيتَ وديعاً وقَبِلتَ الصليب،
وغلبتَ الكراهية بقبول الموت.
واليدان اللتان صنعتا الشمس والقمر والبحر
انفتحتا على خشبة المرارة،
ومن جراحكَ، كما من باب ملوكيّ،
خرجت الحياة التي تحيا إلى الأبد.

يا له من صبر عجيب، أعمق من البحر،
احتمل ازدرائي ولم يُجب الازدراء بازدراء؛
ويا لها من رحمة مقدّسة تذكّرتني
حين كان الإيمان مدفوناً فيَّ، بارداً ولم يولد بعد.
رأيتَ تحت أثواب كبريائي
طفلاً خائفاً يجهد لكي يختبئ،
فلم تمزّق الحجاب المرتجف بعنف،
بل انتظرتَ حتى أقدّم لكَ قلبي بحريّة.

فدعني الآن أسكن تحت نظرتكَ الثابتة،
وأقضي سنواتي متذكّراً نعمتكَ؛
ولتصر كل ساعة ترنيمة تسبيح،
وليُعدني كل حزن نحو وجهكَ.
وحين تخفت مصابيح الأرض وتصعد الظلال،
كن أنتَ فجري القائم وراء موت الزمن؛
وحين تُنزع عنّي الملاجئ المستعارة كلّها،
كن أنتَ صباحي الأبديّ الذي لا يموت.

إن تهتُ مرّة أخرى، فنادني من جديد؛
وإن صرتُ أصمَّ، فتكلّم في أعماق أعمق من سمعي؛
وإن عاد الكبرياء فأغلق بابي الداخليّ،
فقف هناك، يا مسيح، حتى أعرف أنّكَ قريب.
فلستَ ضيفاً يأتي ثم يمضي،
بل أنتَ الحياة الكامنة تحت الشتاء والورد؛
أنتَ الأرض تحت قدميّ، والنَّفَس الذي أتنفّسه،
واليد التي تحملني نائماً ومستيقظاً.

خذ السنوات التي لا أقدر أن أستعيدها،
وازرع في ترابها بذوراً حيّة؛
واجعل الحكمة تزهر من الألم الذي أتذكّره،
وحوّل كل جرح قديم إلى عون للآخرين.
ولا تدع أحداً يلقاني فيظن أنّه وحيد،
بل اجعله يرى رحمتكَ من خلال الرحمة التي أقدّمها؛
فكما انتظرتني خلال أحلك لياليّ،
اجعلني أحمل للآخرين نوراً صبوراً.

وأخيراً، حين تنقضي جميع طرق تيهي،
ويلتفّ المساء حول أنفاسي الفانية،
دعني أرى الوطن الذي عرفته أخيراً،
وراء الموت الضيّق الذي لا يدوم سوى لحظة.
غير أنّ موطني لن يكون جدراناً من اللؤلؤ والذهب،
ولا كل الأمجاد التي سبق الأنبياء فتحدّثوا عنها؛
بل سيكون موطني حيث أنظر إلى وجهكَ،
وأفقد ذاتي داخل نعمتكَ التي لا حدود لها.

هناك سأفهم كل خيط كان مخفيّاً،
وكل باب ظلّ مغلقاً، وكل صلاة بدت بلا إجابة؛
وسأرى كيف كنتُ أهرب خلال السنوات،
بينما كنتَ أنتَ، يا راعيَّ، تتبعني وتسير إلى جانبي.
وسأبكي، لا بسبب حزن مضى،
بل بسبب محبّة أبطأتُ كثيراً في معرفتها؛
ثم تمسح أنتَ دمعتي الأخيرة،
ويهلك الليل داخل النهار الذي لا ينتهي.

يا مسيح، يا موطني ومينائي وملكي،
اقبل القلب الذي عاد إليكَ متأخّراً؛
فليس لديه كنز يليق بكَ ليقدّمه،
سوى هذه المحبّة الفقيرة التي استيقظت أخيراً وتحرّرت.
لقد كنتَ بجانبي حين ظننتُ أنّني أسير وحيداً،
وأحببتني زمناً طويلاً قبل أن أعرف محبّتكَ؛
والآن تستريح روحي، بعد أن انتهى ترحالها،
داخل نوركَ، وتهمس: «أنتَ موطني».