
الصّومُ نعمةٌ إلهيّةٌ
حِواراتٌ مَعَ الأبِ "ديونيسيوس إغناط"
نقلَتْهُ إلى العربيَّةِ: فيرنا جدعون
مقدّمة المحرِّر: "الشّيخ ديونيسيوس" (1909-2004) هو راهبٌ رومانيٌّ، أُعلِنَتْ قَداسَتُهُ مؤخَّرًا، عُرِفَ بِـ" القدّيس ديونيسيوس من كولتشو". انحدَرَ من "بوتوشاني"، وسِيمَ راهبًا في جبل آثوس عندَمَا كان في السَّابعةَ عشرَةَ من عمرِه، وعاشَ ناسِكًا وأَبًا رُوحِيًّا في قلّاية القدّيس "جاورجيوس" في "كولتشو" مُدَّةَ ثمانيةٍ وسبعِينَ سنةً . أعْلَنَتِ البطريركيّةُ المسكونيّةُ قداستَه عامَ 2025 لِتواضعِه وحكمتِه، وَيُعيَّدُ لَهُ في الحادي عَشَرَ من أيّارَ. لَهُ حِواراتٌ حكيمةٌ ومُلْهِمةٌ، منها هذه المقالَةُ الَّتي تتَضمَّنُ نصائحَ في زمنِ الصَّومِ.
س: حَدِّثْنا، أيُّها الأبُ "ديونيسوس" عَنِ الصَّومِ. لم يَعُدِ المسيحيُّونَ يَصُومُونَ حَسَنًا اليومَ كما اعتَادُوا أَنْ يَفعَلُوا في السَّابِقِ. فَكُلٌّ يصومُ على هَواهُ...
ج: بالفِعلِ، كلُّ واحدٍ يصومُ كمَا يشاء. لكنَّ الأمورَ لا تسيرُ كما نُرِيْدُ.
لقَد وَضعَ الآباءُ القدّيسُونَ أُسُسَ الصّومِ في المجامعِ المسكونيّةِ السّبعَةِ، وإنِ التَزَمْنَا بِهَا، فسننالُ نعمةً إلهيّةً عظيمةً. وإنْ لَم نلتزمْ بها، فسنَبدَأُ بالتَّأَفُّفِ قائليْنَ: "آهٍ، صومُ الرُّسُلِ! نعم، إنَّهُ ليس بتلكَ الأهمِّيَّةِ. صومُ رقادِ والدةِ الإله! أعني، إنّ والدةَ الإلَهِ تعلَمُ أنّنا لا نستطيعُ حتّى أن نَصومَ الصَّومَ الكبيرَ! إنّه طويلٌ جدًّا - سبعةُ أسابيعَ -!" وهكذا، نَختلقُ أَعذارًا لأنفسِنا، لِنتَملَّصَ أَوَّلاً، ثُمَّ نتخلَّى عن الأصوامِ تمامًا. ولكنْ إنْ لم نَصُمْ، فَلن ننَالَ شيئًا! لأَنَّ الصَّومَ، في النّهايَةِ، نِعْمَةٌ إلهِيَّةٌ.
انظُرْ، لقدْ سبقَ وتمَّ تخفيفُ الصَّومِ منذُ زمنٍ بعيدٍ. عندَما كُنْتُ لا أزالُ فتًى في المدرسةِ، كانَ النّاسُ يصُومُون في الأسبوعِ الأوّلِ والأسبوعِ العظيمِ فقط منَ الصّومِ الكبيرِ، وأمّا في الفترةِ الممتَدَّةِ بين هذَينِ الأسبوعَينِ، سَمحوا لأنفُسِهِم بِتَنَاوُلِ كلِّ شَيْءٍ فيها. ولكنْ إن ابتَعَدْنَا عَنِ الحَقِّ1، وانحرَفْنَا عَنْهُ، فهذا يعنِي أَنّنَا أَصْبَحْنا عُرْجًا. نعرُجُ أوّلًا على سَاقٍ واحدةٍ، ثمَّ على الاثنتَينِ، حتّى نقول: "آه، اللهُ يعلمُ! سوف أعيشُ كما يعيشُ الآخرُونَ."
أترى؟ عليكَ أَنْ تُبديَ القليلَ من الاهتمامِ، واللهُ سوفَ يُعينُنَا.
س: بالفعل، أيُّ نوعٍ من المسيحيّين هو ذاكَ الذي لا يحترمُ الصّومَ؟ يصبحُ انتماؤكَ الدّينيُّ عندئذٍ عديمَ الأهمّيّةِ... أنتَ تقولُ: إِنّكَ مسيحيٌّ، ولكن إنْ كنتَ لا تصومُ، فبماذا تختَلِفُ عَنِ الوَثَنِيِّ؟
ج: هل لاحَظْتَ انتِشَارَ الشَّرِّ، وسأَلْتَ نَفْسَك: لِمَ؟ الكاثوليكُ لا يصُومُون، وهم يُبرِّرُونَ أنفُسَهم بأَدِلَّةٍ من الكتابِ المُقَدَّسِ، كما يفهمُونَه، وكأنَّ الصّومَ غيرُ ضروريٍّ بَتَاتًا. ولكنَّ الكاثوليكَ كانُوا حاضِرِينَ في المجامعِ المسكونيَّةِ المقدّسَةِ السَّبعةِ، لأنّه لم يكُنْ هناكَ انشقاقٌ بينَنا آنَذَاكَ – ومَعَ ذلكَ، فقد وصَلُوا شيئًا فشيئًا إلى مرحلةٍ توقَّفُوا فيها عنِ الصَّومِ.
كنتُ أَتَحَدَّثُ إلى راهبةٍ كاثوليكيَّةٍ في رومانيا عام 1939، فقالَت لي: "إنِ اسْتَطَعْتُ، فإنّنِي أَمتنِعُ عن أكلِ اللّحمِ يومَ الجمعةِ العظيمةِ - إن استَطَعْتُ؛ وإنْ لَم أستطِع، فإنّني آكلُ اللَّحمَ."
لا يرَى الكاثوليكُ حرجًا في أكلِ اللَّحمِ في يومِ الجمعةِ العظيمةِ، عندَما رُفِعَ المخلِّصُ على الصَّليبِ! وهؤلاءِ كانُوا في وقتٍ من الأوقات، مسيحيِّينَ أرثوذكسيِّينَ مثلَنا، وانظُروا مَاذا حَدَثَ.
أَذكُرُ لَكم هذا كَمِثالٍ. ففي النّهايةِ، عندما يَبدأ شخصٌ ما بالنُّزولِ من جبلٍ، فإنّه عمليًّا يركُضُ؛ لأنّه إن مَشَى، فسيَصْعُبُ عليهِ التَّوقُّفُ. يصِلُ الأمرُ إلى حدِّ أنْ يَقولَ أحدُهُم: "لماذا أَصُومُ؟ يقول الكتاب المقدَّسُ:" لَيْسَ ما يَدْخُلُ الفَمَ يُنَجِّسُ الإِنسانَ بَلْ ما يَخرُجُ مِنَ الفَمش هُوَ الَّذِيْ يُنَجِّسُ الإِنسانَ " (متى 15: 11).
صَحَحٌ هذا الكلامُ ، ولكنْ لَيْسَ تَمامًا لقدْ وضَعَ الآباءُ القدِّيسُونَ أُسُسَ الأصوامِ كُلِّها، لِأَنَّكَ بِهِ تَكْبَحُ جماحَ أَهوائكَ. فَأنتُمْ تَصُومونَ إِكرامًا لِآلامِ المُخلِّصِ:"أنا أصوم لأنَّ المخلِّصَ قد تَأَلَّمَ من أَجْلِي"، وهكذا دَوالَيكَ. ولكن في الحالةِ الَّتي وَصَلَت إليها البشريَّةُ اليومَ، مَاذا عسانا أَنْ نتوقَّعَ غيرَ ذَلِكَ ؟
من محادثةٍ مع راهبٍ من إسقيط "لاكو" في جبل آثوس،
في 9 تشرين الثّاني، 2002
***
س: يقولُ البَعْضُ: لا نستطيعُ أَنْ نصُومَ اليَومَ، لأنَّنَا إنْ فَعَلْنَا، وامتَنَعْنَا عن أكلِ اللّحومِ، فلن نستطيعَ القِيامَ بِأَعمالٍ جَسَدِيَّةٍ.
ج: يفكّر النَّاسُ بهذِه الطّريقةِ، ولكنَّها ضَلالةٌ. إنّهَا خديعَةٌ من العَدُوِّ، لأنَّ الطّبيعةَ البشريَّةَ اليومَ ممتلئَةٌ أَهواءً. وإنِ استَقَرَّتِ الأهواءُ في ذِهنِ الإنسانِ وقلبِهِ وأفكارِهِ، تتحوَّلُ إلى طبيعةٍ ثانيةٍ. وإن أصبَحَتْ طبيعةً ثانيةً، فسوفَ يَقُولُ: "إنْ لَم آكُلْ لحمًا، فسَأَمُوت. هذَا كلُّ ما في الأمرِ." ومعَ أفكارٍ كهذِهِ، فإنَّهُ يموتُ حقًّا!
هذا ليسَ صحيحًا. هذَا هوًى قد وضَعَهُ الشّرّيرُ الَّذي يُديرُ مخزنَ كلِّ الشّرُورِ، ويُلقي ببذورِ الأعمالِ الشّرّيرةِ علينا، في قلوبِنا ونُفوسِنَا. وإن مالَتْ طبيعتُنا نحوَ واحدَةٍ من هذه الشُّرورِ الَّتي يلقيها علينا، فإنّه "سيُساعدُنا" بهَذا الشَّرِّ. أترغبُ بشربِ الفودكا؟ "سيُساعِدُكَ" على ذلك! أتودُّ أن تأكلَ طعامًا أكثرَ دسامةً؟ "سيُساعِدُكَ" على ذلك أيضًا، إلى أن يستقرَّ الشَّرُّ في نفسِك. أتريدُ أن تُلقيَ كذبةً؟ سوفَ "يُساعِدُكَ" في ذلك، إلى أنْ يَتَجَذَّرَ الهوى وَيَنموَ. وإذا نَمَا ، فهذا يعني أَنَّهُ قَدْ تجذَّرَ في قلبِكَ ونفسِكَ. وإنْ تَجَذَّرَ، فإنَّ هذَا الجذرُ هوَ الطَّبيعةُ الثَّانيةُ الّتي تُقنِعُكَ بِأنّكَ إن لمْ تأكُلْ أو تشْرَبْ ما تريدُ، فَسَوفَ تَمُوتُ. لكنَّ هذا ليسَ صحيحًا! هذا مِنْ صُنعِ المُجَرِّبِ.
فَكُلُّ هوًى ترَسَّخَ وتَجذَّرَ في قلبِ الإنسانِ، صَعْبٌ اقتِلاعُهُ. لذلك، يُعلِّمُ الآباءُ القدّيسُونَ أنَّ كلَّ فكرةٍ شرّيرةٍ موجودةٍ في قلوبِنَا ونفوسِنا، هي جليَّة، وعلينا أن نكونَ على يقينٍ أنَّها من المُجَرِّبِ، وأن نُسارعَ إلى أبينَا الرّوحيِّ ونقول له: "هذَا ما يُمليهِ عليَّ ذِهْنِي يا أبي. إنّ ذهنيَ يميلُ إلى كذَا وكَذا" - فَيُرْشِدَكَ أبوكَ الرّوحيُّ بما تُنيرُه به نعمةُ الرّوحِ القُدُسِ.
وبذلكَ، تُخزي العدُوَّ؛ لأنّكَ إن لَمْ تذهبْ إلى الاعترافِ، فإنَّ الأهواءَ الَّتي وضَعَها المُجَرِّبُ في قلبِكَ ونفسِكَ ستسيرُ بكَ إلى الهلاكِ. وإن حدثَ ولَم تَجِدْ كاهنًا، فاعترِفْ إلى إنسانٍ آخَرَ، كما يقولُ الرُّسل القدّيسُون "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِزَلاَّتِكُمْ ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُبْرَأُوا" (يعقوب ٥: ١٦)، لكي تنالَ على الأقلِّ بعضَ العونِ والشِّفاءِ، إذ لا سبيلَ للشِّفَاء إلّا بذَلِكَ.
من مُحادثة في 27 نيسان، 2002
ينابيع الماء الحيّ، ص. 165-169
المصدر:
https://www.orthodoxethos.com/post/fasting-is-divine-grace
1. فليَسقُط أيُّ أسقفٍ أو كاهنٍ أو شمّاسٍ أو قارئٍ أو مُرَتِلٍّ، لا يصومُ صومَ الفصح ِالأربعينيِّ المقدَّسِ، أو يومَي الأربعاءِ والجمعةِ من كُلّ اسبوع، إلّا إذا اضطرَّتهُ إلى ذلك عِلَّةٌ جسديّة، أمّا العامّيّ الذي لا يصومُ فَيُقطَعُ من الشّرِكَةِ. (القانون 69 من قوانين الرُّسُل القدّيسين، القوانين 29، 56، 89 من المجمع المسكوني السّادس، القوانين 49، 50، 52 من مجمع اللّاذقيّة، القانون 15 من قوانين القدّيس بطرس الإسكندريّ، القانون 1 من قوانين القدّيس ديونيسيوس الإسكندريّ، والقوانين 8 و 10 من قوانين القدّيس تيموثاوس الإسكندريّ).