الأرثوذكسيُّون الاتِّحاديَّون: خطرٌ علَى الكنيسَةِ
المتروبوليت إيروثاوس فلاخوس
نقلَهُ إلى العربيَّةِ: الشَّمَّاس مكسيموس سلُّوم
في جنازة البابا فرنسيس، كان هناك جمعٌ من لابسي الثِّياب الكهنوتيَّة ينشدون: "المسيح قام" باللُّغَة اليونانيَّة، مما أثار إعجابَ العديدِ من الصَّحفيّين اليونانيِّين، الَّذين دُهِشوا لأنَّ العالمَ بأسرِه الَّذي حضرَ الجنازةَ سَمِع اللُّغَةَ اليونانيَّةَ من خلالِ هذا التَّرتيلِ. وقد اعتبروا ذلك تكريمًا مَهيبًا. غيرَ أنَّهم لم يكونُوا على علمٍ بأنَّ هؤلاءِ إنَّمَا هم اللاَّتِينُ الاتِّحاديِّون الَّذين يحتضنُهم الفاتيكانُ، وينشَطُون في العديدِ من البلدانِ الأرثوذكسيَّةِ، على حسابِ المسيحيِّين الأرثوذكسيِّينَ.
كلمة "الأونيا" (Unia) من أصلٍ لاتينيٍّ- بولّنديٍّ، وتعنِي "الاتِّحاد"، وهي تشيرُ إلى شكلٍ خفيٍّ من أشكالِ الاتِّحادِ بينَ الأرثوذكسِ واللاَّتِين، مِن دونِ أيِّ اعتبارٍ للخلافاتِ العقائديَّةِ. ويُعتبر مجمع اللاتران الرَّابِع المنعقد سنة 1215، نقطة البداية لِما يُعرف بالأونيا، إذ سُمِح فيه، من قِبل البابا، للأرثوذكسيِّين في الشَّرقِ أن يحتفظُوا بعاداتِهم الكنسيَّةِ، مقابلَ ذِكر اسمِ البابَا في الصَّلواتِ، وبذلك يكونونَ في شَرِكَةٍ مع اللاَّتِين.
بموجبِ مرسومٍ بابويٍّ صادرٍ عن البابا إينوكنديوس الرَّابِع سنة 1254، أُجيزُ نظامُ "الأونيا" للشُّعوبِ الشَّرقيَّةِ. وهو نظامٌ وحدويٌّ، يُشبهُ "حصان طروادةَ لاتِّحادِ الكنائسِ"، يتجاوز الحوارَ لحلِّ الخلافاتِ العقائديَّة. وقد بدأ تطبيقُ هذا النِّظامِ فعليًّا معَ مجمع فرَّارا - فلورنسا في عام 1438 - 1439. هذا النِّظامُ الوحدويُّ يضلِّلُ كثيرينَ من الأرثوذكسيِّينَ، إذ يعملُ في صميمِ الشَّعبِ الأرثوذكسيِّ، حيث يمتلكُ أتباعُهُ كنائسَ بيزنطيَّةٍ، ويرتدِي الإكليروسُ اللِّباسَ الأرثوذكسيَّ، وتُقام الخِدمُ الإلهيَّةُ والصَّلواتُ على الطَّريقةِ الأرثوذكسيَّةِ عينِها، غير أنَّهم يذكرُون البَابا (في الذَّبيحةِ الإلهيَّةِ)، ويتَّبِعُون التَّعليمَ اللاَّتِينيَّ الفاتيكانيَّ. كانَ برلعامُ راهبًا اتِّحاديًّا قدَّمَ نفسَه على أنَّه أرثوذكسيٌّ، غير أنَّه تبنَّى السكولاستيكيَّةَ واتَّبعَها، وهي التَّعليمُ العقائديُّ الثَّابتُ للكاثوليكيَّةِ.
يكتبُ القدِّيسُ مرقس إفجانيكوس (الأفسسيَّ)، الَّذي جاهدَ في مجمع فرَّارا - فلورنسا ولم يُوقِّعْ على الاتِّحادِ الزَّائفِ، في إحدى رسائِله مشيرًا إلى الأرثوذكسيِّينَ الَّذين يقبلُون تعاليمَ اللاَّتِين وهم لا يزالُون في الكنيسةِ الأرثوذكسيَّةِ، فيسمِّيهم:"اليونانيِّين اللاَّتِينيِّين"، و"ذوي الذِّهنيَّة اللاَّتِينيَّة"، و"أناسًا مُختلطي الجِنس كالقنطور1 (Hippocentaur) في الأساطيرِ". ويكتب أيضًا: "اهربُوا منهم كما يهربُ الإنسانُ من الحيَّةِ، فإنَّهم يشبهُونها، بل هم أسوأُ منها، لأنَّهم تُجَّارُ المسيح وبائعوه"؛ بل ويوصي، قائلاً: "لذلكَ، أيُّها الإخوةُ، تَحاشُوهم وابتعدُوا عن مخالطتِهم"، لأنهم "رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ غَاشُّونَ، يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شَكْلِ رُسُلِ الْمَسِيح".
لذلكَ، فإنَّ الَّذين أنشدُوا "المسيح قام" باللُّغَةِ اليونانيَّةِ في جنازة البابا فرنسيس هم الاتِّحاديُّون الَّذين يحفظُونَ المظاهرَ الأرثوذكسيَّةَ كلَّها، ولكنَّهم ينتمُون إلى الفاتيكان، ويضلِّلون الأرثوذكسَ البسطاءَ أو الَّذينَ يجهلُون الأمورَ اللاَّهوتيَّةَ والكنسيَّةَ. وإلى جانبِ هؤلاءِ الاتِّحادِيِّيْنَ المُنتمينَ للفاتيكانِ، لدينا اليوم أيضًا نوعٌ آخرُ غريبٌ من الاتِّحاديِّين، الَّذين ينتمونَ إلى الكنيسةِ الأرثوذكسيَّةِ، من لاهوتيِّينَ وإكليروسَ أرثوذكسيِّين، الَّذين لا ينتمون إلى الفاتيكان، لكنَّهم متأثِّرون باللاَّهوت السّكولاستيكيّ والسّكولاستيكيّ الجديد، ويخالفُون قراراتِ المجامعِ المسكونيَّةِ.
يعلِّمُونَ ويتصرَّفُونَ كأرثوذكسيِّينَ، ويُعتبَرُونَ أعضاءً في الكنيسةِ، لكنَّهم ذُو ذهنيَّةٍ لاتينيَّةٍ - سكولاستيكيَّةٍ، أشبهُ بـ"أرثوذكسيِّينَ اتِّحاديِّينَ"، يظنُّون أنَّه لا فروقاتِ لاهوتيَّةً بينَ الكنيسةِ الأرثوذكسيَّةِ والفاتيكانِ. هؤلاءِ لا يفتقِرُونَ فقَط إلى المعرفةِ اللاَّهوتيَّةِ، وإِنَّما يُشَكِّلونَ،أَيْضًا، خَطَرًا على الكنيسةِ!
https://www.mystagogyresourcecenter.com/2025/08/orthodox-uniates-dangers-to-church.html
1 القنطور هو مخلوقٌ أسطوريٌّ إغريقيٌّ نصفُه العُلويُّ بشريٌّ ونصفُهُ السُّفليُّ حصانٌ. ويقصد هنا القديس أنَّه كمَا هذا المخلوقُ هو كائنٌ هجينٌ يجمع بين كائنَينِ مختلفيَنِ الإنسانِ والحيوانِ، كذلك الأرثوذكسيُّون ذو الفكرِ اللاَّتِينيّ الَّذين يشكِّلون حالة هجينةً بين الشَّكل الأرثوذكسيِّ والمضمونِ اللاَّتِينيّ. (المترجم)