صُعُوباتُ الحَيَاةِ بَرَكَةٌ (2/8)
تَحَمُّلُ الصُّعُوبَات بِفَرَحٍ
الرّاهبِ أغابيوس
نقلَه إلى العربيَّة: إيلي عيسى
لا أَحدَ مُسْتَثْنًى منَ الأحزانِ والصُّعُوبَاتِ في هذِهِ الحياةِ. لذلكَ علينا أن نتحمَّلَ صُعوباتِ هذهِ الحياةِ بفَرَحٍ، فَخلاصُ نُفُوسِنا هو في الطَّرِيق الضَّيِّقِ المَليْءِ بالأحزانِ والصِّعابِ، ومِنْ خلالِه نقتدي بربِّنَا يسوعَ المسيحِ ونتبَعُهُ، فَهو الّذي عانَى كثيرًا في هذِهِ الحياةِ. لقد اختارَ هذا الطَّرِيقَ لنفسِهِ ولأتباعِهِ بَعَدَهُ، وأعلمَنا أَنَّنَا لَنْ نكونَ تلامِيْذَ مَا لَمْ نحمِلْ صليبَنا ونتبعُهُ: «وَمَنْ لا يَحْمِلْ صليبَه ويَتْبَعْنِيْ فلا يَسْتَطِيْعُ أَنْ يَكونَ لي تلميذًا» (لوقا 14: 27).
لَنْ نُحْرِزَ تَقَدُّمًا في حَيَاتِنَا الرُّوحِيَّةِ، كما لَنْ نُصْبِحَ وَرَثَةَ المسيحِ معَ قِدِّيْسِيْهِ إِلاَّ عِندَما نَسْبَحُ في مياهِ الأحزانِ؛ فربُّنا والقِدِّيْسُونَ أَجمعُونَ تمجَّدُوا بعدَمَا حَمَلُوا صليبَهم أَوَّلًا. صليبُ الأَلَمِ هذَا كريمٌ للغايةِ ويُوَقِّرُهُ الرَّبُّ لأَنَّهُ وَعَدَ أَنْ يكونَ إلى جانِبِ من يتألَّمُ، لِيُخَلِّصَهُ من مِحنَتِهِ ويمجِّدَهُ بطريقةٍ عجيبةٍ: «مَعَهُ أنا فِي الضِّيْقِ، أنقذُهُ وأمجِّدُهُ» (مزمور 90: 15).
إذاً، مَن ذا الّذي لا يُرحِّبُ بصُعوباتِ الحياةِ بفرحٍ ويَغتنمُ الفرصةَ ليَحْظَى بِمُرافِقٍ كهذا عَذْبٌ أمينٌ وقديرٌ؟ اللهُ، في تَحنُّنِهِ وحِكمتِه، يسمحُ أنْ نواجِهَ أحزانًا صغيرةً وعابِرَةً كهذه ليَهِبَنَا خيراتِ ملكوتِهِ السَّمَاوِيِّ الأزليِّ الَّذي لا يُوصَفُ.
حقًّا، يجبُ أن نشكُرَ من يؤذِينَا ويَسخرُ منَّا أكثَرَ مِمَّن يُساعدُنا ويَدعمُنا. أولئِكَ الَّذين يُخْطِئُون في حقِّنَا يُصبِحون عوامِلَ لِتَنقِيَةِ أَنْفُسِنا، والَّذين من خلالِهم نَحظَى بمغفرةِ خَطايَانَا. عِندَمَا يَسمحُ ربُّنا الكلِّيُّ الرَّحمةِ بمواجهةِ الصِّعابِ والأحزانِ، يُظهِر لنا محبَّةً أكبرَ من تِلكَ الَّتي يُظهِرُها عندَمَا يَمنحُنا السَّعادَةَ المؤقَّتَةَ والعَزَاءَ الرُّوحيَّ.
فِعْلاً، علينا أن نَزْدَرِيَ أولَئِكَ الَّذينَ يُعيقُونَنَا عن الصَّليبِ ونُحبَّ الَّذِين يُحزِنُونَنَا، تمامًا كما يُعلِّمُ الإنجيلُ المقدّسُ. إنَّ بُطرُسَ، عندَما لم يَشَأْ رؤيةَ معلِّمِهِ يتعذَّبُ جرَّاءَ محبَّتِهِ لَهُ، حثَّهُ على ألَّا يموتَ على الصَّليبِ، فانتهرَهُ الرَّبُّ قائلاً: «اذْهَبْ خَلْفِيْ، يا شَيطَانُ! أنت معثِرَةٌ لي، لأنَّكَ لا تَهتَمُّ بما للهِ لكنِ بما للنَّاسِ». (متى 16: 23).
بناءً على مَا تَقَدَّمَ، يجبُ أن نُدركَ أنَّ الأحزانَ مَرْضَاةُ الرَّبِّ؛ أيضًا، كذلكَ يَجدرُ بنا تجنُّبُ أولئكَ الَّذين يَنصَحُونَنَا بالتَّخلِّي عن صَليبِنا. هذا هو بالضّبط ما قامَ بِهِ الرَّبُّ: نَعَتَ يَهوذا بِـ"صَاحِبِهِ" (متّى 26: 50) عندما خانَ يَسوعَ وأسلمَهُ بقُبلَةٍ، مُبيِّنًا لنَا بهذه الطَّرِيقةِ أنّهُ يجدرُ بنا اعتبارُ مُضطهدِينا أصدقاءَ لنا ووُسَطاءَ لخلاصِنا.
فَمِنَ السَّذاجةِ أَنْ نَتَهَرَّبَ من الحُزنِ. فكلَّما حاولْنا تفادِي الأحزانِ والمشقّاتِ، قَوِيَتْ عَلَيْنَا أكثرَ. وعلى العكسِ من ذلكَ، متى تَقَبَّلْنا الصِّعابَ والأحزانَ بفَرَحٍ، تصبحْ ضعيفةً فتَتَهاوى أمامَنا، تمامًا كما ذَهبَ يسوعُ بملْءِ إرادتِهِ لمُلاقاةِ أعدائِهِ: «فخَرجَ يَسوعُ وهو عارِفٌ بِجَمِيْعِ ما يَأْتِيْ عَلَيْهِ وقالَ لَهُمْ : ’مَنْ تَطْلُبُونَ ؟’ فَأجَابُوهُ: ’يسوعُ النّاصِرِيُّ’. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوْعُ: ’أَنا هُوَ’. وكانَ يَهُوذَا الَّذِيْ أَسْلَمَهُ وَاقِفًا مَعَهُم. فَلمَّا قَالَ لَهُمْ: ’أَنا هُوَ’ ارْتَدُّوا إِلى الوراءِ وَسَقَطُوا على الأَرْضِ» (يوحنا 18: 4-6).
حقاً، يمكنُنا أن نختَبرَ فرحَ الفردوسِ عندَما نجدُ أنفُسَنَا مُسَمَّرِينَ على صَليبِ الأحزانِ، إذا شكَرْنَا اللهَ في الأوقاتِ الصَّعبةِ واعترَفْنا أنَّنَا نَسْتَحِقُّ الأَلَمَ، تمامًا كَمَا فعلَ اللِّصُّ الصَّالحُ عندَمَا كانَ معلَّقًا على الصَّليبِ. فقدِ اعترفَ أنَّ المسيحَ هو الرَّبُّ، وانتهرَ اللِّصَّ الآخرَ قائِلاً: «أَما تَخْشَى اللهَ وَأَنْتَ تَحْتَ هذا القَضاءِ بِعَيْنِهِ. أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّا نَنالُ ما تَسْتَوْجِبُهُ أَعمالُنا. وأَمَّا هذا فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مُخالِفًا» (لوقا 23: 40-41).
هل ترى عِرفان هذا اللِّصِّ بالجميلِ؟ الأشخاصُ الَّذين يُحبّونَ اللهَ يَتَصَرَّفُونَ على هذا المِنوالِ. يفهمُون أَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ الإدانةَ، لكنْ فيما هم معلَّقُونَ على صليبِهم لا يَفقدُون الرَّجاءَ بل يُصَرِّحُون أنَّ يسوعَ هو اللهُ القديرُ، ويتوسَّلُونَ إِليه أنْ يكُونُوا مستحقِّينَ لدخولِ ملكوتِه السَّمَاوِيِّ.
كلَّما احتملْنا صليَبنا بصبرٍ أكبرَ خَفَّ حِملُهُ عليْنا. فإذا حملْنا صليبَنا بحماسةٍ وفرحٍ، فَسَيُصبِحُ مصدرَ فرحٍ عظيمٍ، وذكرى من مخلِّصنا تُلازِمُنَا باستمرارٍ، ورجاءً لِحياةٍ أَبَدِيَّةٍ في الفردوسِ، تمامًا كما أصبحَ الصَّليبُ مصدرَ سعادةٍ للِّصِّ الَّذي سَمِعَ هذه الكلِماتِ المُغبَّطةَ منَ الرَّبِّ: «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ الحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ اليَوْمَ تَكُوْنُ مَعِيْ في الفِرْدَوْسِ» (لوقا 23: 43).
تَتَحقَّقُ درجةٌ مُمَيَّزَةٌ من الكَمَالِ عندَمَا يبقى المرءُ مُلتَصِقًا بالصَّليبِ بصَبرٍ مع إصرارٍ على محبَّةِ اللهِ، مِنْ دونِ تذمُّرٍ على اللهِ أو على الآخرينَ بحِجَّةِ أنّ صليبَه لا يُحتمَلُ. مغبوطٌ هو الإنسانُ الَّذي يشكرُ الرَّبَّ ليس فقط في أوقاتِ الفقرِ والمَرضِ وموتِ أحدِ أفرادِ العائلةِ والمصائبِ الأخرى، بل أيضًا يُبارِك اللهَ ويُمجِّدُهُ على الدّوامِ حتّى عندَما يقتربُ الموتُ مِنْهُ، وبفرحٍ يتقبَّلُ كلَّ صليبٍ لأجلِ محبَّةِ اللهِ.
يُشبهُ إنسانٌ كهذا الشُّهداءَ القدّيسِيْنَ الَّذينَ مَجَّدُوا اللهَ عندَمَا كانُوا يتعرَّضُونَ للتَّعذيبِ على الصَّليبِ وشكرُوهُ لأنَّهُ سمحَ لهم بالموتِ لأجلِ اسمِهِ القدُّوسِ.
آهٍ، يا أحبَّائي المسيحيِّيْنَ، نَحنُ نبلغُ المَجدَ ونقتنِيْهِ عندَما نكونُ على الصَّليبِ، لا في المَلذَّاتِ والتَّنَعُّمِ الفاخرِ!
إنْ تَفَحَّصْنا بانتباهٍ وِزرَ صليبِ الرَّبِّ، فإنَّ صِليبَنَا أَقلُّ شَأْنًا وخفيفًا كريشةٍ في مهبِّ الرِّيحِ. فالرَّبُّ عُلِّقَ على الصَّليبِ وهو عارٍ تمَامًا ولم يتلقَّ مُساعدةً من أَحَدٍ. لهذَا صرخَ، «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (متى 27: 46). وفي المُقابِلِ، فَنَحْنُ لسنَا عراةً أَوْ مسمَّرينَ على صليبٍ كهذا. بل على العَكْسِ، فَنَحنُ نَحظَى بعزاءٍ كبيرٍ من أصدقائِنا وأقرِبائِنا أَثنَاءَ الأوقاتِ الصَّعبةِ. بالإضافةِ إلى ذَلكَ، وعَدَنَا اللهُ أن يَكونَ إلى جانبِنَا في أوقاتِ المِحَنِ، وبمساعدتِهِ نستطيعُ احتمالَ الصُّعوباتِ والمَشَقَّاتِ.
حَقَّا، إِنَّنا مُثيرُونَ للشَّفَقَةِ! إلهُنا الحقيقيُّ احتَمَلَ أنواعَ التَّعذيبِ كافَّةً، وعانى موتًا شديدَ القساوةِ من أجلِ خطايَانَا. من الجِهةِ الأُخرى، نحنُ الخطأةَ الحقيريْنَ البائسِيْنَ، لا نستطيعُ احتمالَ أقلَّ وَجَعٍ يُرْسِلُهُ اللهُ الصَّالِحُ إِلَيْنا من أَجْلِ مَنفَعَتِنَا وتَقويمِنا. آهٍ، يا لَها حماقةً أن نبحثَ عنِ المسيحِ في الرَّاحةِ والمَلَذّاتِ!
لقد صلَّى المَسيحُ من أَجلِ الَّذينَ صَلَبُوْهُ: «يا أبَتاه، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُم لا يَدْرُونَ ماذا يَفْعَلُون» (لوقا 23: 34). بينما نحنُ لا نوَدُّ مسامحةَ مَنْ ألحَقَ بِنَا الأذَى حتَّى ولو كانَ الأذَى ضئيلًا. اللِّصُّ الصَّالحُ اعتَرَفَ بالمسيحِ عِندما كانَ على الصَّليبِ، ونحنُ الخطأةَ غيرَ الشَّاكرين، نهزأُ بِهِ مع اللِّصِّ الشِّرِّيرِ قائلِيْنَ: «إنْ كُنتَ أنتَ المَسيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!» (لوقا 23: 39).
آهٍ، كم نحنُ سيِّئُون وبلا إحساسٍ! نجلسُ مكتُوفي الأيدِي وندَعُ لصًّا يسبقُنا في الإيمانِ! استَطاعَ مُجرِمٌ محكومٌ عليه، في حالةِ أَلَمٍ وعِقابٍ قاسٍ، أن يفهَمَ أكثَرَ منَّا فائدةَ الأحزانِ! فوجَبَ أَنْ نكونَ كاللّصِّ الصَّالِحِ نعتَرِفُ بالمسيحِ عندَ كلٍّ حزنٍ وصُعوبةٍ حتَّى أثناءَ المَوتِ المَريرِ عينِهِ، مُرحِّبِينَ بالمَصاعِبِ، ليس كمُجرِمِينَ نادمِينَ وتائبِينَ بل كمسيحيِّينَ حقيقيِّينَ وكأبناءٍ أصيلِينَ للهِ.
إذا كانَ الرَّبُّ قدْ دخلَ المَجدَ والغِبطةَ (الّذي هو حقُّهُ لأَنَّهُ مالكُه الشَّرعيُّ) بعدما تعذَّبَ وتحمَّلَ آلامَهُ أَوَّلًا (عبرانيين 12:2)، فكم يَلِيْقُ بخُدَّامِهِ أن يتعذَّبُوا من أجلِ أن يدخلُوا الملكوتَ الَّذي ليسَ مُلكًا لهم؟ كيف يُمكِنُ أنْ يكونَ الأمرُ لنا، نحنُ العبيدَ، أسهلَ مِمَّا كان لسَيِّدِنا، أو كيفَ يُمكنُ لنا بصِفتِنا تلاميذَ أن نكونَ أعظمَ من معلِّمِنا؟ أَلمسيحُ تألَّمَ مِنْ أجلِنَا، ونحنُ لا نريدُ أَنْ نتألّمَ من أجلِ خلاصِ نفوسِنا؟ ابنُ اللهِ اختارَ الصُّعودَ إلى الآبِ عنْ طريقِ الهُزْءِ والعَارِ، ونحن دُودَةٌ لا قيمةَ لهَا نرغَبُ في الشُّهرةِ والمَديحِ؟
أعزّائي المسيحيِّيْنَ، أَنْ نختبِرَ المصاعبَ والضِّيقاتِ، لا يعني أنْ نَحْتَملَها بصبرٍ ومن دونِ تذمُّرٍ فحسب، بل عَلَيْنَا أَنْ نفرَحَ لأنَّ «آلامَ هذا الدَّهرِ لا تُقاسُ بالمَجْدِ المُزْمَعِ أَنْ يتجلَّى فينا» (رومية 8: 18).
عندَمَا ظهرَ الله للقدّيسِ استفانوسَ أوّلِ الشُّهداءِ، في السَّماءٍ، أظهرَ نفسَهُ بمجدٍ: «وهُوَ إِذْ كانَ مُمْتَلِئًا منَ الرُّوحِ القُدُسِ، تَفَرَّسَ في السَّماءِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ ويسوعَ قائمًا عن يمينِ اللهِ». (أعمال 7: 55). كذلكَ ظَهَرَ اللهُ للنّبيِّ حِزقيالَ عندَمَا فتحَ اللهُ السّماواتِ: «هذا مَنظَرٌ يشبِهُ مجدَ الرَّبِّ».(حزقيال 1: 28). وأَيْضًا، عندما تراءَىْ اللهُ على قِمَّةِ جبلِ سيناءَ، أظهَرَ نفسَهُ بمَجدٍ عظيمٍ (خروج 19: 16).
لكنْ، عندَما ظهَرَ لموسَى على الأرضِ، قامَ بِذلِكَ من خِلال "العُلَّيْقًةِ (نباتٌ مُمتلئٌ بالأشواك الحادّة) المُلْتَهِبَةِ" (خروج 3: 2). قامَ الرَّبُّ بذلك لِنَفهمَ وندرِكَ أنَّ المَعبودَ والمُمَجَّدَ في السَّماءِ من قِبَلِ القدِّيسِيْنَ والمَلائكةِ موجودٌ هُنا على الأرضِ في أشواكِ الأحزانِ. تمامًا كما أنَّ موسى استحقَّ رؤيةَ مَجدِ اللهِ على جَبَل سيناءَ بعدَمَا رآه أوَّلًا على الأرضِ بين الأشواكِ، لذلكَ وجبَ أَنْ نُجاهِدَ لِنَجِدَ الرَّبَّ أوّلًا هنَا على الأرضِ، وَسَطَ أشواكِ الأحزانِ والصِّعابِ، إن أرَدْنَا رؤيةَ مجدِ ملكوتِهِ السَّمَاوِيِّ وغبطتَهُ في الحياةِ التّاليةِ.
إِنّنا، حقًّا، أغبياءُ وجاحِدون! إنْ كانَ السُّرورُ والسَّعادةُ يَكمُنَان في الأحزانِ، فَلِمَ نَمْقُتُ المشَقَّاتِ والمكارِهَ؟ ألا يجدرُ بنا أن نتعطَّشَ لأجلِهِما، لأنَّنا، من خلالهِما، نَنَالُ الفردَوسَ ويسوعَ نفسَهُ، الَّذي هو مصدرُ كلِّ فرحٍ وغِبطَةٍ؟
إنّ القدّيسَ إغناطيوسَ الجَليلَ المتوشِّحَ باللهِ لمَّا عَرَفَ أَنَّ الأُسودَ ستَأْكُلُه، اعترَاهُ فرحٌ هائلٌ وصَرَخَ مبتهِجًا: «متى ستأتي الوحوشُ لِتَلتَهِمَ جَسَدي؟ أنا حنطَةُ الرَّبِّ، وَجَبَ أَنْ أُطْحَنَ بأنيابِ الأُسُودِ لأصيرَ خُبزًا جيّدًا لسيّدي. الآنَ، قد أَصْبَحْتُ، حَقًّا، تلميذًا لَهُ!».
كانَ القدّيس أندراوس الرَّسُول يَرغبُ، منذُ زَمَنٍ طويلٍ، أنْ يتعذّبَ لأجل مَحبّةِ المسيحِ. وفي نهايةِ المَطافِ حُكِمَ عليه بالصَّلب. عندما أحضَروه أمامَ صليبِهِ الّذي أحبَّهُ جدًّا، أعرَبَ عن ذلكَ قائلاً بابتِهاجٍ:«السّلامُ عليكَ، أيُّهَا الصّليبُ المُقدّسُ الكريمُ! مُنذُ زمنٍ طويلٍ كنتُ أرغبُ بكَ، وأخيرًا، أنت سوفَ تُحقّق حُلُمي. ها أنا أتقدّمُ إليك بسرورٍ. أفرحُ فيما تستقبلُني، أنا تلميذُ ذاكَ الَّذي عُلِّقَ عليكَ».
بما أنَّ كلَّ الصَّالِحاتِ وكلَّ الأمجادٍ تأتينا بواسطَةِ الصَّليبِ، تعالَوا يا أعزِّائي المسيحيّين! فلنُمجِّدْهُ ولنمدَحْهُ؛ فلنُكرِّمْهُ بوَقارٍ؛ وَلْنَتُقُ إليه بملءِ قلوبِنا. وعندَما يأتي إلَيْنَا من وقتٍ إلى آخرَ، فلنَرحِّبْ به ولنَستَقبِلْهُ بفرحٍ وذلك لأنَّنَا بواسِطَتِهِ نحظَى بالعطَايَا والنِّعَمِ الإلهيَّةِ. هذا هو المِفتاحُ الَّذي فَتَحَ لنا الفِردَوسَ. نكونُ مُغبَّطين إن تَعَلَّمْنا أن نُحِبَّ صَليبَ الأحزانِ، وإن تَحَمَّلْنا الصِّعابَ بشكرٍ؛ فعندئذٍ سَنَكونُ مَرْضِيِّيْنَ أمامَ اللهِ ومَحبوبِينَ منَ المسيحِ. وبمَا أنّنَا سَنَكونُ قد تألّمْنا معَ المسيحِ وصُلِبنا مَعَهُ في هذهِ الحياةِ، فإنّنا،حُكْمًا، سَنَتَمَجَّدُ معَهُ في الحياةِ الآتيةِ (رومية 8: 17)؛ (2 تيموثاوس 2: 11-12) إلى دهرِ الدَّاهرينَ. آمين.
«اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ في السَّمَاوَاتِ، فَإنّهم هكذا طَرَدُوا الأَنبياءَ الَّذينَ قَبْلَكُمْ». (متّى 5: 12).