كيفيَّة الحفاظ على تيبيكون الكنيسة بحسب القديس يوحنا مكسيموفيتش

تعريب: نديم سلّوم
 

إنَّ الخدم والطقوس الإلهيَّة في الكنيسة الأرثوذكسيَّة، والتي لها في الأساس تيبيكونًا واحدًا وتحافظ على القواسم المشتركة في كلِّ ما هو مهم جوهريًّا، تختلف الواحدة عن الأخرى في الممارسة. لا تختلف العادات بين مختلف البلاد ومختلف الكنائس المحلِّيَّة فحسب، بل أيضًا في حدود منطقة (أبرشيَّة) واحدة، وأحيانًا في مدينة واحدة. تختلف العادات بشكلٍ كبيرٍ بين الكنائس المُتَمَركِزة إلى جانب بعضها. لقد أُثيرَت أكثر من مرَّة مسألة تتعلَّق بإدخال تيبيكون واحد مُشتَرَك مُختَصَر يكون إلزاميًّا لجميع الكنائس. ومع ذلك، فإنَّ ما قد يكون قرارًا نظريًّا فقط، قد يكون من المستحيل تنفيذُه في الواقع، وأيضًا مؤذيًا عند محاولة ذلك.

يأتي الإختلاف في تطبيق تيبيكون الكنيسة نتيجة قوَّة العادات التي ترسَّخت. تملك هذه العادات أحيانًا معانٍ عميقة جدًّا، إلاَّ أنَّها أحيانًا تكون بلا معنى؛ لذلك تبقى بسبب غيرة الذين يقومون بها وعزمهم. يجب، من دون شك، أن يُؤخذ بعين الإعتبار ما تمَّ قُبوله كعادات مقدَّسة أي ما قُبِلَ من العصور القديمة وأُكِّدَ. دخلت هذه العادات في وعي الإكليروس الذين يقومون بها بالإضافة إلى الشعب. ومع ذلك، يجب أن نعطي وزنًا أقلّ بكثير للمُمارَسات الشائعة، أي ما هو مُجرَّد عادة لأولئك الذين يطبِّقونها، وليس لديها معنى داخلي ولم تدخل في وعي الشعب. يجب أن نتمسَّك بالنوع الأول من العادات طالما أنَّها مفيدة لنشاطنا، ولا تتناقض مع تيبيكون الكنيسة. بالنسبة إلى النوع الثاني من العادات، قد لا يعطيها المرء سوى القاعدة المشتركة التالية: كلَّما كانت أقرب إلى تيبيكون الكنيسة، كلَّما كان تطبيقُها أفضل. إنَّ تيبيكون كنيستنا ليس مجموعة من القوانين المائتة وليس ثمرة بعض الأعمال المكتبيَّة المُجَرَّدة، بل هو مَبنيّ على خبرة النُّسَّاك الروحيَّة الذين فهموا تمامًا أعماق روح الإنسان وقوانين الحياة الروحيَّة. اختبر الآباء القديسون بأنفسهم المواجهة مع ضُعُفات الروح والجسد، ووسائل شفائهم أيضًا؛ توصَّلوا إلى فهمٍ جيِّدٍ لِمَسار عمل الصلاة وقوَّتها.

تيبيكون الكنيسة هو دليلٌ للتعلُّم والتدرُّب على الصلاة، وبقدر ما تلتزم به بقدر ما تجتني إفادةً. في حال عدم القدرة على تطبيق كل ما هو مَنصوص بالتيبيكون، يجب أن نطبِّق ما نستطيع عليه، مُحافِظين على شكله العام ومُحتواه الرئيسي. من ناحية، من الضروري تطبيق الخصائص الرئيسيَّة لخدمة معيَّنة غير متغيِّرة في أساسها والتي تحافظ على هويَّتها منفصلةً عن غيرها. من ناحية أخرى، يجب أن نحاول  قدرَ المستطاع ملء تلك الأجزاء من الخدمة، والتي تتغيَّر حسب اليوم، وتعبِّر عن معنى وسبب الإحتفال في هذا اليوم. تجمع الخدم الإلهيَّة في حدِّ ذاتها الصلاة، التي تُرفَع إلى الله من قبل المؤمنين، ونَيْل نعمة الله من خلال الإشتراك بها، وتعليم المؤمنين. يتألَّف التعليم من القراءة في الخدم الإلهيَّة والترانيم والتعليم المسيحي والإرشاد في الحياة المسيحية. تحتوي الخدم الإلهيَّة في تركيبتها ملء التعليم العقائدي للكنيسة وتمهِّد الطريق إلى الخلاص. تقدِّم ثروة روحيَّة لا تُقَدَّر بثمن. بقدر ما يتمّ الإلتزام بها بشكل كامل ودقيق، بقدر ما يستفيد المشاركون فيها. أولئك الذين يؤدُّونها بلا مبالاة ويختصرونها بسبب كَسَلِهم يسلبون قطيعهم، حارِمين إيَّاهم من خبزهم اليوميّ، ويسرقون منهم كنزًا ثمينًا. إنَّ اختصار الخدم الذي يحصل بسبب ضعفٍ ما يجب أن يحدث بحكمة ويتمَّ بحذر بغية عدم المَسّ بما لا يمكن العبث به.

