القدّاس الإلهيّ

الشّيخ إفرام أريزونا.

نقلتها إلى العربيّة: يولا يعقوب.

 

القدّاس الإلهيّ: يا له من بهاءٍ حقًّا! لقد كَرَّمَ اللهُ الإنسانَ، بحيث إنّه، هو نفسه، ينزل إلى الأرض مع طغماته الملائكيّة، كلَّ مرّةٍ تُقام فيها اللّيتورجيا، كي يغذّيَ الإنسان بجسده المقدّس، وبدمه الكريم؛ فقد أعطانا كلّ شيء: هل يوجد شيءٌ مادّيٌّ، أو روحيٌّ، أو زائلٌ، أو أبديٌّ لم يُمْنَحْ لنا؟ لا شيء. هل يوجد أعظم من جسده ودمه المقدّسَين المَمنوحَين لنا يوميًّا؟ بالتّأكيد، لا يوجد. لقد أهَّلَ اللهُ الإنسانَ، المُلَطَّخَ بالأدناس، أن يتمّم اللّيتورجيا الإلهيّة. المحبّة الإلهيّة لا تُقَدَّر بثمنٍ: قطرةٌ صغيرةٌ منها تفوق أيّ محبّةٍ أرضيّةٍ، وجسديّةٍ، ودنيويّة.

 

كانت خطيئةُ آدم وحوّاء، نقطةَ البداية للأحداث المؤلِمة جميعِها، الّتي حصلت حتّى هذا اليوم، وتلك الّتي ستحصل حتّى نهاية الزّمان. العصيان، كالبذرة في رحم حوّاء؛ فقد ولَّد الموتَ الجسديّ، والرّوحيّ، ونقله للبشريّة كلّها. مسكينةٌ حوّاء: هل كان من الممكن لها، أن ترى أنّ تذوّقَها الثّمرةَ، في تلك الثّانية، من شأنه أن يسبّب مثل هذا الاضطراب، وعليه، يُستدعى اللهُ، بتوسّلٍ إلى الثّالوث القدّوس، كي يُرسِل أقنومَه، الواهبَ الحياة، إلى العالم، ويَتَحَمَّلَ طَوعًا، الضّرباتِ، والإهاناتِ، والجَلدَ، والبصاقَ، والكلامَ الفاحشَ المُشين، وفي النّهاية يُعَلَّق على الصّليب، كإنسانٍ ملعون؟ «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلّقَ عَلَى خَشَبَةٍ» (غلاطية 3: 13).

 

الفداءُ الّذي قدّمه يسوع - نورُ نفوسنا المضطربة - وآلامُه، وقيامتُه المُحيِية، يُعَادُ تَذكارُها في كلّ قدّاسٍ إلهيٍّ، من خلاله، تُحَرَّرُ كلُّ نفسٍ خاطئة. عظيمةٌ حقًّا، محبّة يسوع لنا! لقد اتّخذ طبيعتنا البشريّة، وعُلِّقَ على الصّليب، مُحَرِّرًا إيّانا، وماحيًا كلّ ديونِنا تجاه أبينا السّماويّ. وكأخينا الحبيب، يجعلنا مستحقّين لشركة ميراثه، أعني خيرات أبيه السّماويّ اللّامتناهية. وإذا كان النّاموس، الذي قبل المسيح، هو ظلّ الأشياء الآتية، وكان دم الثّيران، والماعز، وكذلك مُحرَقات العُجول، تطهّر المشتركين فيها، فكم بالحَريّ دم المسيح المقدّس - الّذي نتناوله من المذبح المقدّس في كنائس الله المقدّسة - سوف يطهّرنا من الخطيئة، ويدفئ نفوسنا، من أجل نَيل محبّة يسوع، الفائق الحلاوة، الإلهيّة؟ سوف يغسلنا الحمل - الّذي ذُبِحَ من أجل خلاصنا - بدمه الكريم، من دنس خطايانا، ويمنحنا الرّاحة الأبديّة.

 

على أيّ حالٍ، نحن مَدينون لأنفسنا بأن نصبح شركاء في هذه الوليمة السّماويّة، الّتي تكشف لنا سرَّ المذبحِ المقدّس البهيّ. بمجرّد دخولنا الكنيسةَ، يجب أن نقف بخوفٍ ورعدةٍ، إذ إنّ ربَّنا يسوع المسيح، وملائكتَه القدّيسين - حاضرون. فأولئك اليَقِظون، والأتقياء، يمتلؤون نعمةً وبركاتٍ؛ أمّا الغافِلون فيُدانون، كونهم غير مستحقّين.

