الشيخ أفرام الذي من جبل آثوس وأريزونا (الجزء الثّالث)

الميتروبوليت إيروثيوس، مطران نافباكتوس

تعريب شادي مخّول

 

3) فن ّالخلاص:

لم ألتقِ بالشيخ أفرام منذ أن ذهب إلى أمريكا. لم أحصل على بركة زيارته في دير أريزونا المقدَّس. مع ذلك، لقد كنتُ وما زِلتُ على تَواصلٍ مع أبنائه الرّوحيّين. ومن خلالهم أسأل صلواته، وهو يُرسل لي كلماتٍ نبويّةً متنوعّة ومحبّته.

لقد اعتدتُ أن أُرسل له الكتُبَ التي أنشرها، وكان يُسَرُّ بذلك. بالحقيقة لقد كان مسرورًا بشكلٍ خاص بكتابٍ واحدٍ منهم، وهو الكتاب الأوّل الذي كتبتُه عن القدّيس باييسيوس الآثوسي، وقد أرسلوا لي من دير أريزونا المقَدَّس صورته وهو يحمل هذا الكتاب بين يَديه، هذه إشارةٌ أنّه أحبّ القدّيس باييسيوس كثيرًا.

كنت أُحدِّثُه أحيانًا عبر الهاتف. لقد عبَّرتُ له عن محبّتي وطلبت صلواته ومحبّته لخدمتي الكهنوتيّة. كانت اليارونديسّا فوتيني المغبوطة الذكر، رئيسة دير ميلاد والدة الإله – بيلاجيا، تتراسل معه. تُظهر الرّسائل شخصيّة الشيخ أفرام بكاملها، وكيف قاد الرّهبان. عليّ أن أنشر هذه الرسائلَ يومًا ما.

لقد ترك انطباعًا فريدًا عليّ عندما طلب منّي، عبر أبنائه الرّوحيّين، أن أكتب مقدِّمةً لعدد من كتبه التي نشرها باللّغة الإنكليزيّة، مثلًا كتاب شيخي يوسف الهدوئيّ والكَهفيّ. ذلك لأنّ طريقة تفكيره كانت كَنَسيّةً بكلّ ما للكلمة من معنى، إذ أراد أن يكتب المقدّمة أسقفٌ يحبّ الرَّهبَنة.

لقد كنتُ أكثَر تأثُّرًا عندما أرسل لي نسخةً مطبوعةً لكتابٍ أرادَ أن ينشره بعنوان فنّ الخلاص، وهو يتكوّن من عظاتٍ ألقاها في دير فيلوثيو المقدَّس وفي أمريكا. طلب منّي، بتواضعه الفريد، أن أقرأه وأن أحدِّدَ النقاط التي يجب تصحيحها للتأكّد من أنّها لا تنحرف عن اللّاهوت الأرثوذكسيّ. قرأتُه كمسودّةٍ بإلهامٍ كبير، وأرسلتُ إليه بعض النقاط التي يمكن أن يُصَحِّحَها.

بعد ذلك، أرسَلَ لي رسالةً قائلًا إنّ كلّ ما قد اقترحتُه عليه قد تمّ قبوله، وحثّني على إجراء أي تعديلاتٍ أُخرى حتى دون أن أُعلِمَه بها، وأن أُرسل الكتابَ مباشرةً إلى المطابع لنشره. هذا يُظهر تواضعَ أبٍ عظيمٍ ومختَبِر. طَلَبَ منّي أيضًا أن أكتبَ مقدّمةً لهذا الكتاب باللّغة اليونانيّة.

أعرضُ هنا مقدّمةَ هذا الكتاب الذي كُتبَ سنة 2003 أي منذ ستّ عشرة سنة، لأنّه يُظهر نظرتي للشيخ أفرام منذ عدّة سنوات. لقد كتبت في المقدّمة:

«أعتبرُ أنّه لشرفٌ عظيمٌ واستثنائيّ أن أكتب مقدّمةَ الجزء الأوّل لعظات الشيخ أفرام، الرئيس السابق لدير فيلوثيو في الجبل المقدَّس. وذلك كان تلبيةً لطلبه، ولطلب آباء دير القدّيس أنطونيوس المقدَّس – أريزونا، أمريكا. ينبع هذا الشعور بالشَّرف من حقيقة كون الشّيخ أفرام معلّمًا ذا خبرة في حياة النقاوة في كنيستنا الأرثوذكسيّة.

