عظةٌ عن الجشع، وعن الكلمات الواردة في إنجيل القدّيس لوقا: «أهدم مَخازِني وأبني أعظم».


 عظةٌ عن الجشع، وعن الكلمات الواردة في إنجيل القدّيس لوقا: «أهدم مَخازِني وأبني أعظم».

للقدّيس باسيليوس الكبير.

نقلته إلى العربية: كريستينا إسبر.

 

هناك نوعان من التّجارب. في بعض الأحيان، يُجَرَّبُ القلبُ بالضّيقات، فتفحصُهُ وتختبره بالصّبر، كالذّهب في البودقة (سفر الحكمة ٣:٦). وفي أحيانٍ أخرى، تأخذ التجربةُ شكلَ الرَّفاهية عند العديد من النّاس، فكما أنَّه من الصّعب أن تبقى النّفسُ بعيدةً من شِدّةٍ ما، كذلك يصعب عليها أن تبقى بعيدةً من التّكبّر النّاجِم عن المجد.

أيّوب، هو أحد الأشخاص الّذي يُضرب بهم المثل، عندما نتكّلم عن التّجارب. هذا المُجاهِد العظيم، الّذي لا يُهزَم، الّذي، بعقلٍ ثابتٍ وقلبٍ لا يتزعزع، استطاع أن يحدّ من قوّة الشّيطان وقساوتِه، الفائض عليه كالسَّيل. فكلّما ازدادت صعوبة المِحَن والمُعاناة النّاجمة عن الشّيطان وعَظُمَت، أظهَرَ أيّوب انتصاراً أكبرَ على التّجارب.

أحد الأمثلة، عن التّجربة الّتي من الرَّفاهية، هو هذا الانسان الّذي قرأنا عنه للتّوّ، والّذي كان فاحِشَ الثّراء، ولكن كان يطمح بالمزيد.

في بادئ الأمر، لم يحكم عليه اللهُ، المُحِبُّ للبشر؛ بسبب غباوة تصرّفه، بل أضاف ثروةً على ثروَته، آمِلاً أن يحقّق له الاكتفاء الذّاتيّ، معيداً نفسَه إلى صَوابِها. يقول الإنجيل: «إنسانٌ غنيٌّ أخصبت كورته. ففّكر في نفسه قائلاً: ماذا أعمل لأن ليس لي موضعٌ أجمع فيه أثماري. وقال أعمل هذا. أهدم مخازني وأبني أعظم» (لوقا ١٢: ١٦-١٨).

لماذا أثمرت الأرض، وأنتجت بِوِفرةٍ لرجُلٍ، لم يكن ينوي أن يفعل أيَّ صَلاحٍ بهذا المحصول الوفير؟ لكي يظهر صبرُ الله العظيم وسخاؤه اللّامحدود. فهو يشرق شمسَه على الأشرار والصّالحين، ويمطر على الأبرار والظّالمين (متى ٤٥:٥). غير أنَّ رأفة الله هذه، تجلب عقاباً قاسياً على صانعي الشّرّ. لقد أرسل المطرَ على الأرض المزروعة بهذه الأيدي الجَشِعة. أعطى الشّمسَ كي تُدفِئ البِذار، فيَكثُرَ الثّمر. لقد أعطى اللهُ ما يلي: الأرضَ الخصبة، والظّروف المُناخيّة المناسبة، والبِذار المُنتِجة، والثّيران لِفِلاحة الأرض، وسائر الأمور الأخرى الضّروريّة لازدهار الزّراعة. وماذا قدّم الانسان؟ السّلوكَ السّيّئ والبخل. هذا ما أعطاه في المقابل إلى المُحسِن. لم يفّكر في مشاركَةِ فائض ثرواته ووفرتها، مع الآخرين المُحتاجين.

لم يُعِرْ أيَّ انتباهٍ للوصايا، «لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة يدك أن تفعله» (أمثال ٢٧:٣)، وأيضًا، «لا تدع الرّحمة والحقّ يتركانك» (أمثال ٣:٣)، «أليس أن تكسر للجائع خبزك؟» (اشعياء ٧:٥٨). ولم يسمع ما نادى به جميع الأنبياء والمعلِّمين، ولكنَّ مخازنَه كانت تنفجر من كمّيّة الثّروات المُخزَّنة فيها، وقلبه البخيل لم يشبع. حتّى إنّه وقع بمشاكل يَعسُرُ حّلُّها، فيما كان يُكَدِّس ثرواتٍ جديدةً، سنةً بعد سنةٍ، فوق ما يملك. مَنَعَهُ طَمَعُهُ من التّخلّي عمّا يملك، ولكنّه لم يستطع إيداع أيّ ثروةٍ جديدةٍ، نَظَرًا لِمَحدوديّة مساحة مستودعاته. ما جعل هُمومَه كثيرةً، لا نهاية لها، ومَخاوِفَه مُستَعصِية.

