القديس فاليريو غافنكو، شهيد رومانيا الجديد في تيرغو-أوكنا (1952)

تعيّد له الكنيسة في 18 شباط

تعريب: ماهر سلّوم

 

"الشّيوعيّة ملأت السّماء بالقديسين"، هكذا قال الأب أرساني باباشيوك.

بسبب ظُروف لا تعرِفُها إلّا العناية الإلهيّة، رُغمَ "سحابَة الشُّهود" التي ازدهرت في زنزانات السُّجون الشّيوعيّة، يبقى فاليريو غافنكو الأكثر ذِكرًا بينهم. كلّ الذين عَرَفوا فاليريو يذكُرونَه بِتَقوى عظيمة، مُعتَبِرين إيّاهُ قدّيسًا. بالفعل، فالأب نيقولاي شتاينهاردت، يهوديّ تحوّل إلى المسيحيّة في السِّجن، سَمّاهُ في استرجاعِه لذكرياتِه، "قدّيس السُّجون".

عَبر محبّة فاليريو المُضَحِّية، النّابعة من تَفانيه التّامّ للمسيح، انحفرَت صورة حياتِه عميقًا في قُلوب مَن قابَلوه. قال الأب جورج كالتشو، شاهِد أرثوذكسيّ آخَر من الحَقَبَة الشُّيوعيَّة نَفَتْهُ إلى الولايات المُتَّحدة الأميركيّة السُّلُطات الرّومانيَّة الشُّيوعيَّة: "ليسَ عندي أدنى شكّ في أنَّهُ قدّيس، عاشَ كلمة الله من ارتفاعٍ لا نستطيع إدراكَهُ".

كرَّسَ هؤلاء المساجين أنفسهم لصلاة يسوع، ودراسة نُصوص من الكتاب المقدَّس والفيلوكاليا وكتابات الآباء، وأنشأوا في سجن أيود الشّيوعيّ طريقَة عَيش فيلوكاليّة. توحّدوا عبر رغبتهم بالتّضحية بأنفسهم من أجل المسيح. سانَدَ هؤلاء النُّسّاك بالرّوح بعضهم البعض – إذ كما سنرى، عاشوا في دَرَجَة عالية من النُّسك في أيود – مُحَضِّرين أنفسهم للتّجارب الصَّعبة التي سوف تواجههم.

 هؤلاء المَساجين الذين كانوا رهبانًا في قلبهم قد سَربَلوا ظُروف حياة السّجن بِوِشاحٍ رهبانيّ. يقول فيرجيل ماكسيم: “لقد خَلَق لكَ السّجن ظروفًا مُتَميِّزَة. زنزانتُكَ صارَت هيكلًا للصّلاة، للاغتذاء، مُدعاةً لممارسة النُّسك، للتَّوَحُّد، للزُّهد بالخَيرات المادّيّة ومُتَع الحياة، فرصةً للعيش كالفُقَراء، في النّقاوة والعفَّة. حالتنا المُزمِنة والمُحَيِّرَة خوَّلَتنا أن نضَع ثِقتنا في عناية الله ومشيئته. تتطلَّب الطّاعة وجود رئيس، وأب مُعَرِّف، يخضع له المرء، فأمّن لنا الله هذه العطيّة عبر حُضور كهنتنا. أيضًا، كنّا مُطيعين للبرنامج الذي تفرضه علينا السُّلطة العالميّة، مُعتَبِرين إيّاه كتعليمٍ إلهيّ، تَؤول فيه مشيئتكَ إلى الخضوع بوعي إلى المشيئة الإلهيَّة.

يُخبرنا الأب جورج كالتشو: "من المستحيل أن يتفهّمَ الوضعَ إنسانٌ حرٌّ خارج السِّجن. نحن، الذين كنّا في السّجن وأصبحنا أحرارًا الآن، سُعَداء جدًّا بحريّتنا، لكن لدينا نوع من الحنين إلى السّجن. ولا نستطيع شرح ذلك لأحد، سوف يقولون لنا: "أنتم مجانين! كيف تفتقدون السِّجن؟"

"لأنّي عشتُ في السّجن الحدّ الأقصى من الحياة الرّوحيّة. وصلتُ إلى قممٍ روحيّة لا أستطيعُ الوصول إليها وأنا في الحرّيّة. كنتُ مَعزولًا، متمسّكًا بيسوع المسيح، وكان عندي فرح واستنارة لا يقدّمها العالم. أنا لا أجِد الكلمات التي تعبّر بدقّة عن الشّعور الذي كنتُ أحسُّ به هناك. لا يستطيع الذين لم يعيشوا هذه الخبرة أن يفهموا كيف يمكن أن نكون مسرورين في السّجن."