إلتقيتُ الشيخ أفرام في الجبل المقدَّس عندما كان يحيا حياةً نسكيّةً في الإسقيط الجديد (Νέα Σκήτη)، وإنني أحتفظُ بشكلٍ واضحٍ، في ذاكرة قلبي، بصورة الناسك المتوهّج الذي اقتنى ذِكرًا لله غير منقطعٍ وإلهامًا روحيًّا. كان ناسكًا قد عاش ومارس حياةً روحيّةً، وقد عرف من خلال الخبرة ما هي الأهواء وكيف يتمّ التغلّب عليها؛ وما هي الشّركة مع الله وكيف يتمّ اقتناؤها. وهو، في الوقت عينه، أبٌ روحيٌّ حكيمٌ وذو خبرة، وبتعبير إكلسيولوجيّ عن طريقة التفكير التي تُمَيِّزُه وتُمَيِّز كلّ راهبٍ هدوئيّ حقيقيّ، فهو يحترم الأسقف وقد طلب منه، بتواضعه الشديد ونُبْلِه الذي لا يمكن أن يُذلَّل، أن يكتب مقدّمةً لعظاته.

نرى هنا الرّابط بين موهبتين في الكنيسة، أي بين حياة الرّاهب وكهنوت الأسقف. وهذا يذكِّرُني بوضوحٍ بالعلاقة، لكن أيضًا بالتواضع بما يتعلّق بهذا الموضوع، بين القدّيس نيقوديموس الآثوسي وإيروثيوس أسقف إفريبوس، كما يتضّح من الرّسائل المُتَبادَلة بينهما التي نُشِرَت في مطلع كتاب «إرشادات ونصائح في حفظ الحواس الخمس».

النصوص الموجودة في هذا الكتاب هي عبارة عن عظات مُوَجَّهة إلى الرّهبان، بخاصّة رهبان حياة الشركة، حسب ما فهمت، عظاتٍ لرهبان دير فيلوثيو في الجبل المقدَّس أي أبنائه الرّوحيّين الذين يوجّههم في الحياة الرّوحيّة.

ميزات هذه العظات أنّها تجمع ما بين اللاهوت والرّعاية. بالطبع لا أعني باللّاهوت المعرفة الأكاديميّة، التي هي ضروريّة في بعض الظروف ضمن تاريخ حياة الكنيسة، إنّما اللّاهوت كموهبة أي الخبرة مع الله ومعرفة الله، كما معرفة الكلمات غير المخلوقة التي لُقِّنَت لاحقًا عبر كلماتٍ ومفاهيم مخلوقة.

كان الشيخ أفرام بنفسه مُطيعًا لشيخٍ قدّيس هو الشّيخ يوسف الهدوئيّ. عاش الصلاة الذهنيّة بإشراف هذا الشيخ الذي كان هدوئيًّا يقطن الصحاري. وقد اختَبَرَ «النعمة الأولى» وبعدها «النعمة الثانية» كما اعتاد أن يقول الشيخ يوسف بحكمةٍ، وبعد ذلك اقتنى تمييز الأرواح التي هي الموهبة اللّاهوتيّة الحقيقيّة.

بالتالي، أصبح هذا اللّاهوت خبرةً رعائيّةً مقدَّمَةً للإرشاد الرّعائيّ للأبناء الرّوحيّين. لاهوتيٌّ كهذا، يعرف من خلال خبرته حالة آدم قبل عصيانه والسقوط، لأنّه في ذلك الوقت كان في حالة استنارة الذهن. هو يعرف ما كانت نتائج السقوط المُريعة، فالصورة الإلهيّة قد غَشِيَت، والذهن قد أظلَمَ وكلّ قوى الرّوح، التي بدأت بالتحرّك عكس طبيعتها، قد انحرفت، نتيجةً لذلك تولّدَت الأهواء كما نعرفها اليوم. بالتالي، لاهوتيّ كهذا يفقه الأساليب النسكيّة والذهنيّة والهدوئيّة، بكلمات أُخرى، الطاعة واليقظة الرّوحيّة والصلاة والهدوئيّة الذهنيّة، التي بها يتحرّر الإنسان من سيادة الشرّير والموت والخطيئة، ويقتني الشركة مع الله «بشخص يسوع المسيح»، ويبلغ بالواقع إلى معاينة مجد الله بالجسد البشريّ الذي للكلمة، أي إلى الفردوس.

