لماذا نصوم؟
الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
نقلاً عن نشرة الكرمة، عدد 2، الأحد 2 آذار 2025، أحد مرفع الجبن
غدًا ندخل صومنا الكبير، إنّه بركة لأحبّاء الله، لأنّه المعين الأوّل في حربنا ضدّ الأهواء والخطايا كلّها التي تفصلنا عن ربّنا يسوع المسيح.
الصوم، بالانقطاع عن الطعام، مارسه المسيحيّون منذ بداية الكنيسة، فمسيحنا نفسه صام وعلى مثاله صام الرسل والتلاميذ الأوّلون. وفي كلّ العهد الجديد تتردّد الوصيّة بالصوم لنصير قادرين أن نحبّ الله، ونقوى على تجارب الشياطين.
الصوم ماذا يعني؟ إنّه رفضٌ لملذّات هذا العالم، زهد بالمادّة وغلبة الروح فينا على الجسديّات.
هدفه ضبط شهوة البطن ومن خلالها ضبط الشهوات الأخرى كلّها. لا بدّ للمسيحيّ من مقاومة الرفاهيّة والكماليّات التي يُروّج لها روح العالم بكثافة، ويجعلها من أساسيّات الحياة.
الترويج المكثّف لهذه الأشياء تقتل في الإنسان روح البساطة والتقشّف، وتجعله ضعيف الإرادة مستسلمًا لكلّ ما يُعرض عليه من الأشياء الفاسدة ويُستعبد لها.
كثيرون يتساءلون، أيحتاج الله إلى هذه الأصوام كلّها، وإلى تعذيب الجسد؟
الصوم ليس تعذيبًا للجسد، إنّما هدفه رَوْحَنة الجسد، حين ينتصر على كثافة الأهواء التي فيه. ليس الله من يحتاج إلى أصوامنا إنما نحن. كلّ هذا لتتغيّر طبيعتنا وتصير نقيّة، محبّة لله وللصلاح.
الله هو القدّوس الكامل الّذي لا يحتاج لا إلى ألم البشر ولا إلى صلاحهم، إنّما يريد هذا كلّه لأنّه يريدنا أبناءً أحرارًا، نجاهد ضدّ أهوائنا ونصير قادرين أن نُحبّه بملء كياننا ونعبر إلى ملكوته.
حالتنا الطبيعيّة الّتي خُلقنا عليها كانت تتّجه تلقائيًّا نحو الله، أصبحت تتّجه نحو الأرضيّات. لقد سقط الإنسان من اشتهاء السماويّات الأبديّة إلى اشتهاء الأرضيّات الزائلة. وممّا لا شكّ فيه أنّ سيطرة شهوة البطن والانغماس في الأرضيّات مرتبطان ببعضهما البعض.
هذا يظهر بوضوح في كلام بولس الرسول عن الّذين، "إلههم هو بطنهم"، بقوله عنهم، إنّهم أولئك "الّذين يفتكرون في الأرضيّات".
لكنّ بولس يُكمل محدّدًا ما ينبغي أن تكون عليه سيرة المسيحيّ الحقيقيّة: "إنّ سيرتنا نحن هي في السماوات"
(فيل 19:3-20).
بالتالي، هدف الصوم تحويل هذه المسيرة إلى اتّجاهها الصحيح، وهو تحويل الذهن من العالم إلى الله. هذا كان معنى الصوم عند المسيحيّين القدماء، أن يوجّه عين النفس ويُثبّتها على الخيرات الأبديّة.
صوم الجسد يُشدّد ويُنير الذهن. يقول القدّيس إسحق السريانيّ، "في بطن امتلأ من الأطعمة لن يوجد مكان لمعرفة أسرار الله".
لهذا فالأرثوذكسيّ الحقيقيّ لا يمكن أن يتخلّى عن الصوم لأنّه بهذا يتخلّى عن القداسة.
لكنّ قومًا من العقلانيّين لا يرون في الصوم منفعة. إنّما يركّزون على الأعمال الحسنة. لماذا يصوم الإنسان، إنّنا سندان على أعمالنا، كما يقولون، وليس على أصوامنا.
وكما يقول المسيح سيأتي "ليجازي كلّ واحد حسب أعماله" (رو6:2). بالطبع يتكلّم الرسول على أعمال الإيمان، الإيمان الحقيقيّ والمستقيم بالربّ يسوع المسيح. حتّى في العهد القديم كان الربّ يطلب مثل هذا الإيمان المستقيم، كشرط لتطبيق الشريعة والخلاص.
الأعمال تحتاج إلى نسك وإنكار محبّة الذات حتّى تصير أعمالًا صالحة، أعمالًا لا تحرّكها أهواء الإنسان. هناك أعمال صالحة تصدر عن نفس تنقّت بالأصوام فأتت أعمالها لمجد الله، وأعمال تصدر من أهواء الإنسان، تُعمل بأنانيّة للمجد الباطل. لهذا، في الأرثوذكسيّة، الأصوام والجهادات النسكيّة الأخرى كلّها، اعتُبرت مسيرةَ إنكارٍ لمحبّة العالم ومحبّة الذات.
هذه الجهادات هي التي تجعل أعمالنا صالحة، ولها أجر لدى الله، وفي الوقت ذاته تقوّي إيماننا بالله وتثبّته. من دون جهادات روحيّة وأصوام يفتر الإيمان حتمًا ويتحوّل إلى إيمان نظريّ مجرّد لا حياة فيه.
القدّيس غريغوريوس بالاماس، في كلامه عن الصوم، يعتبر أنّ جهد الجسد ينعكس حياة في النفس. الجسد عمله هو خدمة النفس. كلّما ضعفت أهواء الجسد كلّما هدأت الأفكار في النفس، وصار مستطاعًا السيطرة عليها. يقول الذهبيّ الفم في تعليقه على آية بولس الرسول: "إن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدّد" (2كور16:4)، إنّ الصوم من جهة يربط شهوات الجسد غير اللائقة، وأمّا من جهة النفس فيحييها ويجعلها أكثر نقاوة وأكثر توقّدًا وخفّة. لهذا فاهتمام الإنسان ينبغي أن ينصبّ على النفس لأنّها هي خالدة على صورة الله والجسد يُعطى ما هو ضروريّ له. بالنسبة إلى القدّيس باسيليوس، الاهتمام الزائد بالجسد يجعله عدوًّا للنفس.
في زمن العولمة الّذي يُسيطر على كلّ أصعدة الحياة المختلفة، تبرد حرارة الصوم في نفوس المسيحيّين، بخاصّة المستسلمين لروح العصرنة، روح تبنّي أفكار العصر التي تنتشر في كنيسة المسيح نفسها.
مَن لا يصوم، من دون سبب صحيّ، مُقتنعًا فقط بمبادئه العقلانيّة، هو حتمًا لا يُصلّي، ولا يمكن أن يعرف معنى الصلاة أو محبّة الله. التوبة تحتاج إلى نفس متواضعة، تُطيع الإيمان والكنيسة. لهذا تسيطر الأهواء وتتكاثر الخطيئة في المجتمع ويزداد روح الارتداد في الكنيسة ذاتها، لتتحقّق نبوءة الكتاب، أنّه في الأيّام الأخيرة سيكون الناس "لَهُم صورة التّقوى، ولكنّهم مُنكِرون قُوّتها" (2تيم5:3).
لهذا، على الكنيسة أن تشدّد رعاياها على ممارسة الأصوام والصلوات الكاملة والاعتراف، لأنّها عودة إلى الذات والتوبة. فالتوبة الحقيقيّة تحتاج حتمًا إلى الصوم والصلاة والاعتراف أمام كاهن وأب روحيّ. إنّ هذه الممارسات تُظهر جدّيّة المؤمن في التزامه المسيحيّ. لقد كان الصوم في العهد القديم يُلازم التوبة، ويوجد فيه تكفيرٌ عن الخطايا الكبيرة التي يسقط فيها الإنسان. الملك داود كفّر عن سقوطه في الزنى بالصوم (2صم12). ونجد هذا الصوم في توبة شعب نينوى كلّه ، وفي توبة إسرائيل: "فاجتمع إسرائيل كلّه إلى المصفاة، واستقوا ماءً وسكبوه أمام الرّبّ، وصاموا في ذلك اليوم وقالوا هناك: "قد أخطأنا إلى الرّبّ" (1صم6:7).
إنّ الصوم ضرورة لكي يعي الإنسان أنّه، إلى جانب الخبز الماديّ يحتاج إلى نعمة الله ورحمته. لهذا أيضًا يقول المسيح: "طعامي أن أعمل مشيئة أبي...". إنّ حاجتنا إلى الصوم هي جوهريّة أكثر من حاجتنا إلى الطعام المادّيّ. فالصوم هو الّذي يُحقّق وصيّة المسيح أن "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".
لقد فهم آباؤنا القدّيسون أنّ الصوم هو جزء لا يتجزّأ من خبزنا الجوهريّ.
لهذا نصوم أيضًا قبل المشاركة في الأسرار، الصوم يُهيّئنا للحياة الليتورجيّة، وبخاصّة للمناولة الإلهيّة. يوصي آباؤنا القدّيسون بالصوم من عشيّة السبت، أو عشيّة أيّ يوم قبل أن نشارك في الليتورجيا وتناول أسرارها. لأنّ نومنا يتأثّر كثيراً بنوعيّة الطعام الّذي نأكله. الصوم يُعطي النفس والجسد هدوءًا للأفكار وللنوم.
حتّى في سرّ الزواج، يصوم العريسان قدر ما استطاعوا قبل العرس، لكي يبدأ زواجهم بالطهارة وتفعل فيهم النعمة الإلهيّة المعطاة في هذا السرّ.
يتكثّف في صلوات التريودي هذا الحثّ على الصوم والجهاد الروحيّ، كاشتراك في صليب المسيح، على رجاء القيامة. الصوم يُهيّئ أجسادنا للقيامة العامّة.