عاش فاليريو غافنكو هذه السّعادة – التي تَفوق فَهمنا – رغم المعاناة. يتذكّر فيرجيل يوانيد كيف أنّه يوم كان على الطّريق بين سِجنَين، في شاحنة الشّرطة، وهو منهَكٌ من السِّلّ، وخَدّاهُ حَمراوانِ من الحُمّى، تكلَّم فاليريو عن "فرح المعاناة من أجل المسيح، مثل الشّهداء الأوائل، في احتمال الاضطهاد الذي يُطلِق له العنان أعداء الإيمان.

بعد أن وصل إلى أيود، عاشَ في نظامٍ قاسٍ. لوقتٍ طويل، كما اعترفَ لاحقًا، كان يُمضي معظم وقته في العُزلة، ويُسمَح له بالخروج للمشي مدَّةَ ساعة ونصف السّاعة فقط في النّهار. لم تكُن البداءة سهلة قطّ.

في خضمّ هذا الصّراع الرّوحيّ، بحثَ عن إجابة في الكتب التي كان يتمّ التَّداوُل بها في السِّجن. لقد قرأ كثيرًا في حياتِه، لكن الآن – بقدر ما كان باستطاعتِه القراءة في أيود حتّى السّنة ١۹٤۸ – يقرأ فقط كتابًا واحدًا، الكتاب المقدّس، وكُتُبًا أُخرى مُرتَبِطَة به: الفيلوكاليا وكُتُب الآباء. وكان يُصَلّي. في المُستَعمَرَة، كان يتوجّه إلى أطلال كنيسة مَهجورَة على قمّة التّلّة، في وسط حقل – لم يكُن لها سَقف، ومُعَرَّضَة للشّتاء وللطَّقس السّيّء – وكان يُصلّي هناك.

ساعَدَتهُ الكتب الرّوحيّة على رؤية الأمور بعُمقٍ اكبر وعلى التِفاتِه إلى ذاتِه. في عُزلَةِ زنزانته، كان يُصلّي كثيرًا، باحِثًا عن طريقة لفهم معنى المُعاناة. بعد مرور وقت من القلق المعَذِّب والجهاد، اختبر بنعمة الله حالةً من الاستنارة رأى فيها نفسهُ مليئةً بالخطايا.

"بعد مرور وقتٍ من الاضطراب، وبعد اختبار الكثير من الألم، وعندما امتلأت كأسُ المعاناة، أتى اليوم المقدَّس، في حزيران ١۹٤۳، عندما وقعتُ على الأرض على ركبتيَّ، مُنحَنيَ الرَّأس، مُحَطَّمَ القلب في انفجارٍ من الدُّموع. صلّيتُ لله كي يَهَبَ لي النّور، وكنتُ قد وصلتُ إلى نقطة فقدان الإيمان بأيّ إنسان. أدركتُ جيّدًا جدًّا أنّي في الحقّ، ولكن لماذا أتألَّم؟ لَم يبقَ في روحي المُتَحَمِّسَة سوى الحبّ. لَم يفهمني أحد."

"خلال هذه الفترة الطّويلة من البُكاء، بدأتُ بعَمَل المطّانيّات. وفجاةً – يا ربّ! ما أعظمكَ يا ربّ! – رأيتُ نَفسي مُمتلئةً خطايا، وجدتُ بداخلي جذور كلّ خطايا البشريّة. واحَسرَتاه، هذا الكمّ من الخطايا، وعَيْنا نَفسي اللّتان تَصلّبتا من الكبرياء، لَم تُبصِراها. كم هو عظيمٌ الله!"

"عندما رأيتُ كلّ خطاياي، شعرتُ بالحاجة إلى الصُّراخ عليها وإلى نَبذِها بعيدًا عنّي. وانسكَب في قلبي سلامٌ عميق، موجة عميقَة من النّور والمحبّة. بمُجَرَّد أن فُتِحَ الباب، تركتُ زنزانتي وذهبتُ إلى الّذين عرفتُ أنّهم يحبّونني والذين يُبغِضونني والذين ظَلَموني واعترفتُ لهم بِصراحة تامّة: "أنا أكثرُ رَجُلٍ خاطئ، وأنا لا أستحقّ ثقة ولا حتّى الأخير بين الرّجال. أنا مُبارَك!"

"انذهل الجميع، ونظرَ إليَّ البعضُ بازدراء، والبعضُ الآخر بلا مُبالاة. وبعضٌ منهم نظرَ إليَّ بمحبّة هم أنفسهم لَم يعرِفوا وَصفَها. شخصٌ واحدٌ قال لي: "تستحقُّ العِناق". لكنّي هربتُ سريعًا عائدًا إلى زنزانتي، وألقيتُ برأسي على وِسادَتي وتابعتُ البُكاء، شاكرًا الله ومُمَجِّدًا إيّاه".