من الواضح أنّه هناك علاقةٌ وثيقة بين اللّاهوت والخدمة الرعائيّة، وبين المعرفة الرّوحيّة ورعاية الناس. فقط أولئك الذين يمتلكون معرفةً مختبرة لأسرار الله يستطيعون مساعدة الناس لكي يتحرّروا من سيادة الأهواء والشّرير والموت. هذا يشكّل الخدمة الكنسيّة الرعائيّة الحقيقيّة. إن كان أحدٌ لا يفي هذه الشروط المُسبَقَة، سيتفوّه بكلماتٍ باهرةٍ، وسيعلّم الجمالِيّات بدل النُّسك.

تنتمي عظات الشيخ أفرام لهذا الإطار. إنه لواضحٌ أنّ المادّة التي يستخدمها مُستقاةٌ من الكتاب المقدَّس، الذي هو كلماتُ الأنبياء والرّسل، أي مُعايِني الكلمة غير المتجسِّد والمتجسِّد؛ ومن كتابات آباء الكنيسة القدّيسين خلفاء الرّسل القدّيسين وحاملي خبرة وَحْيِ العنصرة؛ ومن أقوال الآباء وسنكسارات الكنيسة التي تُظهِر حياة أعضاء الكنيسة القدّيسين والحقيقيّين، الذين هم في الوقت عينه أعضاء في جسد المسيح الحقيقيّ؛ كما من قصصٍ عن نسّاك الجبل المقدَّس القدّيسين. رغمًا عن كلّ الأمور، تولَّدت هذه النصوص من خبرة الشيخ أفرام الشخصيّة، لهذا السّبب قد قُدِّمت بأصالةٍ وبساطةٍ وصفاءٍ ووداعةٍ، التي هي ثمار الهدوئيّة الأرثوذكسيّة.

لقد قرأتُ العظات المنشورة في الجزء الأوّل بانتباهٍ وبصلاةٍ، معظمها في سلام وهدوء دير رقاد والدة الإله أمبيلاكيوتيسّا في أبرشيّتي المقدَّسة. جَلَبَت لي قراءة هذه النصوص فائدةً روحيّةً وولَّدَت فيَّ حالة صلاة. وفوق كلّ شيءٍ، رأيت أنّها تصف حالة الإنسان قبل السّقوط، وما حلّ به بعد سقوطه، وكيف يمكنه أن يتحرَّر من قوّة الموت.

هذه العظات هي مُفعَمَة بالحياة حقًّا؛ فهي توقِظُنا وتخلق الوحي والتوبة، التي هي عناصر التعليم الأرثوذكسيّ الصحيح. هذه العظات، كحال كلمات البشر الذين اقتنوا الرّوح القدس والشركة مع المسيح من خلال الهدوئيّة، تُحوِّل المشاعر فيتخطّى ذهنُ المتكلِّم الحدودَ البشريّة. هي توجّه القارئ نحو مفهومٍ آخر لأشياء تتخطّى قدرة الأهواء والموت بكلّ ما لهذه الكلمة ولهذه الحالة من معنى روحيّ.

عندما أنهيت قراءة هذه العظات، تبادَرَ إلى ذهني مقطع من القدّيس بولس: «لاَ يُخَسِّرْكُمْ أَحَدٌ الْجِعَالَةَ، رَاغِبًا فِي التَّوَاضُعِ وَعِبَادَةِ الْمَلاَئِكَةِ، مُتَدَاخِلاً فِي مَا لَمْ يَنْظُرْهُ، مُنْتَفِخًا بَاطِلاً مِنْ قِبَلِ ذِهْنِهِ الْجَسَدِيِّ، وَغَيْرَ مُتَمَسِّكٍ بِالرَّأْسِ الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ بِمَفَاصِلَ وَرُبُطٍ، مُتَوَازِرًا وَمُقْتَرِنًا يَنْمُو نُمُوًّا مِنَ اللهِ». (كول 2: 18-19).

يتكلّم بولس الرّسول هنا عن حادثةٍ في ذلك الزّمان ترتبط بعبادة الملائكة. مع ذلك، يمكننا أن نوردها اليوم أيضًا كونه هناك عدّة ديانات ملائكة وشياطين ترتكز على نفخ الذهن البشريّ بِتَخمينات خياليّة ورؤى شيطانيّة ومُخَطَّطات اجتماعيّة، لا بتعاليم أصيلة نابعة من اتحادٍ بالمسيح رأس الكنيسة. بالتالي، تصلح كلمات بولس الرّسول هنا أيضًا: «إِذًا إِنْ كُنْتُمْ قَدْ مُتُّمْ مَعَ الْمَسِيحِ عَنْ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، فَلِمَاذَا كَأَنَّكُمْ عَائِشُونَ فِي الْعَالَمِ؟ تُفْرَضُ عَلَيْكُمْ فَرَائِضُ» (كول2: 20).

غالبًا ما يؤثّر العيش في مجتمعٍ علمانيّ كهذا حتى على الوضع الكنسيّ، ما يتطلّب منّا أن نجاهد بتواضعٍ وبكلّ المُسَلَّمات الأرثوذكسيّة الكنسيّة كما وردت في تعاليم القدّيسين أعضاء جسد المسيح الحقيقيّين، بغية أن نكون مُتَّحِدين برأس الكنيسة الذي هو المسيح، ولكي، بكوننا أعضاءً في جسد المسيح، نغتذي من الرّأس لكيما به نتّحد بعضنا ببعضٍ، وننمو روحيًّا. بكلماتٍ أُخرى، كلّ وجودنا يجب أن ينمو مع الرِّفعة التي من الله. يجب على غاية حياتنا أن تنمو وفقًا لله، وأن تتقدَّم من حالتنا الساقطة إلى حدّ الفردوس، من تَبَعِيَّتِنا للشرير إلى حدّ التألّه، الذي هو الرِّفعة النابعة من عند الله.

تساهم عظات الشيخ أفرام هذه بهذا النمو الرّوحيّ. فهي لم تذكّرني بالتعليم الرهبانيّ الأصيل وحسب، إنّما بروح الجبل المقدَّس أيضًا، كما شاهدتُه في السِّتينات والسَّبعينات، وكما أشاهده اليوم في رهبان الجبل المقدَّس الذين يَحيَون حياةً نسكيّة وهدوئيّة.

أشعر بضرورة شكر الشيخ أفرام الكليّ الوقار على الجهادات التي تَكبَّدها ليقتني معرفة الله، وهذه العظات هي ثمرة هذه الجهادات. أسأله أن يصلّي من أجلي ومن أجل كلّ الذين انخرطوا في الخدمة الرعائيّة، لئلّا نخسر غاية الخدمة الرعائيّة الأعمق والأكثر ضرورةً، التي هي قيادة الناس، وقبل كلّ شيء قيادة أنفسنا، من كوننا على صورة الله لنصبح على مثاله، من ظلمة الذهن إلى الاستنارة والتألّه. لأنّه يجب علينا أن نتمسّك بِحَزمٍ بأنّ المسيحيّة لا تبتغي بكلّ بساطةٍ تأدية مَهام اجتماعيّة، إنّما، نسبةً للقول الصائب للقدّيس غريغوريوس النيصصي «المسيحيّة هي محاكاة الطبيعة الإلهيّة». (آب 2003).

 

الشيخ أفرام الآثوسيّ والأريزونيّ، ومعلّم الهدوئيّة العالميّ، أثبت، كما قال لي أحد الرّهبان المبارَكين، وكما اتّضح من كل ما قد كتبتُه، إنّه ناسكٌ قدّيسٌ بتقليدٍ وحياةٍ هدوئيّة؛ معادلٌ لرسل المسيح، أنارَ أمريكا بالرهبانيّة الهدوئيّة الأرثوذكسيّة؛ وشهيدٌ لأنّه شنَّ حربًا على القوى الشيطانيّة تحت أسماءٍ مختلفةٍ وعديدة؛ لكنّه أيضًا نبيٌّ لأنّه أبصرَ بذهنه النقيّ المشاكل الموجودة اليوم بين المسيحيّين وتصرّف معها «بقوّة وروح» أليشع النبيّ. إرادة الله أيّدت عمل يديه، أي الأديار التي جاهد في تأسيسها وإدارتها.

أسأل بتواضعٍ بركته وصلاته إلى الله من أجل كلّ المسيحيّين الأرثوذكسيّين، إكليريكيّين وعلمانيّين، وأنا الآخر بين البشر بينَهم. ذِكرُه سيدوم مؤبّدًا في مُحِبّيه، لكن فوقَ الكلّ، في ذاكرة الكنيسة.

 

المصدر:

https://www.johnsanidopoulos.com/2019/12/elder-ephraim-hagiorite-of-arizona-1-of.html