ماذا أفعل؟ مَن لا يشفق على إنسانٍ شديد الاضطراب؟ إنه تعيسٌ بسبب رَفاهِيّتِه، وبائسٌ بسبب ما يمتلكه، وأكثر بؤسًا بسبب ما كان يترقّبه. ها هي الأرض لا تُنتِجُ له غلَّةً، بل تُلقي على عاتِقه مَحصولاً من الأنين، وبدلاً من وفرة الثِّمار، تعطيه همومًا وأحزانًا وصُعوباتٍ فظيعةً ورهيبة. إنّه يندب كالفقير. ألَيسَ هذا صُراخ الّذين يُعانون الفقرَ المُدقِع؟ ماذا أفعل؟ من أين أُحضِر الطّعام؟ من أين آتي باللّباس؟ هذا أيضًا ما يقوله وينطق به الرَّجلُ الغنيّ. قلبه مُغْتَمٌّ، والهمومُ تأكله. إنّ ما يجلب الفرح للآخرين، يبدّد البخلَ. إنّه لا يفرح بما لديه من ثرواتٍ فائضةٍ؛ لأنّها تجلب المعاناة لروحه. تَملأ خزينتَه وتفيض، لئلّا تصيرَ ملكًا لأحدٍ غريبٍ وتشكّل بداية عملٍ صالحٍ للمحتاجين.

يبدو لي أنّ الهوى الّذي يُعانيه، يشبه الشَّرِهين الّذين يفضّلون التُّخمة من كثرة الأكل، على أن يُعطوا بعض الفَضَلات للمحتاجين. فكِّرْ، أيّها الانسان، بِمَن أعطاكَ ما تملك. تذكَّرْ نفسَكَ، مَن أنت، وما واجبك، ومِمّن أخذتَهُ، ولماذا فُضِّلتَ على الآخرين. لقد أصبحتَ وكيلًا لله الصّالح، ومُشرِفًا على زملائك العبيد. لا تَعْتقِدَنَّ بأنّ كلّ شيءٍ قد أُعِّدَ من أجل مَعِدَتِكَ. اعتبِرْ أنّ ما لديكَ هو لغيرك. هذا سيجلب لك السّرور، لفترةٍ قصيرةٍ، ثمّ سيتبدّد ويتركك، لكن سوف يتوجّب عليك تَسديدُ حسابٍ صارمٍ. مع ذلك، مُمتلكاتُكَ كلُّها مَضبوطةٌ خلف أبوابٍ مغلقة. بالرّغم من الأقفال التي وضعتَها، تستيقظ من نومكَ مع هُمومك، وترسم خُطَطًا لنفسك، جاعلًا نفسَك مُرشِدًا غبيًّا لنفسك. ماذا أفعل؟ إنّه لَمِنَ الأسهل القول: «سأملأ أنفُسَ الفقراء، وسأفتح مخازِني وأنادي جميع المحتاجين. سأتشبّه بيوسف في أعمال الإحسان، وسأقوم بخطوةٍ شجاعةٍ وأُعلِنُ ذلك. يا جميع الّذين ينقصهم الخبز، تعالَوا إليّ، وشارِكوني العَطيّة المُقَدَّمة من الله، وليأخذ كلُّ واحدٍ حسب حاجته». واعتبِرْ أنّ موارد الخير هي في داخلِكَ، فلا تسعَ لاستعطاء الآخرين، بل ليأتِ الآخرون إليكَ طالِبين العون.

أمّا الآن، فأنتَ مكتئبٌ، وقد عزلتَ نفسَك، رافِضًا لقاء أحد، لئلّا تكونَ مُجبَرًا، على التّخلّي عن شيءٍ وإعطائه. تعرف ردًّا واحدًا فقط: «لا أملك شيئًا. لن أعطيَ شيئًا؛ لأنّي فقير». حقًّا، إنّكَ فقيرٌ، وتفتقر لكلِّ صلاحٍ. أنتَ عَديمُ الإحسان، وعَديمُ المحبّة لأخيك الانسان، وعَديمُ الإيمان بالرّبّ الإله، ومَحرومٌ من الأمل الابديّ. أعطِ إخوتكَ حِصّةً من حُبوبكَ، تلك الّتي لن تعطيَها غدًا، لِمَنْ هو بحاجةٍ إليها اليوم. أسوأ أنواع الطَّمَع، هو ألّا تُعطي مَن هم بحاجَةٍ، ما هو فائضٌ لديك.

