نافذة على عقيدة كنيستنا: عمل الثالوث القدوس في الكنيسة

نافذة على عقيدة كنيستنا: عمل الثالوث القدوس في الكنيسة

الأب سمعان سمعان

نُشِرت في الكرمة، العدد 25، الأحد الثالث بعد العنصرة

 

سنفتح في هذا المقال نافذة على مختصر عقائدنا الرئيسية في كنيستنا الأرثوذكسية. يعتقد الكثيرون أنّ العقائد صعبة الإدراك والفهم، ولا تخصّهم فلا يطالعون هذه المواضيع، ولكن من الضروري جدّاً أن يعرف كلّ مؤمن، مثقّف أم لا ما تؤمن به الكنيسة، لأنّه كما سنلاحظ في هذه المقالة أنّ الإيمان المستقيم هو أساس الحياة الروحية المستقيمة. فلنطالع هذا المقال، وإذا لم نستوعبه من القراءة الأولى، فلنعيد قراءته مجدّداً.

تنقلنا الكنيسة في السّنة الليتورجية بين فترة أحد زكّا العشّار وعيد الرسل الأطهار في رحلة روحية، يتنقّى الإنسان المؤمن من أهوائه، يُصلب، يقوم، ويصعد مع المسيح، ثمّ يحلّ عليه الروح القدس، فيتقدّس ويصبح رسولاً. إذاً تلخّص هذه الفترة الحياة الروحية للمؤمن بشكل مكثّف. يكتب القديس غريغوريوس السينائي، معلّم الهدوئية وصلاة يسوع، في بداية كتاباته في الفيلوكاليا (مجموعة كتب عن الحياة الروحية) ثلاث مقاطع مهمّة جدّاً عن مبدئ الحياة الروحية: أولاً، يدعو المؤمن أن يكون الإيمان موازياً للوصايا الإلهية، لأنّ من الإيمان تنبع كلّ وصية وتتمّ استنارة النفس، مؤكّداً أن ثمر الإيمان الحقّ هو الإمساك والمحبة. ثانياً ، يحددّ القديس الأرثوذكسية كإيمانٍ واضحٍ لثلاث عقائد أساسية: عقيدة الثالوث القدوس، عقيدة طبيعتَيْ المسيح، أيّ عقيدة التجسّد - حياة المسيح على الأرض، صلبه، قيامته، وصعوده - وثالثاً، استعلان الله الثالوث، أيّ قواه الإلهية، في الكنيسة. ليس بالغريب في مستهلّ الكلام عن الحياة الروحية أن يشدّد القديس ويعتبر أنّ أساس الحياة في المسيح هو استقامة الإيمان، لأنّه، كسائر آباء كنيستنا، يعتبر العقيدة المستقيمة أساس عمل النعمة الإلهية، أيّ قوّة الله الثالوث غير المخلوقة، والحياة في الكنيسة.

يفسّر القديس المعاصر الأب ديميتري ستانيلواي كتابات القديس غريغوريوس السينائي، خصوصاً العلاقة بين عقائد كنيستنا و حياتنا الروحية، ويبرزها كعمل للثالوث القدوس في الكنيسة. باختصار شديد، العقيدة الأولى التي يذكرها القديس السينائي، هي محور أيماننا بالله. فالله هو الآب غير المولود مصدر الألوهة، الابن المولود من الآب، والروح القدس المنبثق من الآب قبل الدهور. يتشارك الآب والابن والروح القدس الجوهر الواحد الإلهي. والجوهر الإلهي لا يُعرف، لا يُدرك، ولا يُقترب إليه incomprehensible.

أمّا العقيدة الثانية، فهي عقيدة تجسّد الأقنوم الثاني للثالوث القدوس، ابن الله، الإله-الإنسان. وهنا يبرز دور عمل المسيح الإله-الإنسان لأجلنا. يقسم القديس ستانيلواي عمل المسيح الى أربعة أقسام : التجسّد، الصلب، القيامة والصعود. والهدف من عمل المسيح أن يجدّد الطبيعة البشرية ويجعلها قابلة أن تقتني حياةً أبدية. بصلبه، حوّل فساد الموت الى عدم فساد، وبقيامته أظهرجسده مُرَوْحَناً، وبصعوده أجلس الطبيعة البشرية عن يمين الآب. أمّا نحن البشر، فنحصل على ثمار عمل المسيح عندما نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس، فنموت عن فساد الخطيئة ونقوم مع المسيح. وعندما صعد المسيح الى السماوات بجسده فهو مَجَّد الطبيعة البشرية كلّها، ولكن صار ممكناً أن نتناول جسده المُمَجَّد كلّما اشتركنا في سرّ الشكر المقدّس. ثمّ يشدّد ستانيلواي أنه "إذا كان التجسّد، الصلب، القيامة، والصعود هي أعمال الابن الأربعة، فالكنيسة هي العمل الخامس له؛ الكنيسة إذاً هي تكملة الخلاص الذي ابتدأ في التجسّد".

أمّا العقيدة الثالثة، فهي عقيدة القوى الإلهية، أيّ النعمة الإلهية. وهذه القوى المشتركة للثالوث القدوس، تصدر من أقنوم الآب، وتستقرّ في أقنوم الابن، ويرسلها الابن عبر أقنوم الروح القدس الى الكنيسة. وهذه العقيدة هي التي تكمّل عقيدة الثالوث وعقيدة التجسّد مع مفهوم الكنيسة، أيّ تبرز عمل الثالوث في الكنيسة. يشرح ستانيلواي أنّ هذه العقيدة تركّز على عمل الأقنوم الثالوث للثالوث القدوس، عمل الروح القدس.

عمل الروح القدس لا ينفصل عن عمل المسيح، بل يكمّله. يشدّد ستانيلواي أنّ عمل الروح القدس هو تثبيت المؤمنين بجسد المسيح الممجّد. كيف؟ إنّ النعمة الإلهية، أو القوى الإلهية (غير المخلوقة) تصدر من الآب وتستقرّ في الابن ويرسلها الابن عبر أقنوم الروح القدس الى الكنيسة، ؛ وما هي الكنيسة إلّا امتداد جسد المسيح المُمجّد. إذاً، عمل الروح القدس هو إتْحادُنا في جسد المسيح (الكنيسة) المُمجَّد عبر حمل النعمة الإلهية الى أعضاء الجسد، أيّ المؤمنين، وهذا بالظبط ما نفعله في سرّ الميرون المقدّس (لذلك، لا تكفي المعمودية بدون الميرون، ختم الروح القدس). ألم يقل المسيح في إنجيل يوحنا16: 15 "ومتى جاء روح الحقّ فهو يرشدكم الى جميع الحقّ...، كلّ ما للآب هو لي (القوى الإلهية)، لهذا قلت إنّه (أيّ الروح القدس) يأخذ مما لي ويخبركم"؛ وأيضاً في يوحنا 15: 26 "ومتى جاء المعزّي الذي أرسله إليكم من الآب، روح الحقّ الذي من الآب ينبثق، فهو يشهد لي". هكذا تتكوّن الكنيسة وتستمرّ في جسد المسيح عبر الروح القدس الذي بانحداره يبقَ في الكنيسة. يقول القديس غريغوريوس بالاماس شارحاً هذه الآية، "أنّه كان على الابن أن يصعد بجسده الى الآب لكي يرسل الروح القدس من حضن الآب الذي منه ينبثق". إنّ الألسنة النارية في العنصرة ليست سوى القوى الإلهية الصادرة من الآب، والمستقرّة في الابن، التي حلّت على التلاميذ عبر أقنوم الروح القدس،. وهكذا يرسل الابن النعمة الإلهية عبر الروح القدس الى الكنيسة، أيّ في أسرار الكنيسة، لذلك نحن نطلب حلول الروح القدس epiklesis (الذي به تنحدر النعمة المؤلِّهة) في كلّ سرّ نقيمه في الكنيسة.

عمل الروح القدس هذا هو فعلاً إعادة لجبلتنا لنكون أبناء الآب بالتبنّي. وهذا يعني أنّ الابن نفسه يطبع أقنومه بعمقٍ داخلنا ويطبع فينا النعمة التي للثالوث.

يشدّد ستانيلواي أنّه لا يجب فصل عمل المسيح عن عمل الروح القدس، فعقيدة القوى الإلهية هي الضمان لاتفاق عمل الابن بعمل الروح القدس، وكذلك بعمل الآب. للأسف، لم تؤمن الكنيسة الغربية (لاتينية وبروتستناتية) بعقيدة القوى الإلهية، وبذلك فقد فصلت بين عمل المسيح وعمل الروح القدس. ونتج عن ذلك عند اللاّتين أنّ المسيح قد تمّم عمله بدون إرسال القوى الإلهية الى الكنيسة، وهكذا انفصل عمل المسيح الذي تمّ عن عمل الروح القدس. فتوجّب وجود ممثّلٌ للمسيح على الأرض تستمدّ الكنيسة وجودَها، ألا هو البابا، رئيس الكنيسة بدل المسيح. أمّا عند البروتستانت، الذين يعتبرون عمل المسيح قد انتهى، وهم بحاجة الى الإيمان به فقط ليخلصوا، قد صار كلّ واحد منهم رئيس الكنيسة، كونهم لا يؤمنون باتحادٍ بجسد المسيح من خلال النعمة غير المخلوقة.

أيّها الأحبة، تبدو عقائد كنيستنا صعبة للفهم للمؤمن العادي، ولكن من الضروري بذل مجهود ليس لفهمها فقط، بل لعيشها؛ لأن بدون الإيمان الحقّ المستقيم لا نستطيع أن نشترك بنعمة الله الثالوث في الكنيسة.

 

الأب سمعان سمعان

21 حزيران، 2026