كانت لحظة الاستنارة هذه ولادة ثانية حقيقيّة لفاليريو. فالمنفعة الأسرع لمعرفة الخطايا هي فهم معنى المعاناة. "ليس للمعاناة، بغضّ النّظر عن قَسوَتِها، معنى آخَر سوى تطهير النُّفوس العطشى إلى الخلاص."

اكتسبتُ من فاليريو عادةَ ائتمانه على كلّ ما يُثقِل ضميري بأسلوبٍ أخويّ. الاعتراف الأخويّ كان معمولًا به في ما بيننا. "اعترفوا بعضكم لبعض بالزّلّات" (أنظر يعقوب 16:5). وبالأخذ بنصيحتِه، تثقّفتُ أخلاقيًّا.

"أكّد فاليريو وجود طريقَين للخلاص: الأول – الطّبيعي والمناسِب للجميع – من خلال الزّواج؛ والطّريق الثاني – المناسِب فقط لبعض مَن هم مَدعَوّين – من خلال الرَّهبنة. في البدء حاول سلوك الطّريق الأوّل. بما أنه كان يبغي الزّواج، طلب يد صديقة قديمة بكامل إرادته. إذ قوبِلَ بالرَّفض، اعتمد الطّريق الثّاني: نَذَر أن يصبح راهبًا بعد إطلاق سَراحِه. كان قراره كافيًا لله، وأخذه الله إلى خاصّته، ولم يكن بحاجة لإثبات آخر عن إيمانه."

لم يرَ السُّجَناء الذين تعرّفوا على فاليريو فيه مُجَرَّدَ إنسان بل ملاكًا أرضيًّا. كان أوّلاً قائدًا ومُلهِمًا للشّباب، أمّا الآن فهو يُغدِقُ محبة المسيح على الجميع. يَروي ألكساندرو فيرجيل ايوانيد التّالي: “كان انطباعي الأوّل قويًّا بشكل خاص. بدا لي أنه كان مَبعَثًا لنهر من الحبّ لا ينضَب ولِطاقةٍ مُتَّقِدة. ما جَعَلَني أتأمّل بالهالة المُحيطة بالقدّيس سيرافيم ساروف. كان بالنسبة لي، من دون أيّ شك، شخصيّةً ذات كاريزما. لكننا لم نَمكُث في الزنزانة ذاتها كما كنتُ أرغب.” كان جورج كالتشيو، ذو ال22 من العمر، من بين الذين عرفوا فاليريو. بعد عدّة سنين، تكلّم الأب جورج عن تأثير فاليريو غافنكو في المَساجين الأصغر سِنًّا: “كان يكفي أن نراه ونَمُرَّ بقربه كان نشعر حالاً بتأثير غافنكو. نحن الذي أُطلِقَ سَراحُنا من السّجن قد نُقِلنا عدّة مرّات بين الزّنزانات. فيمكن أن غافنكو أمضى وقتًا مع حوالي 400 شخص خلال تَنَقُّلِهِم بين الزّنزانات. في اللحظة التي يكونون فيها في الزّنزانة مع غافنكو، كانوا يَنسون أي فِكر سيّئ وأي تَمَرُّد ضدّ يسوع المسيح. لقد تأسّست كنيسة هناك في الزّنزانة. كان هناك شُبّان وتَمَرُّد ومشاكل، إلخ… لكنّه غيّر نفسهم وذهنهم. لذلك، تَذكارُه هو مُكَرَّمٌ، والأشخاص الذين كانوا معه في الغرفة ذاتها ما يزالون يُصَلّون له كما لقدّيس."

 

 

"كانت حياته مِثالاً اقتدى بها كثيرون. لقد ترك المرض والألم آثارًا عميقة في جسده. لكن النّظرة في عينيه الزَّرقاوَين كانت مُشرقِة بالسّلام ومليئة باللطف. كان باستطاعة كل من رآهما أن يقرأ فيهما معنى محبة الله والإنسان."

"خلال عشيّات وليالي فصل الشتاء، كان فاليريو يدعونا للجلوس بجانبه كي يتبادل الأفكار عن ضميرنا المسيحي. سألني مرّةً أعمق وأهمّ سؤال، شيئًا احتفظتُ به لبقيّة حياتي: ’ما هو هدف الحياة الأساسيّ برأيكم؟’ حاولتُ بصعوبة صياغة الإجابة الأكثر بلاغةً لكن أعتقد أنني فشلتُ في الإبداء عن جوهر الحقيقة. كان جواب فاليريو: ’أعتبر قَصدَ حياتِنا الأعظم هو التّهيئة المستمرّة ليوم القيامة المسيحية. في ذلك اليوم، سوف يُقَدِّم الناس والأوطان ذواتهم أمام الدّينونة العُليا، مع أعمالهم الصّالحة وخطاياهم، وسوف يوضَعون نتيجةً لذلك في المركز المناسب في المراتب السّماويّة.’ ربّما سمعتُ شيئًا كهذا من قبل لكن الطّريقة التي عبّر عنها فاليريو – بصوته الحَماسيّ وعُمق عينيه السماويّ - صَعَقَت نفسي كالبَرق وحوّلت عالَمي الدّاخليّ لباقي حياتي. كان يمارس الصلاة القلبيّة’، وهي ممارسة هدوئيّة كان قد بدأها منذ سنين، فصارت الصلاة الآن تتحرّك فيه بلا انقطاع، على وتيرة قلبه النّابِض.“

“لقد عَزَّز مرور الوقت قَناعتي أنني لم ألتقِ بأي شخصيّة مسيحيّة أخرى رَفيعة قامةً وعُمقًا. ذهب في اهتمامِه بالخَلاص المسيحي أبعد من ذاته وحتى من رومانيا. كان مَعنِيًّا جدًّا بالازدهار المسيحي للأرثوذكسيّة وكان يفكّر باستمرار بِمَصير الإنسان النّهائي. لم يكن يُشير إلى الوقت الذي مضى أو الوقت المُتَبَقّي حتى نجاتنا. أدركتُ أنّه تجاوز الحدود الطبيعية للوقت والمكان، وكان يعيش في بُعد الأبديّة.

أصبح تيرغو-أوكنا مستشفى روحيّ. استخدم الله هذا النظام، الذي صُنِعَ لِتَحويل الناس إلى شياطين، لإنتاج القديسين. كان فاليريو غافنكو واعِيًا على رحمة الله وسعى لِجَعل مَن حوله يفهمون هذا الأمر. كانت تُزهِر حياةٌ روحيّة خَفِيّة، ولم يكن باستطاعة السُّلُطات فعل أي شيء.

 

وجد شتاء 1951-1952 فاليريو في حالة تَدَهوُر جسدي كامل. في أوائل شباط 1952، عَلِم فاليريو أن نهايته على الأرض قد اقتربت. في 2 شباط، يوم عيد دخول السيد إلى الهيكل، سأل فاليريو نيكولاي إيتول أن يجلب له شمعةً وقميصًا أبيض. قال أنه بحاجة لها قبل 18 شباط. قال أيضًا أنه يملك صليبًا معدنيًّا صغيرًا أعطته إيّاه صبيّة كان يعرفها، وأراد أن يضعه في فمه من الجانب الأيمن. قال لنيكولاي: “إغسلْني وألبِسْني لأننا ماضٍ عنك في 18 شباط."

بزغ صباح 18 شباط. خلال الزيارة الطبّيّة، شكر فاليريو الطّبيبة والجنديّ من كلّ قلبه. حوالي السّاعة العاشرة، طلب من إيتول أن يجمع أصدقاءه المُقَرَّبين حوله كي يُوَدِّعَهم. لم يُبدِ أي خوف بوجه الموت لكنّه كان مُشرِقًا بسلام ملائكي. قُدِّم الطعام لِفاليريو عند الظّهر لكنّه رَفَضَه. كان يتهيّأ لدخول العالم الثاني بكامل وَعيِه حتى الدّقيقة الأخيرة. كان إيتول ولونجيانو يُصَلِّيان بقرب سريره، فيما كان فاليريو يتصبّب عَرَقًا. وصَعِدَت نفسه الطّاهرة بين السّاعة الثّانية والثّالثة إبّان صلاة حارّة.

كانت كلماته الأخيرة: “لا تنسوا أن تُصَلّوا إلى الله أن نلتقي هناك جميعًا! يا رب، أعطِني العبوديّة التي تُحَرِّر النّفس وخُذ منّي الحرية التي تستعبد النّفس!” لا يزال قبره مجهولاً لأنّ المَساجين في ذلك الوقت كانوا يُدفَنون في مكان مشترَك وكان رأسهم يُحَطَّم كيلا يميّزهم أحد في المستقبل. لكنّه طلب أن يُدفَن مع صليب فضّي صغير في فمه وإن شاء الله يمكن أن يُعثَر على رفاته.

بصلوات القديس الشهيد فاليريو، أيّها الرب يسوع المسيح إلهنا، إرحمنا وخَلِّصنا! آمين.

 

https://iconandlight.wordpress.com/2020/02/18/39549/

قدّيس السجون – مدوّنات من حياة فاليريو غافنكو، جمعها ودوّنها الرّاهب موسى، تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، 2017