على وجه التحديد، يجب في صلاة الغروب قراءة المزمور 103 (باركي يا نفسي الرب...) بكامله؛ إذا أردتَ ترتيله فمسموحٌ لك ترتيل بعض الآيات ولكن ترتَّل بوقار. يُفضَّل ترتيل آيات المزامير 140 و141 و129 و116، التي تبدأ بـ"يا رب إليك صرختُ" بكاملها مع استشيراتها. في أيام محدَّدة، من الضروري تلاوة قراءات من العهد القديم وإقامة الليتين. إقامة صلاة السحر تحصل في الصباح. لا يُسمح بإقامة صلاة السحر مساءً، إلاَّ في حالة إقامة سهرانيَّة، لأنَّها تَبطُل (أي تُلغى قيمتها الليتورجيَّة)، فيما هي ضروريَّة للمؤمن؛ حتى لو كان حضور المؤمنين ضئيلاً في الكنيسة صباحًا، لكن لهذا الحضور تأثير نافع للروح، فيقدِّسُه ويوجِّهُه طول النهار. لا يجب اختصار المزامير الستَّة. كما أنَّه من الضروري قراءة مزامير الكاثسماطات بكاملها. لا ينبغي أن يُستبدَل الترتيل بالقراءة إلاَّ في حالة عدم وجود أحدٍ قادرٍ على الترتيل، بما أنَّ تأثير الترتيل أقوى بكثير من القراءة ونادرًا ما تكون القراءة قادرة على استبدال الترتيل. لا تتجرَّأ على إهمال الثيوطوكيَّة (القطعة الخاصة بوالدة الإله) بعد الطروباريَّة وباقي التراتيل، لأن مُحتواها يتضمَّن أساس إيماننا – التعليم عن تجسُّد ابن الله والتدبير الإلهي.

يجب أن تتمَّ صلاة الساعات من دون اختصارات، بما أنَّها أساسًا قصيرة. يجب قراءة جميع المزامير الثلاثة لكلِّ ساعة، وكذلك الطروباريَّة المخصَّصة والصلوات الأخرى. يجب إبداء اهتمام خاص للإفشين الذي يُتلى في نهاية كلِّ ساعة، والذي يعبِّر عن معنى الحَدَث المُقَدَّس الذي يتم الإحتفال به في كلِّ ساعة. يجب أن يتمَّ القدَّاس، إذا كان من المستحيل إقامتُه يوميًّا، على الأقل في جميع الآحاد والأعياد الكنسيَّة، من دون القلق عن عدد المؤمنين القادرين على حضور الخدمة. القدَّاس هو الذبيحة غير الدموِّيَّة للعالم أجمع، ومن واجب الكاهن أن يخدمه عندما يقتضي الأمر. يُمنَع على نحوٍ إيجابي حذف أي قسم من كتاب الخدمة. من الضروري أيضًا ترتيل الترانيم المعيَّنة للقداس، من بينها المزامير 103 و145 و33 (التيبيكا): إذا اختُصِرَ المزمور 103 بسبب طوله (مع أنَّه يُفضَّل عدم القيام بذلك)، فيُستبدَل المزموران (103 و145) بالأنديفونات. يُستبدل المزمور 33 فقط بأسبوع التجديدات بترتيلة "المسيح قام..."؛ أمَّا بالنسبة لبقيَّة العام فيجب قراءته أو ترتيله نظرًا لتثقيفه وليس هناك مُبَرِّر لإغفاله. هذه الطروباريات المحدَّدة لكلِّ قدَّاس يجب أن تُرتَّل ضمن ترتيبها الصحيح بما أنَّها الجزء الإحتفاليّ من القدَّاس.

يشير أيضًا تيبيكون الكنيسة إلى الحفاظ على ترتيب قراءة الرسائل والأناجيل. إذا تمَّ الإلتزام به على مدار السنة، فسوف تتم قراءة الإنجيل وكذلك الرسائل برمَّتها في تلك الكنائس التي تقام فيها الخدمات يوميًّا. يتطلَّب هذا الترتيب ضرورة الإلتزام بالقراءة الدوريَّة التي لا تُستبدل إلاَّ في الأعياد الممتازة، ولكن حتَّى مع ذلك لا تُلغى القراءة الدوريَّة، فَتُقرأ في اليوم السابق إلى جانب القراءات الإعتياديَّة؛ تُقرأ في الأعياد الأقلّ أهمية القراءات الدوريَّة والإحتفاليَّة. إنَّ قراءة القراءات الاحتفاليَّة فقط، أي مع الإمتناع عن القراءة الدوريَّة، تُدعى بـ"اللاعقلانيَّة" من قبل التيبيكون لأنَّه عندما يحصل هذا يُنتهَك المعنى الكامل لتوزيع القراءات في الترتيب المُحَدَّد، والذين يقومون بهذا يظهرون عدم فهمهم لمعنى هذا التوزيع.

خِدَم الأسرار الأخرى، كما الخدم الأخرى الواردة في كتاب الإفخولوجي، لا يجب أن تُختصَر إلاَّ عند الضرورة الملحَّة؛ وحتَّى عند الإختصار يجب الإلتزام بكلِّ ما هو ضروري في ترتيب الخدمة، مُتَذَكِّرين مسؤوليَّة كل فرد أمام الله في الأضرار التي تلحقها نفوس الرعيَّة بسبب الإهمال. على الجميع، خلال الإحتفال بالخدم الإلهيَّة، أن يؤدُّوها بأدقِّ وأفضل ما يمكنهم بحيث يجلبون منفعة روحيَّة للآخرين، كي يُماثِلوا في يوم الدينونة العبدَ الذي قدَّم الوزنات العشر ويسمعوا: نِعِمَّا أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلصَّالِحُ وَٱلْأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي ٱلْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ (متى 21:25).

 

https://blog.obitel-minsk.com/2017/08/how-to-keep-church-typicon-according-to.html