إنّه يقول (الغنيّ الجَشِع والبخيل): «هل اُعَرِّضُ أحدًا للأذى عندما أحتفظ بما هو لي؟» قُلْ لي يا هذا، ما الأشياءُ الّتي لك؟ من أين أخذتَها وأدخلتَها إلى حياتك؟ تمامًا، كالشّخص الّذي يحضر عرضًا مسرَحِيًّا، ويحرم الآخرين، الّذين يتمنّون القدوم، مشاهدةَ العَرض، معتبرًا أنّ كلَّ ما هو للاستخدام العامّ، يَخُصُّه وَحدَهُ فقط، كذلك هم الأغنياء. باستيلائهم على ما هو عامٌّ ومشترَكٌ، يجعلونَه ملكَهم بدافعِ أولويّتهم. لو أخذ كلُّ شخصٍ ما يحتاج إليه لِتَلبية مُتَطَلِّباته فقط، وترك الباقي للّذين هم بحاجةٍ، فلن يكونَ أحدٌ غَنِيًّا، ولن يكونَ أحدٌ فقيرًا، ولن يكون أحدٌ محتاجًا فيما بعد. ألم تأتِ عُريانًا من بطن أمِّكَ؟ ألن تعود عريانًا إلى الأرض أيضًا؟ من أين حصلتَ على ما تمتلكه؟ إذا قلتَ إنّك حصلتَ عليه بالصُّدفة، فأنتَ مُلْحِدٌ لا تعرف خالقَكَ، ولا تشكرُ المُحسِنَ إليك. إذا قبلتَ أنّه من الرّبّ، فأخبِرْنا إذن لماذا حصلتَ عليه؟ هل اللهُ غير عادلٍ عندما يوّزع خيراتِ هذه الحياة علينا بطريقةٍ غير متساوية؟ لماذا أنت غنيٌّ وغيرك فقير؟ أليس كي تنال، أنتَ الغنيّ، ثَوابَكَ على حُسن إدارتك وإخلاصِكَ، وكي يُكَرَّمَ الفقيرُ بجوائزَ على صبره؟ أمّا أنتَ، فَبِجَمْعِكَ كلَّ شيءٍ في أحضانِ الطَّمَع الّذي لا يشبع، تظنّ أنَّكَ لا تؤذي أحدًا، في الوقتِ الّذي تحرم الكثيرين. مَن البخيل؟ هو الّذي لا يَكتَفي. من السّارق؟ هو الّذي يغتَنِم من الآخرين. ألستَ بخيلًا وسارقًا، عندما تستولي على ما أُعطيتَ لِتُدَبِّرَ وتُنَظِّمَ استخدامه.

الشّخص الذي يجرّد شخصًا آخر من لِباسِه، يُدعى لِصًّا. هل يستحقُّ الشّخصُ، الّذي لا يَكسو العريانَ، وهو قادرٌ على ذلك، لقبًا آخر؟ الخبزُ الّذي تحتجزُه، هو مُلكُ الجِياع؛ الرِّداءُ في خِزانَتِكَ هو مُلك العُريانين؛ الأحذيةُ الّتي تتعفّن لديك، هي مُلك الحُفاة؛ الفضّة الّتي طمرْتَها، هي مُلك المحتاجين؛ وعلَيه، أنتَ مُخطئٌ في حِساب ما أنتَ قادِرٌ على تأمينِه وتوفيره.

أمّا هو (الغنيّ الجَشِع والبخيل) فيقول: «كلماتُك جيّدةٌ، ولكنَّ الذَّهبَ أفضلُ منها». هذا الحِوار، هو مثل مُناقشة العِفّة مع مَن مارس الجنس قبل الزّواج، فعندما يُدانُ عُشّاقُهم، ولِمُجَرَّد ذِكرِهم، تشتعل فيهم الأهواء.

كيف يمكن لي، أن ألفت انتباهكَ لِمعاناة الفقير، لكي تدرك درجة الأسى الّذي تسبّبه للآخرين، وأنتَ تجمع ثروتك؟ في يوم الدّينونة، كم ستكون لك قيمةُ الكلمات الآتية: «تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المُعَدَّ لكم منذ تأسيس العالم. لأنّي جُعتُ فأطعمتموني. عطشتُ فسقيتموني.... عريانًا فَكَسَوتموني» (متّى ٢٥: ٣٤-٣٦).

أيُّ رعدةٍ، وأيُّ عَرَقٍ، وأيُّ حُزنٍ سيَعتَريكَ عندما تسمع هذا الحُكم: «اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النّار الأبدية المُعَدّة لإبليس وملائكته، لأنّي جُعتُ فلم تطعموني. عطشتُ فلم تسقوني...عريانًا فلم تكسوني» (متّى ٢٥: ٤١-٤٣). ليس المَقصودُ والمُتَّهَمُ هُنا، من أخَذ بالقوّة، إنّما من لم يشارك الآخرين ما له.

لقد قلت ما أعتقد أنّه نافع. إن أخذتَ أقوالي بعين الاعتبار، يتّضح لك الصّلاح الآتي منها. لقد حُدِّدَ العقاب للعُصاة. أصلّي كي تَنفذَ من تجربة هذا العقاب، بعد أن تُقَوِّمَ سُبُلَكَ؛ لكي تكونَ ثروتك فِدْيةً لك لدُخولِ ملكوتِ السّماوات، المُعَدِّ لك بنعمة الله، الّذي يدعونا الى مملكته، له المجد والمُلك إلى دهر الدّاهرين، آمين. 

 



آخر المواضيع

الشماسات بين التقليد وروح العصر
الفئة : مواضيع متفرقة

الشماس مكسيموس سلُّوم 2024-05-17

عظة في إنجيل الإيوثينا الحادية عشرة (يوحنا21: 14 - 25)
الفئة : مواضيع متفرقة

الميتروبوليت إيروثاوس فلاخوس 2024-04-04

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا