التجسّد

للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

 

عن نشرة الكرمة

السّبت 25 كانون الأوّل 2021

العدد 52


منذ بدء الخليقة والله يبحث عن الإنسان والإنسان يهرب من الله. يبحث الله عن الإنسان إلى درجة أنّه صار إنسانًا، ويهرب الإنسان من الله إلى درجة أنّه يصير على صورة عدوّ الله. لكن لماذا يبحث الخالق الضابط الكلّ عن خليقة تمرّغت بالعصيان وعدم الشكر؟ يبحث الله عن الإنسان لأنّه منذ البدء يخلق لا ليمارس سلطة وسيادة على خليقته إنّما من فيض محبّته؛ خلق لا للعبوديّة لكن للبنوّة؛ خلق الله الإنسان ليصير ابنًا لله. والمحبّة لا تسقط أبدًا لأنّها أمينة لأبنائها. ما من أبٍ يرمي أبناءه وإن أخطأوا إنّما يفعل كلّ شيء ليخلّصهم. هكذا عرفنا جيّدًا عن إلهنا أنّه هو الإله الحقيقيّ. إن كان الإنسان على الأرض يمكنه أن يصير أبًا صالحًا ورحيمًا بأبنائه، فكم يُفترض أن يكون مثاله الخالق على هذه الأبوّة، صالحًا. يقول العهد الجديد: «الذي منهُ (من الله الآب) تُسمَّى كلُّ أبوّة πατριά في السماوات وعلى الأرض» (أفسس 3: 15). لو خُلقنا لنكون عبيدًا لما كان هناك حاجة للتجسّد، بل كان يكفي قوانين ووصايا ناموسيّة، كما في كل الأديان الأخرى؛ لكن لأنّه أرادنا أبناءً أحبّاء له اتّحد بجسد الإنسان، ليصير مستطاعًا للإنسان أن يتعلّم عن محبّة الله ويُجاهد ليستحقّ بنوّته. لا نظنّن أن الله كمثل البشر الظالمين، فالله، لا فقط كخالق، إنّما قبل كلّ شيء كأبٍ، يتحمّل كلّ مسؤولية عمليّة خلقِهِ للإنسان والعالم، ونتائجها، وذلك لأنّه «محبّة». المحبّة مرتبطة بالحريّة، وكلّ شيء خارج المحبّة يعني عبوديّة. هذه المحبّة هي الحركة الأزليّة في الثالوث. كلّ ما صنعه الله، منذ البدء، كان عمل محبّة تشعّ إلى الخارج. هذا ظهر بوضوح بالطريقة التي خلق فيها اللهُ الثالوثُ الإنسانَ: «لِنَصْنَعنَّ الإنسان على صورتنا ومثالنا» (تكوين 1: 26). أيوجد أعظم من هكذا تنازل، وهكذا محبّة. المخلوق من العدم يُعطى أن يكون على صورة الإله الخالق ومثاله. وأكثر من هذا، حين سقط المخلوق، أفرغ الخالق نفسه، الّذي هو «صورة الله غير المنظور» (كول15:1)، ليصير هو على صورة خليقته، من دون أن يحدث تحوّلاً في لاهوته. بحسب القدّيس غريغوريوس اللاهوتي: «الكامل يُخلي ذاته من مجده لفترة قصيرة، حتى يكون لي نصيب في ملئه». الله من البدء خلقنا على صورة ابنه الّتي كان سيتخذها في تجسّده. تجسّد الابن واتّحاده بطبيعتنا هو الذّي أعطانا أن ندخل في شركة بنوّة مع الآب. لهذا السبب بعينه الابن نفسه هو الّذي تجسّد وليس أقنوم آخر من أقانيم الثالوث. تجسّد ابن الله قلبَ كلّ المفاهيم الأرضيّة الّتي لا ترى في الله الخالق، سوى صورة عن رؤساء هذا الدهر؛ الله ليس قاضيًا تهمّه عدالته، إنّما أب يهمّه خلاص أبنائه. «وأما كل الّذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله».

لقد عرّفنا الله عن أبوّته بهذه الطريقة: أنّه «أحبّنا إلى المنتهى»، وتحمّل أعباء هذه المحبّة. الله لأنّه أحبَّ خلقَ، ولأنّه أحبَّ تجسّدَ. المحبّة تعني تضحيةً وبذلًا للذّات وإفراغًا للذات κένοσις، وعطاءً مجانيًّا وحملًا لأثقال الآخر لا إدانته؛ كلّ الإنجيل يركّز على إفراغ الذات. «أخلى ذاته آخذًا صورة عبد...»، ماذا تعني هذه  الكلمات؟

