
الفُلْك العتيق
تأليف: روبرت سكوت
يا ربَّ المجد، يا كلمةَ الله قبل كلِّ زمان،
يا نورًا مولودًا من نورٍ أزليٍّ لا يزول،
أنتَ الذي لبستَ الجسدَ من أجل نسلِ آدم،
وسرتَ تحت ثقلِ ليلِنا وظلماتِنا،
لم تتركْ قطيعَكَ يتخبَّطُ في العمى،
ولم تُلقِ لآلئكَ على بحرٍ متقلِّبِ الأمواج،
بل غرستَ في الأرضِ كرمتَكَ المقدَّسة،
التي تمتدُّ جذورُها إلى أعماقِ الأبدية.
وعلى الصخرةِ أُقيمتْ كنيستُكَ المقدَّسة،
لا بصنعةِ البشرِ ولا بقوةِ العالم،
بل بالروحِ القدوسِ المنبثقِ من عرشِ السماء،
ليقودَ قديسيكَ في كلِّ ساعةٍ حالكة.
سقاها الشهداءُ بدموعٍ قرمزية،
وحرسها الآباءُ بالصلاةِ والنار،
وصانَ الرهبانُ كنوزَها عبر السنين،
وتقدَّستْ فيها نفوسٌ لا تُحصى.
يا أيها الفلكُ العتيقُ السابحُ فوق طوفانِ الزمن،
يا سفينةَ النعمةِ التي لم تُكسر،
بينما تقومُ الممالكُ وتسقطُ كغبارٍ تذروه الرياح،
تبقى ديارُكَ المقدسةُ ثابتةً أمام العرش.
لقد دوَّت الإمبراطورياتُ عند أبوابكَ العتيقة،
وهاجت البدعُ كعواصفِ الشتاء،
ومع ذلك ما زال سراجُكَ متَّقدًا وسط الظلام،
وما زالت عبادتُكَ تحفظُ صورتَها المقدسة.
فإنَّ الحقَّ ليس قصبةً تحنيها الرياح،
ولا ظلًّا متبدِّلًا تصنعه أفكارُ البشر،
بل هو وجهُ المسيحِ الواحدُ إلى الأبد،
ذلك الكنزُ الثمينُ الذي علَّمَه القديسون.
وحيثما يُحفظُ هذا الحقُّ كاملًا نقيًّا،
هناك يسطعُ الطريقُ إلى الملكوتِ البهي،
وحيث يُكسَر أو يُخلَط أو يُطرَح جانبًا،
يسيرُ الاضطرابُ وتملأُ الظلمةُ الأجواء.
كم من طرقٍ تُغري القلبَ التائه،
وكم من أصواتٍ تنادي من السهولِ والجبال،
واعدةً بالحكمةِ والحريةِ والنورِ الخفي،
لكنها تقودُ النفوسَ إلى صحارى الألم.
فليس كلُّ طريقٍ يصعدُ إلى الجبلِ المقدس،
وليس كلُّ نهرٍ يفيضُ من الينبوعِ الحي،
فبعضُها يضيعُ في الرمالِ القاحلة،
ولا يتركُ لجندِ السماءِ نشيدًا ينشدونه.
إنَّ المسافرَ الذي يتركُ الطريقَ العتيق،
قد يظنُّ نفسَه أكثرَ شرفًا وحكمةً وحرية،
لكنَّ كلَّ خطوةٍ تبتعدُ عن دربِ المسيح،
تبتعدُ أكثرَ عن الحقِّ الذي يحرِّرُ الإنسان.
فما الحريةُ إذا انفصلتْ عن الكرمة؟
وما العبادةُ إذا فرغتْ من الصليب؟
وما الدينُ إذا خلا من النعمةِ المقدسة،
إلا رمادًا ذهبيًّا وخسارةً عظيمة؟
ومع ذلك ما تزال الكنيسةُ تبسطُ يديها المجروحتين،
لا بسيفِ الغضبِ أو الاحتقار،
بل بدموعِ المسيحِ المرتسمةِ على وجهِها،
داعيةً الضالينَ إلى الحياةِ من جديد.
وكما وقف نوحٌ عند البابِ المفتوح،
تصرخُ فوق هديرِ الطوفان:
"ارجعْ يا ولدي قبل أن ينزلَ الليل،
تعالَ واغسلْ ثيابكَ في الدمِ الكريم."
أيتها الكنيسةُ المقدسة،
يا عروسَ المسيحِ الملكِ البهيَّة،
المتزيِّنةَ بالقديسينَ اللامعينَ كالنجوم،
في داخلِ أسوارِك تمنحُ الأسرارُ المقدسة
أنهارَ الشفاءِ من محبةِ اللهِ الفادية.
ترتفعُ تسابيحُكِ كالبخورِ نحو السماء،
وتتكلَّمُ أيقوناتُكِ حين تعجزُ الكلمات،
وفي ليتورجيتكِ تنشقُّ السماوات،
فتتحدَّثُ الأرضُ والفردوسُ بصوتٍ واحد.
فلذلك، يا نفسي، تمسَّكي بهذا الفلك،
وإن هاجت العواصفُ وتعالت الأصوات،
فالمسيحُ يُوجَد حيثُ يقيمُ هو بنفسه،
لا في أحلامِ البشرِ الزائلة.
تمسَّكي بالإيمانِ المُسلَّم مرةً واحدةً للقديسين،
واحفظي الكنزَ الموروثَ عبر الأجيال،
إلى أن يدوي البوقُ من أعالي السماء،
ويظهرَ المسيحُ ليمسحَ كلَّ دمعة.
حينئذٍ يعاينُ المؤمنونَ المجتمعونَ حول عرشه
ذلك النورَ الذي لا تستطيعُ الظلمةُ أن تحجبه،
ويعرفونَ أخيرًا ما عرفه القديسونَ عبر العصور:
أنَّ كنيستَه بقيتْ لأنها مؤسسةٌ على كلمتهِ الصادقة.
فللآبِ والابنِ والروحِ القدس،
الإلهِ الواحدِ المثلثِ الأقانيم،
المجدُ والكرامةُ والسجودُ والقوةُ إلى الأبد،
الآن وكلَّ أوان،
وإلى دهرِ الدهور. آمين.