 

من ناحيةٍ، تخدم الملائكةُ القدّاسَ الإلهيّ، ومن ناحيةٍ أخرى، يأتي المؤمنون إلى الكنيسة كي يشتركوا في جسد المسيح ودمه: «جسدَ المسيح خذوا، والينبوع الذي لا يغرب ذوقوا[1]» فَيَحيَوا في المسيح، ولا يهلكوا في الخطيئة. «لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ من دُونِ اسْتِحْقَاق، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ» (1 كورنثوس 11: 28-29). على سبيل المثال، عندما يريد شخصٌ ما المُثولَ أمام ملك، يستغرق الأمرُ منه أيّامًا للاستعداد، من حيث التّهيئة العامّة، والنّظافة، وترتيب المظهر الخارجيّ، والكلام، والأسلوب، والأخلاقيّات، وما إلى ذلك، لكي ينجح في أن يستجلب رأفة الملك؛ وبهذه الطّريقة، يأخذ الموافقة على طلبه. وعلى الرّغم من أنّه لا مَجال للمقارنة بين المَلِكَين، إلّا أنّه يجب على كلّ مؤمن، قبل المناولة المقدّسة، أن يهيّئ نفسه، لينال الرّحمة الإلهيّة، والمغفرة. أولئك الذين يَمثُلون أمام ملكٍ أرضيٍّ، هم  في معظم الأحيان، مليئون بالإثم، والتّملّق، والرّياء، وكذلك الخداع، من أجل الحصول على مُبْتَغاهُمْ؛ بيد أنّ المؤمن المسيحيّ، الّذي يَمثُل أمام ملك الملوك، الّذي بدوره يفحص ما في داخل الإنسان، يجب أن يتزيّن بالقداسة، والتّواضع، وأخلاقيّات النّفس المطلقة الّتي هي أثمن من الذّهب الضّائع، أو المفقود.

 

لقد أوجد الرّبُّ كنيستَه على الأرض، كعروسٍ؛ لكي تتشفّع من أجل أبنائه. لقد ترك لنا سرّ الإفخارستيّا المقدّسة العظيمَ، لكي نتطهّر، ونصبح قدّيسين، فنتّحد بالله. لقد دعانا جميعنا: البعض في طفولتهم، والبعض الآخر في منتصف عمرهم، وكذلك في شيخوختهم. وبما أنّه صالحٌ، قد حَضَنَنا كما تجمع الدّجاجة فراخها، تحت جناحَيها؛ لكي يجعلنا شركاء في ملكوته الإلهيّ. لم يوقفه أيّ شيء: لا قُروح، ولا جِراح، ولا مرض، ولا حتّى حالتنا الرّوحيّة المُشَوَّشة. كأبٍ قَبِلَنا؛ وكأمٍّ أرْضَعَنا؛ وكطبيبٍ ماقِتٍ للفضة، اعتنى بنا، وألْبَسَنا بالنّعمة رداءَ التّبنّي، مُتَغاضيًا عن دُيون ذنوبنا الثّقيلة. وعلى هذا، فإنّنا مَدينون له بالمحبّة، والعبادة إلى الأبد. يجب أن تبقى المحبّة في القلب نبعًا واهبًا الحياة، تتدفّق منه ينابيعُ من نبيذ الشّركة، وجَداوِلُ من العشق الإلهيّ.

 

يجب أن نشترك في ذبيحة الحمل المذبوح، بقدر ما نستطيع، وما دامت لدينا حريّة القيام بذلك؛ لأنّ المناولة المقدّسة، هي مَعونةٌ عظيمةٌ للمؤمن، وهي بدورها تساعده على محاربة الخطيئة. وأيضًا، يجب أن نتقدّم إلى هذا السّرّ الإلهيّ، بنفسٍ نادِمةٍ، وقلبٍ منسحقٍ، وشعورٍ عميقٍ بخطايانا. عظيمةٌ هي رحمة الله، الّذي يتنازل لِيَلجَ في داخلنا، من دون أن يَمقُت كثرة خطايانا! إنّنا نتقدّس بسبب محبّته، وعاطفته اللّامُتَناهِيَتَين. وبهذه الطّريقة، نصبح مستحقّين أن نصبح أبناءه، ووَرَثة ملكوته. لذلك، فلنستعدَّ، بضميرٍ نقيٍّ بهدف تحصين حوّاسّنا، ولندخل بالعفّة، مع الرّسل القدّيسين، إلى العشاء السّريّ، ونشتركْ مع يَسوعنا الحلو، حتّى يسكنَ فينا إلى مدى الدّهور.

 

إنّي، أنا غير المستحقّ، أخدم ربّي خدمةً مقدّسةً، وعظيمةً. أقدّم لله، كلَّ يومٍ، ذبيحةً مَرضيّةً: حملَ الله الطّاهر، للّه أبيه الطّاهر؛ لكي يكون رحومًا علينا: فنحن نسبّب له الحزن، وهو الّذي ضحّى بابنه الوحيد المولود منه. يا إلهي، لقد ضَحَّيتَ بابنك الحبيب من أجلنا. ومَن نحن لنستحقّ هذه الذبيحة العظمى؟ «إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ» (رومية 5: 10) […]

الحقير بين الجميع،

 الأب إفرام +

 

المصدر:

https://pemptousia.com/2016/11/the-divine-liturgy/

 

 

[1] كينونيكون الفصح الذي يُرَتَّل قبل المناولة (المُعَرِّبة)