لقد تنازل إلى كلّ هذه الدرجة الوضيعة، تنازل إلى درجة عبيده. لقد علّمنا بالاتّضاع لا بالعظمة الفارغة، علّمنا بمثاله هو لا بمثال من غيره. كلّ ما عمله المسيح من لحظة تجسّده وحتّى ارتفاعه على الصليب كان مُعدًّا بالاتّضاع. لهذا لم يصنع آيات للّذين طلبوا منه ليصدّقوه، ولم ينزل عن الصليب، ليؤمنوا؛ لأنّه كان يعلم جيّدًا أنّ المشكلة ليست بالآيات، وقد صنع الكثير منها، إنّما بالإتّضاع ونقاوة الفكر. الأعمى بالكبرياء والّذي من روح هذا الدهر، كيف سيفهم تنازل المسيح إلى درجة عبد؟ فقط المتواضعون عاينوا تنازله وتجسّده وتعجّبوا من كلّ ما رأوا؛ هذه كانت حالة مريم والدة الإله ويوسف الخطيب والرعاة والمجوس. وهم من إله المسيحيّين استمدّوا هذه النعمة. لهذا يُسمّي كتاب المزامير آلهة الأمم شياطين، لأنّهم إمّا ينسبون لهم العظمة على صورة أهواء البشر؛ وإمّا يرفعون البشر بأهوائهم الفاسدة إلى مستوى الآلهة. وأما هذا التنازل المتواضع فهو صفة الآب وعمله، حقّقه الابن، وأظهره الروح في قلوب المؤمنين.

لهذا السبب بالتحديد، لأجل أن يستعيد إنسانيّته ويُبصر نور خلاصه، يتواضع الإنسان.

هذه السنة أيضًا، ماذا ينتظر المؤمنون الحقيقيّون من عيد تجسّد الربّ يسوع المسيح؟ أينتظرون بهجة وأنوارًا؟ أم حلولاً لآلامهم؟ المؤمنون الحقيقيّون يعلمون أنّهم بالإيمان الثابت بالربّ يسوع يُواجهون آلام هذا الدهر ويتطلّعون بثقة نحو النور الأزليّ. لهذا، ينتظرون توبة مع صعوبات وتجارب؛ وقد ربط ربّنا ملكوت السماوات بالتوبة والبكاء على الخطايا. أينتظرون سلامًا، أنشَدَهُ الملائكة للرعاة حين بشرّوهم بميلاد المخلّص؟ كان الواقع اضطهادات دمويّة وغير دمويّة ضدّ المسيحيّين، ابتدأت من بيت لحم نفسها لتستمرّ وترافق كل مسيرة الكنيسة إلى اليوم. فإلهنا العظيم يعلم أنّ لا شيء يفصل الكنيسة عن هذا العالم ويُثبّتها في نقاوة مسيرتها نحو ملكوت السماوات أكثر من الاضطهادات الدمويّة. لكن لماذا لا تستطيع هذه الاضطهادات أن تثبّت الكنيسة في المسيح المتجسّد في هذا القرن الواحد والعشرين؟ ألأنّه الزمن الأخير؟ يتكلّم الكتاب عن الزمن الأخير، أنّه سيكون زمن الارتداد، زمن عدم وجود الإيمان على الأرض، الزمن الّذي سيسود فيه ضدّ المسيح. لقد كانت حرارة الإيمان قويّةً في نفوس المسيحيّين الأوّلين، عاشوا تجسّد المسيح بنفوس شجاعة لا تخاف الموت، كانوا يُعاينون رُؤى ويحلمون أحلامًا مقدّسة. لهذا أخرجت هذه الفترة شهداء كثيرين، وأكثر منها مؤمنين جدد كثيرين. أمّا عن الزمن الأخير، يتكلّم الكتاب عن الارتداد، وأنّه «لو لم يُقصّر الله تلك الأيام لما خلص أحد». فالمسيح بتجسّده افتتح هذه الخليقة الجديدة، خليقة عمل النعمة الإلهيّة مُبطلاً لعنة الناموس. أمّا ميزة رؤساء الزمن الأخير، زعماء النظام العالمي الجديد، يكمن في محاولتهم إبطال كلّ الأسس الروحيّة والنعمة التي عليها قام ميلاد المسيح بالجسد، وإغراق البشريّة ثانية في وثنيّة جديدة، تصرخ بدون توقّف وبأحقاد مُضاعفة «اصلبه، اصلبه».

ماذا ينتظر المسيحيّون من تجسّد المسيح؟ أينتظرون عالمًا مثاليًّا من الراحة وتنعّم الجسد، لا نسك فيه ولا جهاد ولا تعب؟ هذه الروح يُربّي العالم أبناءه عليها، وهي روح ضدّ المسيح. هذه الروح التي يهمّها راحة الجسد بكلّ الوسائل حتّى على حساب الروح. فقد استطاع العالم أن يُقنع البشر، حتّى الكثيرين من أبناء الأرثوذكسيّة الضعفاء، أنّ الأهواء هي حالات طبيعيّة فينا، فلماذا نحتاج إلى كلّ هذه الأصوام والصلوات؟

لكنّ الحقيقة هي هذه فقط، أنّ الإنسانَ لا يستطيع أن يلتقي المسيح إلا في حالة إفراغ الذات. الصلاة والصوم  قادران أن يحرّرا ذهنَ الإنسان من عبوديّة حوّاس الجسد، ويُلصقانه أكثر بذكر دائم لله. إنكار الذات يكون بالتوبة وبحفظ وصايا المسيح؛ بالصبر وبشهادة الضمير وبالموت عن العالم. فنصل إلى التواضع الحقيقيّ وإستنارة الذهن في معرفة سرّ تجسّد المسيح.