رجلُ المحبّة

القدّيس يوسف الهدوئي

الشيخ أفرام أريزونا

تعريب جولي سعد

 

تجلّت محبة الشيّخ اللامحدودة تجاه الآخرين وكانت واضحة في عطائه ذي الشقيّن: الماديّ والروحيّ. ماديًّا، كان مهتمًا بتقديم كل ما بوسعه للآخرين كالطعام، الثياب، والملجأ. روحيِّا، اهتم بالدرجة الأولى بخلاص نفوسهم من خلال صلواته المستمرة ورسائله العديدة.

لم يكن الشيّخ خائفًا من أن يهَب الكثير وألا يُبقي شيئًا له ولأخويته، لأنّه كان يعلم بأنّ القدّيس يوحنّا المعمدان سوف يعتني مجددًّا باحتياجاتهم. كان مبررًّا دائمًّا لهم ليكونواعلى ثقةٍ تامة بشفيعهم. أخبرنا مرّة الأب أثناسيوس بأنّه عندما كانوا يتنسكون على قمة الجبل المقدس وكانوا يتضوّرون جوعًا، ظهر لهم القدّيس يوحنّا المعمدان وأعطاهم خبزًا بيديَه.

كان الشيّخ يوسف حريصًا جدًّا على أن يكون متقشّفًا في مقتنياتنا. مستشهدًا بالكتاب المقدس والكتابات الآبائيّة، علّمنا قيمة الحياة التقشّفية والحفاظ على فتات الطعام كي لا نخسر بركة الله. لهذا كلّما أوقع الشيخ حبّة من الحنطة أو قطعة صغيرة من الخبز الجاف، كان ينحني دائما ليلتقطها، وحتى في نهاية حياته عندما كان يجد صعوبة في الحركة. قال لنا: "إنّ رمي أي شيء، مهما كان صغيرًا يعتبر هدرًا. أعلم بأنّ شفيعنا (القدّيس يوحنّا المعمدان التي كنيستنا مكرّسة على إسمه)، يهتم بنا ويؤمّن لنا كل ما نحتاجه. فقد رأيته مرارًا يضع لنا الكثير من الأشياء التي نحتاجها في خزانتنا. وهذا ما جعلني أدرك بما أنّه يعطينا احتياجاتنا، فلا يجب أن نهدرها.

بشكلٍ دائم، قدم الياروندا للعديد من الرهبان المسنين الضعفاء في البرية كل ما يحتاجونه، لا سيّما الطعام المطبوخ. كان يهَب كلّ شيء ففي بعض الأحيان كان بعض الآباء في أخويته يشتكون لأنّه لن يتبقى لهم الكمية الكافية من الطحين، لكنّه لم يقلق بشأن ذلك لأنّه كان على ثقة كبيرة بعناية الله.

في يوم من الأيام عام 1940، بدأ الشيخ يوسف يشعر بألم وصداع كبيرين عندما كان يصلي. فيما هو يواصل الصلاة، إستنار بالمعرفة وعلم أن شرًّا عظيمًا كان على وشك أن يصيب البشرية. مباشرة بعد لحظة استنارته أوقف كلّ ما كان يقوم به وكرّس نفسه للصلاة ليلًا ونهارًا. بألم كبير وبكاء شديدين توسّل إلى الله ليرحم العالم. بما أنّه كان معزولًا بكهفه لم يكن يعلم ما يحدث في العالم. ومع ذلك استمرّ في صلاته الحارّة. بعد عدة أيام أخبره أحد أن إيطاليا أعلنت الحرب على اليونان في 28  تشرين الأول 1940. مَن يعلم كم عدد الناس التي خَلُصَت بصلوات الياروندا!

في السنة التالية أتى الاحتلال الألماني المروّع على اليونان. إحتكر الغزاة، الذين لا يرحمون، كلّ المنتجات اليونانيّة لحملتهم المُريبة. ونتيجة لذلك، انتشرت مجاعة كبيرة في كلّ أرجاء اليونان، وفي الجبل المقدس بدون استثناء. توفّي حوالي 300000 يونانيّ من الجوع من سنة 1941 إلى 1942، أغلبهم من المدن.

كانت هذه الفترة المظلمة فرصة للياروندا ليظهر قلبه الرؤوف. حتى ذلك الوقت، لم يكن يفتح بابه بسهولة لأنه كان ناسكًا عظيمًا ولا يريد أن يخسر هدوءه. ولكن الآن، من محبته الكبيرة، فقد أدرك أنه عليه أن يتخلى عن سكينته لفترة قصيرة من أجل مساعدة جيرانه بقدر استطاعته في هذه الأوقات الصعبة. قال الياروندا: "إذا كان لدينا شيء، فلا يجب أن نبقيه فقط لأنفسنا لأنه ليس بالشيء الصحيح.  يجب ألاّ نأكله لوحدنا، بل يجب أن نتقاسمه مع الآخرين".

كان هو والشيخ أرسانيوس يأخذون كل ما يرسله لهم الناس من ثيابٍ قديمة، وينزلون إلى الشاطئ ويبيعونهم مقابل الطحين. فقد باعوا أيضًا ثيابهم ولبسوا الأكياس بدلًا من اللباس الرهباني، فيقوم الياروندا باستعمال هذا الطحين لصنع الخبز، ومن بعدها يستدعي كل النساك الفقراء وحتى الناس المارّة ليأتوا ويأكلوا. بالرغم من فقره، فقد قدم كل شيء لديه فقد قال الجميع: "قلاية الشيخ يوسف هي منزل القديس صمصون مضيف الغرباء !" منذ ذلك الحين تلاشت عنه الشائعات الظالمة تدريجيًا على الرغم من أنها لم تختف تمامًا.

الطحين الذي اشتروه ببَيعهم ملابسهم لم يدم طويلًا. فعندما نَفذ الطحين، قال الياروندا للأب أرسانيوس "بسرعة، اذهب إلى الجبال واجمع الكستناء البريّة. وأحضرهم إلى هنا ومن بعدها سوف نقوم بطحنهم وطبخهم فيصبح لدينا نحن والفقراء شيء لنأكله. دعى كل الناس غير المرغوب بهم ليأتوا ويأكلوا معه. فقد برر نفسه من خلال شرحه: "الكلّ يريد الناس الصالحين ولكن لا أحد يريد السيّئين. من الأفضل لنا أن نموت لنطعمهم." مساعدة الكثير من الناس أرهقته هو والأب أرسانيوس، ولكنّه قال "هذا لا يهم؛ المحبة؛ المحبة! الآن هو وقت الربح من خلال المحبة والعطاء".

 

المرجع:  كتاب 470 My elder Joseph the Hesychast, page 467-