سلّم الصعود إلى الله


سلّم الصعود إلى الله

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

نقلاً عن نشرة الكرمة، العدد 15، 14 نيسان 2024، الأحد الرابع من الصوم.

 

منذ البدء خلقنا الله لنصعد، لا لنكون جامدين. خلق في طبيعتنا ذاتها هذا الشوق للصعود والارتفاع إلى فوق حيث يوجد الله. كتاب "السلّم إلى الله" أو "سلّم الفضائل"، سمّي كذلك لأنّه يحتوي على درجات الفضائل التي تصعد بنا نحو معاينة الله. يتكلّم الكتاب عن الارتقاء من المراحل الأولى للحياة الروحيّة وصولاً إلى الكمال الإلهيّ. إنّه يمتدّ من الأرض إلى السماء، على مثال السلّم الّذي عاينه يعقوب (تك12:28): "إنّ الفضائل البارّة تُشبه سلّم يعقوب... تُصعد من يختارها إلى السماء بنقلها إيّاه من درجة إلى أخرى". هكذا يُعرّف القدّيس يوحنّا السلّميّ، هذا السلّم الّذي وضعه للوصول إلى سماء الحياة الأبديّة. يُعتبر الكتاب دليلاً ومرجعًا كاملاً لكل الحياة الرهبانيّة، لأنّه يدخل بعمق في صلب النفس البشريّة وأهوائها وضعفاتها ويعرض جهاداتها الروحيّة؛ فالحياة الحاضرة ليست سوى حلبة صراع روحيّ، ليس فقط للراهب، إنّما لكلّ مسيحيّ يُريد أن يخلص وينال إكليل الغلبة من المسيح الغالب. السلّم يُعبّر عن هذا الشوق إلى الله الّذي لا يعرف حدودًا إلا في هذا اللقاء المباشر للإنسان مع الله. فجبل سيناء بالنسبة له ليس سوى ثابور آخر حيث يتجلّى الله ويكشف عن مجده.

طريق الخلاص، بحسب السلّميّ، هي مسيرة من العمل إلى الثيوريّا. لا يوجد معنى لهذه الحياة التي نحياها على هذه الأرض إلا من خلال عبورنا حياة الزهد بهذا العالم، والنسك ومصارعة الأهواء والشياطين... الّذين لا يملّون من محاولة إسقاط الإنسان في الخطيئة. يقول السلّميّ عن هؤلاء الشياطين: "إن لنا أعداء مخفيّين لا يُحصون، أعداء أشرار، هم حقًّا قساة، غاشون، أشرار، أقوياء، لا ينامون، غير منظورين وغير هيوليّين، يمسكون النار بأيديهم ويهمّون على حرق بيت الله بلهيبها المستعر في داخلهم". لهذا الراهب هو في حرب لا تتوقّف، أوّلاً ضدّ محبّة الذات؛ في جهاد مستميت لتطهير الإنسان الداخليّ، بالتواضع والتوبة. وهذا ليس سوى تبكيت للعقلانيّين الّذين يعيشون الحياة المسيحيّة نظريًّا. وتتحوّل مسيرة العقلانيين، الّذين يُقاومون الحياة النسكيّة، إلى مسيحيّة أخلاقيّة اجتماعيّة، يكون الله فيها صنمًا، ليس أكثر من فكرة مُجرّدة في العقل.

مَن يُمكنه أن ينتصر على الشياطين من دون التواضع، والتواضع من دون الطاعة؟ يقول السلّميّ: "لقد رأيت رجالاً لهم نحو خمسين سنة في الطاعة الكاملة، توسلّت إليهم لأعرف أيّة تعزية اقتنوا من تعب هذا مقداره. فبعضهم قال لي بأنّه بلغ إلى لجّة التواضع، وبه يردّون عنهم كلّ الهجمات. وآخرون أنّهم بلغوا إلى حالة تامّة من عدم الحسّ، وسكون النفس وسط الافتراءات والإهانات". الطاعة هي تمثّل بالمسيح، آدم الجديد، ورفض لسقطة آدم القديم. الطاعة تقود بأمان إلى التواضع. بحسب السلّميّ، الراهب الشكور المطيع، يعلم يقينًا، أنّه وإن أقام أمواتًا، أو اقتنى دموعًا... ينسب كل ذلك إلى صلوات أبيه الروحيّ"، وبهذا يظلّ غريبًا عن العُجب والغرور والمجد الباطل. الصبر على الضيقات واحتمال التحقيرات والإهانات يشفي هوى الغضب المتولّد من الكبرياء، ويقودها تدريجيًّا نحو اللاهوى. الكبرياء، علّة كل السقطات، ومنها يولد التجديف وكل الأهواء المميتة. "بهذا يعرف الجميع أنّنا تلاميذ الله: لا لأنّ الشياطين تخضع لنا، ولكن لأنّ أسماءنا قد كُتبت في سماء التواضع".

في كلامه عن الراهب، يقول السلّميّ، أنّه المغمور بحسّ الحياة الأبديّة التي جعلها هدفًا لحياته الأرضيّة. لهذا الهدف يدخل في حلبة إنكار الذات والتخلّي عن كل ما يتعلّق بهذه الحياة الحاضرة. إنّه الّذي "لا يجرح ضمير أخيه"، بل "يبكي لأجل خطايا أخيه ويفرح لتقدّمه". فما يُميّز الكتاب هو تشديده على دقّة الحياة الروحيّة، فهو لا يقبل إطلاقًا أيّة مساومة أو تسوية أو حلّ وسط في طريقة الحياة الروحيّة والنسكيّة. إنّ هذه الحياة تتطلّب تكريسًا كاملاً. لهذا تحتاج المسيرة الروحيّة إلى مرشد وسيط، أب روحيّ، يُسمّيه السلّميّ، الطبيب الشافي والوسيط والعرّاب، كموسى آخر ضروريّ لكلّ الّذين يرغبون بالهرب من فرعون العقليّ وعبور بحر الخطيئة وعماليق الأهواء".

المقالات الثلاث الأولى هي مقدّمة، تتكلّم عن الزهد بهذا العالم وبكل ما فيه، وعدم التعلّق بشيء والغربة. الزهد بهذا العالم، الزهد الداخليّ والخارجيّ، يُشكّل الأساس المسبق لكل ارتقاء روحيّ.

المقالات الأربعة التالية تتكلّم عن أساسات المسيرة الروحيّة: الطاعة، التوبة، ذكر الموت، والحزن البهج. التوبة هي تجميع الذهن في الأمور الإلهيّة، والثبات في التوبة يقود إلى محبّة الله. التوبة تغلب الموت، لهذا، يقول أنّ "الارتعاب من الموت هو دليل خطايا لم نتب عنها". في هذه التوبة، الدموع الطبيعيّة تتحوّل إلى دموع روحيّة، عطيّة النعمة الإلهيّة، وهي تجديد حقيقيّ لمعموديّتنا الأولى ومحو لكل خطايانا، وعلامة على التجلّي المدعوّ إليه الجسد. يقول السلّميّ: "حين تفيض محبّة الله في النفس، تنكشف محبّته في جسده، كما في مرآة، وهي بهاء نفسه، مثل ذلك الّذي اختبره موسى حين صار وجهًا لوجه مع الله". درجات السلّم تفتح شهيّة النفس لتنوح على خطاياها مستندة على ذكر الموت، ولتنموّ في حياة الصلاة والتوبة؛ التوبة التي تجعل النفس عديمة الحسّ كليًّا تُجاه الذمّ وتُجاه المديح معًا. بعد هذه المقالات الأربعة وحتّى المقالة 26، يُناقش السلّميّ الحياة العمليّة، وطرق اقتلاع الأهواء واقتناء الفضائل.

الفصول الأربعة الأخيرة تتكلّم عن الثمار الحلوة للتعب النسكيّ وغلبة كل الأهواء، وبلوغ الهدوء المقدّس، والصلاة المباركة واللاهوى الإلهيّ. السلّميّ هو الأوّل بين الآباء الّذي يذكر بوضوح عن "صلاة يسوع" وطرق ممارستها. "الصلاة المباركة هي حوار واتّحاد للإنسان مع الله". إنّه يدعو إلى الصلاة المستمرّة: "ليرافقك ذكر الموت وصلاة يسوع في نومك ونهوضك". هذه هي العبادة الحيّة التي لا تتوقّف للربّ يسوع المسيح. فالصلاة هي تجميع الذهن إلى ذاته، ولا يمكن للذهن أن يصعد إلى الله إلا بعد أن يجمّع ذاته من التشتّت، عبر الحوّاس، في كل الأمور الخارجيّة. فالصلاة هي "سلاح ضدّ الشياطين"، "اجلد أعداءك باسم يسوع، فإنّه ليس من سلاح أقوى لا في السماء ولا على الأرض".

إنّها ثمرة الطاعة التي لا تُخطأ، والوداعة التي قال الربّ عن أصحابها أنّهم "يرثون الأرض". الملكوت نفسه سيكون أرض الودعاء والمساكين بالروح، أرض الّذين "رووا بهدوئهم شهوتهم الإلهيّة الملتهبة التي لا ترتوي، فأضرموا ناراً بنار وعشقاً بعشق وشوقاً بشوق". هكذا تقتني النفس المجاهدة سلام الملكوت الداخلي، سلاماً لا يهتزّ، ولا يضطرب لا أمام التجارب والأحزان ولا أمام الموت نفسه. هذا هو الانتصار على العالم. يقول قدّيسنا: "ماذا لي في السماء؟ لا شيء؛ وماذا أشتهي على الأرض غيرك؟ لا شيء؛ فقط أن ألتصق بك بالصلاة من دون تشتّت. فبعضهم يشتهي غنى، آخرون مجدًا، وآخرون قنية؛ أمّا أنا فرغبتي أن ألتصق بالربّ وأن أحفظ اتّحادي غير المنقطع به".

هذه المسيرة الروحيّة، بحسب السلّميّ، ليست أخلاقيّة، إنّما تنطلق من إيمان مستقيم بيسوع المسيح. لهذا، حين يسأل أحدهم "ما هي أعظم الخطايا عدا القتل والجحود"؟ يُجيب "السقوط في الهرطقة".

إنّ هذا الكتاب النسكيّ هو مدرسة حقيقيّة في تدريب الإنسان على الصراع ضدّ الأفكار والسيطرة عليها؛ وبلوغ حالة اللاهوى وما يتبعها من درجات الارتقاء الروحيّ وصولاً إلى القمّة التي تعلو كل القمم: المحبّة الإلهيّة. يُسمّيها يوحنّا رايثو "الألواح الروحيّة"، وهذا كان اسم الكتاب في المخطوطات القديمة. الألواح، كتلك التي تلقّاها موسى، مخطوطًا عليها الناموس الإلهيّ. وهكذا، بعد الكلام عن الإيمان والرجاء، يبلغ إلى المحبّة الإلهيّة التي هي رأس السلّم وقمّة وغاية كل الفضائل. المحبّة الإلهيّة أو العشق الإلهيّ ليسا صوراً أو رموزًا، إنّما فوق كل شيء قوى إلهيّة. "إذا كانت المحبّة لا تنتهيّ أبداً، فحدود هذه المحبّة غير متناهية، لأنّنا مهما تقدّمنا فيها لن نصل إلى النهاية، لا في هذا الدهر ولا في الآتي". لهذا وصيّة السلّميّ الأخيرة هي: "اصعدوا يا إخوة اصعدوا".


 



آخر المواضيع

عظة الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان في أحد حاملات الطيب
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2024-05-20

سلّم الصعود إلى الله
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2024-04-13

الإيمان والتواضع لدى الكنعانيّة
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت المتوحّد غريغوريوس اسطفان 2024-02-17

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا