
مختاراتٌ عن "النّورِ المُقَدَّسِ"
خاريس سكارلاكيديس
من كتاب "النّور المقدّس، معجزة نور القيامة عند قبر يسوع المسيح"
نقلته إلى العربية: فيرنا جدعون
في مطلعِ القرنِ السّابع، غزا جيشُ المَلكِ الفارسيِّ "كسرى الثّاني" سوريا وفلسطين، ونَهَبوا مُدُنَها وقُراها، وأشعلوا النّيران في الأديرةِ والكنائس، وذَبحوا عددًا كبيرًا من السُّكّان المسيحيّين. كان يقودُ الجيش آنذاك، الجنرال الفارسيّ "شهربراز"، الذي كان يُلَقَّب بـ"الخنزيرِ المَلَكيّ" بسبب شخصيّتِه القاسيةِ والعديمة الرَّحمة. وقد خدَمَ إلى جانبِ الفُرُس نحو٢٠ ألفَ يهوديٍّ من أنطاكية وطبرية.
في ۱۹ أيّار عام ٦١٤، هدمَ الجيشُ الفارسيُّ جزءًا من الأسوارِ المحيطةِ بالقُدسِ، واقتحمَ المدينةَ ونهبَها بالكامل. تمَّ ذبح السُّكّان المسيحيّين دونَ الأخذِ بعَينِ الاعتبارِ الجنسَ أو العمرَ، أُعدِمَ الإكليروسُ، وأُحرِقَت كنائسُ المدينةِ وأديارُها على حدِّ سواء.
يقول المؤرِّخُ الأرمنيُّ "سيبيوس" (القرن السّابع) عن تلكَ الأحداثِ ما يلي:
"استمَرّوا في ذبحِ جميعِ سكّانِ المدينةِ على مدى ثلاثةِ أيّام. ومَكَثوا داخلَ المدينةِ لمدّة واحدٍ وعشرينَ يومًا. بعد ذلك، انسحبوا من المدينةِ وخَيّموا خارجَ الأسوار، وتركوا المدينةَ للنّيران".
يَصِفُ شاهدُ عيانٍ المذبحةَ المروّعةَ التي وقعَت داخلَ القُدسِ بالتّفصيل، وهو كاهنٌ-راهبٌ جورجيٌّ من ديرِ القدّيس "سابا"، يُدعى "أنطيوخوس ستراتيجيوس"، والذي كان قد أسَرَهُ الفُرُس، ولكنّهُ تمكَّن من الفرارِ فيما بعد. في كتابه "أَسرُ القُدس على يَدِ الفُرُس"، وثّق "أنطيوخوس" بدقّة عددَ القتلى في كلِّ موقعٍ من مواقعِ المدينة. وِفقًا له، بلغَ العددُ الإجماليّ ٦٦،٥٠٠ قتيل. قُتل العديدُ منهم داخلَ كنيسةِ القيامة التي لجأوا إليها. في موقعٍ واحدٍ من المدينةِ، تحديدًا في خزّانِ "ماميلا" لمياهِ الأمطارِ، غير البعيد، الواقع خارجَ بوّابة يافا، كان هناك كومةٌ من ٢٥،٠٠٠ جثّة لأشخاصٍ تُوفّوا مِيتَةً مأساوية.
كتبَ "أنطيوخوس":
"كم من نفسٍ أُزهقت في خزّان "ماميلا". كمَ من الأرواحِ فُقِدَت بداعي الجوعِ والعطش. كم من الكهنة والرُّهبان ذُبحوا بالسَّيف. كم من الأطفالِ دُهِسوا بالأقدام... في خزّانِ "ماميلا"، أحصينا ٢٤،٥١٨ نفْسًا."
تمَّ أسرُ البطريركِ اليونانيِّ "زكريّا" وعدد قليل من الإكليروس الذين كانوا برفقتِه، واقتيادهم إلى بلادِ فارس. كما وأخذوا معهم الصّليبَ المقدّسَ الذي بقي في صندوقِه الواقي. لقد وقع أقدس ما في العالمِ المسيحيّ، للمرَّةِ الأولى، في أيدي أشخاصٍ غير مؤمنين، رغمَ أنّه لم يتضرّر أو يُدَنَّس.
يُخبرنا بطريركُ الإسكندرية للرّوم الأرثوذكس "إفتيخيوس" (سعيد بن بتريك) أنَّ الصَّليبَ المقدَّسَ قد وصلَ في نهاية المَطاف إلى يدِ الأميرة الأرثوذكسيّة اليونانيّة "ماريّا"، وهي ابنةُ الإمبراطورِ البيزنطيِّ "موريس"، والزّوجةُ الرّسميّةُ للملكِ الفارسيِّ "كسرى الثّاني".١
طلبَتْ الأميرةُ "ماريّا" من الملكِ الفارسيّ أن يُسَلّمها لا فقط الصّليبَ المقدَّسَ، بل معهُ أيضًا البطريرك "زكريّا" والأسرى الآخرين، الذين ظلّوا لسنواتٍ ضيوفًا في أحدِ أجنحةِ القصرِ المَلَكيِّ الضَّخم، الذي يَضمُّ آلافَ الغُرف، والذي بناهُ "كسرى" المُصاب بجنونِ العَظَمَة، في العاصمة "طيسفون" (مدينة المدائن). توفِّيَ البطريرك "زكريّا" في الأسرِ، وبقيَ عرشُ البطريركيّةِ شاغرًا لمدّة خمسة عشر عامًا. ووُضِعَ الصّليبُ المقدّسُ في كنيسة "ماريّا" الخاصّة لمدّة ثلاثة عشر عامًا، حتى تمّت إعادته سليمًا إلى الإمبراطور "هيراكليوس" عام ٦٢٧.
بعدَ مجزرةِ عام ٦١٤ الكبرى، ظَلَّتِ القُدسُ مدينةَ أشباحٍ لأشهرٍ عدَّة. دُمِّرَت الكنائسُ المسيحيّةُ وأُحرِقَت، وللمرّةِ الأولى في التّاريخ، لم يوجَد أيّ رجلِ دينٍ في المدينة. تشتّتَ الرُّهبانُ والإكليروسُ الذين نَجَوا في برّيّة الخليل، وعاشوا هناكَ كنُسّاكٍ في الكهوف.
خلالَ فترةِ الاضطّهادِ المروّعِ هذه والإبادةِ التي تعرّضَ لها سكّانُ المدينةِ المسيحيّون، حدثَت معجزةٌ رَفعَت آمالَهُم وشدَّدت إيمانَهم: النّورُ المقدَّسُ، الذي فاضَ في السَبتِ المقدَّسِ الأوّلِ بعد إعادةِ بناءِ قبر يسوع المسيح. بعد سنواتٍ قليلةٍ من سقوطِ المدينةِ في أيدي الفُرُس، فاضَ النّورُ المقدَّسُ وانبثقَ من بين أنقاضِ ورَمادِ الكنيسةِ المحترقةِ.
كتب "إفتيخيوس": كان "موريس"، أحد أقوى أباطرة بيزنطية (٥٨٢-٦٠٢)، وقد ساعد "كسرى الثّاني" على اعتلاء عرش بلاد فارس بدلًا من خصمه "فارانيس". توطّدت العلاقةُ بين المُلِكَين، وتعايشت إمبراطوريتاهما - البيزنطيّة والفارسيّة - بسلامٍ حتّى اغتيل "موريس" عام ٦٠٢ على يد خليفته "فوكاس". أدّى الاغتيال إلى هجومٍ شنّه "كسرى" على "فوكاس". وكان "كسرى" قد أعاد إلى "موريس" مناطقَ مهمَّة كان الفُرُسُ قد استولوا عليها سابقًا، في حين عرضَ "موريس" على "كسرى" ابنتهُ "ماريا" للزّواج، والتي انتهى بها المطاف بأن حَمَت الصّليبَ المقدّسَ.
في التيبيكون الخاصّ بدير "ديونيسيو" في جبل آثوس، الذي نُشر عام ١٨٥١، والذي هو بِمُعظمه نسخة عن تيبيكون القُدس القديم، كما هو مذكورٌ في عنوانِه، في الصّفحة ٦٦٠، نقرأ ما يلي عن البطريرك "صفرونيوس"، المؤلِّفُ الأصليُّ للتّيبيكون في القرنِ السّابع:
دعا "صفرونيوس"، بطريرك القُدس ، إلى ترتيل ترنيمة "أيّها النّورُ البَهيُّ" في صلاةِ الغروبِ إكرامًا للنّورِ المقدَّس، والتي سُمِّيَت تيّمنًا به.
يعودُ تأليفُ ترتيلة " النّور البهيّ" إلى القرن الثّاني، والتي هي أقدمُ ترتيلة (خارج الكتاب المقدّس) في الكنيسة المسيحيّة، مع أنَّ مؤلِّفها مجهول. في القرن الرّابع ، وصَفَها القدّيس "باسيليوس الكبير" بأنّها "صوتٌ قديم". أمّا عن صِلَةِ معجزةِ النّور المقدّس بهذه التّرتيلة، فسيكشفُ المصدرُ التّاريخيُّ التّالي عنها.
خدمَ الرّاهب الكاهن "يواصاف" كأسقف لمدينة أفسس من عام ١٤٣٤ حتى وفاتِهِ عام ١٤٣٧. وتُسجِّل عِظته "عظة النّور البهيّ"، المحفوظة في ثلاث مخطوطات، تفاصيل تاريخية قيّمة تُساعدنا على فهم ما جرى خلال الاحتفال يوم سبت النّور، حوالي عام ٦١٧.
كتبَ "يواصاف":
"أنشدَ رئيس أساقفة القُدسِ آنذاك هذه التّرتيلة (النّور البهيّ) مع بقيّة الإكليروس، وعندما بلغوا منتصفها تقريبًا، رأى مشهدًا مهيبًا، نورًا إلهيًا يفيضُ في القبر المُحيي، يُحيط به ويُضيئه، ويُنير مصابيح الزّيت المُعلّقة." وهكذا انغمس الأسقف تمامًا في النّشوة، وبعد أن اختبرَ تجَلٍّ داخليٍّ نقيٍّ... أنشدَ بصوتٍ قويٍّ "أيّها النّور البهيّ..."
تُعدّ ترتيلة "النّور البهيّ" جزءًا لا يتجزأ من قدّاس النّور المقدّس اليوم، وتُرتَّل قُبَيلَ دخولِ البطريرك إلى الحُجرةِ الدّاخليّةِ للقبر. إنَّ هذا النّور البهيّ يختلف عن ضوء الشّمس المخلوق في عالمنا، فهو النّور غير المخلوق لله الواحدِ المثلّثِ الأقانيم. هذا هو النّورُ الذي استغاث به المؤمنونَ في سبت النّور، وهو النّورُ الذي حلَّ عليهم. وإلى هذا النّور رفعوا ترتيلتهم "أيّها النّورُ البهيُّ"، وهذا النّور نفسه أَنزَلَ عليهم شعاعَهُ الإلهيّ.
في عيد الفصح عام ۹٤٧، وصلَ الكاهنُ اليونانيُّ "نيكيتاس" إلى القدسِ مُمَثِّلاً الإمبراطور "قسطنطين السابع بورفيروجينيتوس"، مُكلَّفاً بتسليمِ هِبَةٍ من الإمبراطور إلى البطريرك "خريستودولوس"، وآملًا أيضًا أن يشاركَ في خدمةِ النّورِ المقدّس.
بعد الخدمة مباشرةً، كتب "نيكيتاس" رسالةً إلى الإمبراطور يصفُ فيها الأحداث التي شَهدَها. وبحسب المخطوطة التي حُفِظَت فيها الرّسالة، في صباح سبت النور، الموافق 7 نيسان ۹٤٧، وصلَ أميرٌ من بغداد إلى القُدس.
التقى الأميرُ أوّلًا بحاكمِ القُدس، ثم توجّها معًا إلى دارِ الولايةِ للقاءِ البطريركِ اليونانيّ. هناك، أبلغَ الأميرُ البطريركَ بقرارِه: منع إقامة طَقس النّور المقدّس لِما لهُ من أثرٍ بالغٍ على العالمِ الإسلاميّ. وتشيرُ الرِّسالةُ إلى قَولِ الأميرِ بأنّ سوريا بأكملها قد امتلأت من المسيحيِّين بسببِ هذه المعجزة.
أبلغَ الموظّفونَ المسيحيّون العاملونَ في مكتبِ أميرِ المدينة، أميرَ بغداد، بأنَّ منعَ
إقامةِ هذا الطّقس سَيَحولُ دون تَحصيلِ الضّرائبِ المستحقّةِ على المسيحيّين. وكان الكاهنُ الإمبراطوريُّ "نيكيتاس" حاضرًا إلى جانبِ البطريرك، مُطَّلِعًا على المحادثات التي يرويها، كما وعلى كُلِّ ما دار داخل الكنيسة. من الحقائقِ المهمّةِ التي يذكرها في روايتِه، أنّهُ في عهدِ البطريرك السّابق (أثناسيوس ۹٢۹-۹٣٧)، أمرَ المسلمون بِوَضعِ قطعةٍ من الحديدِ بدلًا من الفتيلةِ في المصباح، حتّى لا تَتمّ المعجزة. ولكن على الرغمِ من هذه الخدعةِ، اشتعلَ المصباحُ.
قالَ الأميرُ العربيُّ للبطريرك اليونانيّ:
"لا يُسمح لك، أيها الأسقف، بإقامةِ الخدمة؛ ولهذا أنا هنا. لأنّكَ بإجرائكَ لتلك المعجزة الأسطوريّة بحيلةٍ سحريّة، ملأتَ سوريا بأكملها بديانة المسيحيّين، وكدتَ تُحوّلها إلى رومانيا، بقلبِ عاداتِنا رأسًا على عقب."
ولكنّ الأسقفَ، حبيب الله، أجابَ بصوتٍ هادئ:
"لو أنك شهدتَ هذا الأمر مرّةً أو مرّتين فقط، ولَم تكن متأكّدًا منه مرّاتٍ لا تُحصى من خلال الأحداث نفسها، لكانَ من الأسهل علينا تقبّل كلامكَ بأنَّ المعجزةَ تحدثُ عن طريقِ خدعةٍ سحريّةٍ خادعةٍ. ومع ذلك، حتّى في عهدِ رئيسِ الأساقفةِ السّابق، أمرتَ بوضعِ قطعةِ حديدٍ بدلًا من الفتيلِ في المصباحِ المجاورِ لكنيسةِ القيامة، ثم رأينا جميعنا كيف أضاء فجأةً كشمعةٍ، بإرادةٍ إلهيّة. إلى متى ستستمرُّ في استبدادنا بسببِ هذه المعجزة الخارقة؟"
أخيرًا وبعد مفاوضاتٍ، اتّفقَ البطريركُ والأميرُ على إقامةِ الطَّقسِ مقابلَ دفعِ ٧٠٠٠ قطعةٍ ذهبيّة، دُفِعَ منها ٢٠٠٠ قطعة في اليومِ نفْسِه. ولكن أثناء الاتّفاق، حدثَ أمرٌ غير متوقَّع. اشتعلَ مصباحانِ من مصابيحِ الزَّيتِ الموجودةِ في كنيسةِ القيامةِ من تلقاءِ نَفسَيهِما. أُعلنَ عن ذلكَ في دارِ الأسقفيةِ، فسارَعَ البطريركُ مع الأمير وعددٍ كبيرٍ من النّاسِ إلى الكنيسة. هناك، قام البطريركُ مع الحرّاسِ المسلمينَ بإغلاقِ القبر، وبدأتِ الخدمةُ على الفور، بترديدِ الصَّلواتِ الرَّسميَّةِ أمامَ النّاس.
كتبَ "نيكيتاس" في رسالتِه:
"قامَ رئيسُ الأساقفةِ الحكيمِ... مع المسلمين المدنِّسين بإغلاقِ القبرِ المقدَّس، ورفعَ يديهِ على الفور نحو الشَّرق، مع المسيحيّين، وتضرّعوا أخيرًا إلى إلهِ الكُلّ. وعند حوالي السّاعةِ السّادسةِ من النّهار، عندما رفعَ عينيهِ إلى قبرِ مُخلِّصِنا المُقدَّس، شاهدَ بزوغَ النّورِ الإلهيّ؛ إذ قد سمحَ لهُ ملاكٌ بالدّخولِ إلى القبر. وبينما كان يستعدُّ لإضاءةِ العديدِ من المصابيحِ في الكنيسةِ المقدّسة العظيمة، كما جرت العادة، وقبلَ أن ينهضَ من القبر، رأى فجأةً كنيسةَ اللهِ بأكملها يغمرُها نورٌ إلهيٌّ غيرُ محسوس... وهكذا امتلأَ الجميعُ بالدّهشةِ بسببِ هذا الظّهور غير المتوقَّعِ للنّور؛ ورأى بالحقِّ أولئكَ المسلمينَ الكافرين، وقد امتلأوا بالدَّهشةِ والخَجَل." لأنّه يُقال إنه منذ صعودِ المسيح وحتّى ذلك اليوم، كان النّورُ المقدَّسُ يُشعلُ كلَّ عامٍ أحدَ مصابيحِ القبرِ المقدَّسِ، بينما في هذه المرّة، غمرَ النّورُ الإلهيُّ الكنيسةَ بأكملها."
كان "المسيحي" من أبرزِ الأطبّاءِ الفُرُسِ في القرنِ العاشر. كتبَ العديدَ من المؤلّفاتِ الطّبّيّة، أبرزُها موسوعتهُ الطّبّيّة "كتاب المعاني في الطِّب". كما كان معلّمًا للفيلسوف والطّبيبِ الكبير "ابن سينا".
دَوَّنَ المؤرخُ واللّاهوتيُّ الفارسيُّ "البيهقي" (١١٠٥-١١٧٠م) سيرة "المسيحي" في كتابه "تطميم سيوان الحكمة"، الذي يضمُّ سيرًا لأهمِّ عُلماءِ وحكماءِ القرن العاشر. وفي هذا الكتاب، يوردُ "البيهقي" روايةً شخصيّةً "للمسيحي" حولَ النّورِ المقدّس. يروي الطّبيبُ الفارسيّ، واصفًا معجزةَ النّورِ المقدَّسِ بصيغةِ المتكلّم، ما يلي:
قال "المسيحي":
"قصّةُ هذه النّار هي أنّه في اللّيلةِ التي رَفعَ فيها الله عيسى عليه السلام إلى السماء (حسب الفكر الإسلامي)، تنزلُ نارٌ من الأثيرِ في تلك الليلةِ من كلِّ عام، فيراها النّاسُ وتضيءُ مصابيحَ كنيسةِ القيامة، مع أنّه لا توجدُ نافذةٌ ولا فتحةٌ في سقفِها. غير أنَّ النّارَ تضربُ السّقفَ دونَ أن تُشعِلَ الأخشاب، من ثمَّ تُضيءُ المصباحَ والمشاعلَ."
ويشيرُ "المسيحي" إلى أنّ النّورَ المقدَّسَ فاضَ أوّل مرّةٍ ليلةَ قيامةِ المسيح، ومنذ ذلك الحين يفيضُ كلّ عام في اليوم نفسِه. أراد الطّبيبُ الفارسيُّ أن يُطلع أبناءَ وطنِهِ على معجزةِ النّورِ المقدَّس، ومن خلالها على حقيقةِ قيامةِ الإلهِ المتجسّدِ، إذ كان "المسيحي" نفسُه قد اختارَ اتّباعَ هذه الحقيقةَ واعتناق المسيحيّة، وهو قرارٌ أودى بحياتِه في نهاية المطاف.
في حوالي عام ١٠١٢، رفضَ السُّلطان العثمانيّ "محمود الغزنوي" قبولَ خَياراتِ "المسيحي" الدّينيّة، فأمرّ بسَجنِهِ مع اثنين من أبرزِ علماءِ العالمِ الإسلاميِّ في تلكَ الفترة: البيروني وابن سينا، اللَّذَينِ اتُّهِما أيضًا بالهرطقة. تمكّن "المسيحي"، أثناءَ نقلِهِ إلى السِّجن من الفرار مع ابن سينا، لكنّهما عَلِقا في عاصفةٍ هَوجاءَ في الصّحراء، ففارقَ الحياةَ بين ذِراعَي تلميذِهِ الحبيب.
كان الرّاهبُ والمؤرِّخُ الفرنسيُّ "ريتشارد المبارك" (۹٧٠-١٠٤٦) رئيس دير "سانت فان" في "لورين" في فرنسا من عام ١٠٠٤ إلى عام ١٠٤٦. في تشرين الأوّل من عام ١٠٢٦، عُيّنَ رئيسًا لمجموعةٍ من حوالي ٧٠٠ حاجٍّ، قادَهُم من فرنسا إلى القُدس. تألّفت المجموعةُ في معظمِها من عامّةِ النّاس، بالإضافةِ إلى أساقفةٍ ورجالِ دينٍ وبارونات وأرستقراطيّين. بعد رحلةٍ طويلةٍ استمرَّت سبعةَ أشهرٍ، وصلَتِ القافلةُ الكبيرةُ إلى القُدسِ يوم أحدِ الشّعانين عام ١٠٢٧. وبعدَ ستّةِ أيّامٍ، في سبت النّور، شهِدَ "ريتشارد المبارَك" طقسَ فيضِ النّورِ المقدَّسِ.
داخلَ الكنيسةِ المدمَّرَةِ، التي كانت دون سقفٍ، أخذَ المسلمونَ يرشقونَ الحُجّاجَ المسيحيّين بالحجارةَ طوالَ الأسبوعِ العظيم. أصابت إحداها كاهنًا داخلَ القبرِ، فاعتبرَها هبةً عظيمةً من الله. أقيمَ طقسُ النّورِ المقدَّسِ في جوٍّ من الرُّعب. كما هُدِّدَ المؤمنونَ بالقتلِ في حالِ عدمِ ظهورِ النّورِ المقدَّسِ. فبينما كان المسيحيّونَ مُحاصَرين داخلَ الكنيسةِ ينتظرونَ النّور برحمةِ الرَّب، راقبَ مُسَلَّحونَ من غيرِ المؤمنينَ الكنيسةَ بأكملِها بدقَّةٍ، حتّى إذا لم يظهر النّور، يُقتلون جميعًا بالسَّيف. وعند حوالي السّاعةِ التّاسعة، بينما كان الجميعُ يُصَلّون، اشتعلَ مصباحٌ بنارِ الرَّبّ، دون تدخُّلٍ بَشَريّ، فاستولى الذّهولُ والرُّعبُ على جميعِ الكافرين، وفرِحَ المسيحيّون.
في ليلة عيد الفصح الموافق ٤ نيسان ١١۹٢، توجَّهَ "صلاح الدّين"، برفقة حاشيته، إلى قبرِ الرَّبِّ في القُدس. ذهبَ ليكتشفَ حقيقةَ النّور السَّماويِّ الذي ينزلُ عادةً بقوَّةٍ إلهيَّةٍ في ذلك اليومِ من كلِّ عامٍ ويُضيءُ المصباح. راقب "صلاح الدّين" باهتمامٍ لفترةٍ من الوقت، ومعه بعضُ الأتراك، تفانِيَ العديدِ من الأسرى المسيحيّين المُكَبَّلين، وهم يتضرَّعونَ إلى الله بِدُموعٍ. فجأةً، أمامَ أعيُنِهِم، نزلَتِ النّارُ الإلهيّةُ وأضاءَتِ المِصباح! وبدأ المِصباحُ يتوهَّجُ بِشِدَّةٍ. عندما رأى النّاسُ ذلك، تأثّروا بشدَّة. فَرِحَ المسيحيّون وسبّحوا عَظَمَةَ الله بأصواتٍ عالية، بينما ذُهِلَ المُسلمونَ من هذه المعجزةِ الواضحةِ، فأنكروا ما رأوه وزَعَموا أنَّ النّارَ كانت خدعَةً ماكرةً دُبِّرَت لِخِداعهم. رغبةً منهُ في التّأكدِ من الأمر، أمَرَ "صلاح الدّين" بإطفاءِ المصباحِ الذي أُضيءَ بأمرٍ إلهيّ. فلمّا أُطفئَ، أُضيء ثانيةً بِتَدبيرٍ إلهيّ. فأمرَ الكافرُ بإطفائِهِ مرَّةً ثانية، فأُضيء مرَّةً أُخرى، ثمَّ أُطفِئَ للمرَّةِ الثّالثة، فأُضيءَ للمرَّةِ الثّالثة. يا لِعَظَمَةِ قُدرةِ الله! ما الذي يقفُ في وجهِ من لا يُقهَر؟ لا حيلةَ تُجدي نفعًا أمامَ الرَّبّ، ولا أحدَ يستطيعُ أن يُخالِفَ مشيئته. دُهش السُّلطانُ وتأثّرَ بشدَّةٍ لرؤيةِ هذه المعجزةِ وإيمانِ المسيحيّينَ وتفانيهم. وبإلهامٍ نُبؤيٍّ، أعلنَ بحزمٍ: "لا شكَّ أنّني سأرحلُ عن هذه الحياة قريبًا، أو سأفقدُ هذه المدينة". لَم تُخذِه النّبوءة، فقد توفّيَ "صلاح الدّين" خلالَ الصَّومِ الكبيرِ التّالي.
عام ١٨٣۹، عُيّن الأسقفُ القبرصيُّ "ملاتيوس" قنصلاً بطريركيًّا، ومنذ ذلك الحين، كان يُعيّن رئيسًا لطقسِ فَيضِ النّورِ المقدَّسِ كلَّ سبتٍ مُقدَّس. في سبت النور عام ١٨٤٦، دخلَ البطريرك "كيرلس" والأسقف "ملاتيوس" معًا كنيسةَ القيامة. وبينما كان الجميع يتوقّع أن يترأس البطريرك "كيرلس" الطّقس، استمر الأسقف "ملاتيوس، بموافقته، في قيادتها.
إنَّ وَصفَ هذه المراسِم تحديدًا قد تمَّ على يدِ شاهِدِ عيان: الرّاهبُ المولدافيّ "بارثينوس أجييف"، الذي سجَّلَ الرِّواية الشَّفَويَّة التي تُفيدُ بأنَّ عامودَ بوّابة كنيسة القيامة اشتعلَ عام ١٥٧۹ بعد أن ضربتهُ صاعقة. إنّ رواية "بارثينيوس" عن احتفال عام ١٨٤٦ ذات أهميّة خاصّة. فهو يتحدّث عن نهرَين من النّار انتشرا داخلَ الكنيسة، ويخبرنا أيضًا أنّه في منتصف القرن التّاسع عشر، استمرَّ المسلمون يحضور الطَّقسِ والاحتفال بالمعجزة بحماسٍ شديد.
كتبَ الرّاهبُ المولدافيّ:
"فتح الأتراكُ قبرَ المسيحِ وأطفأوا جميعَ المصابيح. ثم حضرَت السُّلُطاتُ التّركيّةُ والباشا نفسه... كانت الكنيسةُ مكتظّةٌ وخانقة بشكلٍ غيرِ معتاد... لم يكُن هناكَ أيُّ شيءٍ مُضاء. توجّهَ البطريركُ إلى الأيقونسطاس الرَّئيسيّ مع القنصل. جلس "ملاتيوس"، أسقف شرق الأردن، قربَ المذبح مع بقيّةِ الأساقفة... بعد انتهاء الزّياح، دخلَ جميع الإكليروسِ بسرعةٍ إلى المذبح حاملينَ الرّايات. بقيَ الأسقف "ملاتيوس" وحيدًا عند مدخلِ القبرِ بينَ أيدي الأتراك. جرَّدَهُ الأتراكُ من ملابِسِه، وفتَّشَتهُ السُّلطات. ثم وَضعوا عليه الأموفوريون، وفتحوا قبرَ المسيح، وسمحوا لهُ بالدُّخول... مَرَّ بعضُ الوقت، لا أعرف كم، إذ كنّا جميعنا في حالةٍ من الذُّعرِ الشَّديد. ولكن فجأةً، فاضَ نورٌ قربَ قبرِ المسيح. وسرعان ما ظهر نورٌ أيضًا عندَ المذبحِ عند مدخلِ الأبواب المُلوكيّة. وتدفّقَ كنَهرَينِ من نار، أحدُهُما من الغرب، من قبرِ المسيح، والآخرُ من الشَّرقِ، من المذبح. يا له من فرحٍ وابتهاجٍ عمَّ الكنيسةَ حينَها! بدا الجميعُ وكأنّهم سكارى، ولم نَعُد نَدري مَن يقول ماذا، أو مَن يركض إلى أين! وارتفعَ ضجيجٌ عظيمٌ في أرجاءِ الكنيسة. كان الجميعُ يركضون، والجميعُ يصرخون فرحًا وشكرًا - وخاصَّةً النِّساءُ العربيّات. حتّى الأتراك أنفسهم، المسلمون، سَجَدوا على رُكَبِهِم وهتفوا: "يا الله، يا الله". يا له من مشهدٍ غريبٍ وعجيب! تحوّلَت الكنيسةُ بأكملِها إلى نار. لم يكن يُرى في الكنيسةِ شيءٌ سوى النّارِ السَّماويَّةِ."
وُلد أسقف قيصرية، "أريثاس" (٨٦٠-۹٤٤)، في باترا باليونان، وكان من أبرز علماء اللاهوت في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. كان عالمًا مُحبًّا لكلّ ما هو أثريّ (له الفضل في نَسخِ مخطوطاتِ أفلاطون، أرسطو، أريستيديس، أثينيوس، يوقليدوس وكثيرين غيرهم وحِفظِها إلى يومنا هذا)، في إحدى رسائله، التي كتبها في مطلع القرن العاشر والموجّهةً إلى أمير دمشق، أشار إلى معجزة النّور المقدّس. في رسالته الأهم، كتب "أريثاس":
"لا يزال قبرهُ المقدّسُ حتّى يومنا هذا، يصنعُ المعجزات كلَّ عامٍ في يوم القيامة. لأنّه عند إطفاءِ جميعِ المصابيحِ في القُدس، حيث يقعُ قبرُهُ المقدَّس، صنعَ المسيحيّون مصباحًا مزيّنًا ومُغطًّى بالقماشِ والحريرِ الأحمر. وبينما كان أميرُ القدسِ حاضرًا ومُغلِقًا مدخل كنيسةِ القيامة، وكان المسيحيّون يُنشدون في الكنيسة "يا ربّ إرحم"، فجأةً، ظهر برقٌ وأُضيئ المصباحُ بالنّار. ومن هذه النّار، أشعلَ جميع سكّانُ القدسِ مصابيحهم."
وتُعدّ شهادة الأسقف اليونانيّ ذات أهمية بالغة لسببين: أوّلهما، أنه أوّلُ شاهدٍ يُفيد بأنَّ كنيسةَ القيامة ظلَّت فارغةً أثناء طقسِ النّورِ المقدَّس، بعد أن ختمها أميرٌ مسلمٌ من القدس؛ وثانيهما، أنّه أوّلُ شاهدٍ يُفيد بأنَّ النّورَ المقدَّسَ نزلَ على هيئةِ برقٍ، فأضاءَ المِصباح.