الأسقف الحقيقيّ بين روح الحقّ وروح العالم


الأسقف الحقيقيّ بين روح الحقّ وروح العالم

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

نقلاً عن نشرة الكرمة، العدد 45، 5 تشرين الثاني 2023 
 

لم يُعطِ الله الكهنوت لشعبه ليكون علّة للإفتخار إنّما للشهادة؛ وعلى هذه الشهادة يقوم تعليم العهد الجديد: الموت عن المشيئة الذاتيّة والتوبة، قمع الأهواء والخطيئة، وحفظ الإيمان المقدّس والتقليد، هي جهادات لكلّ أسقف وكاهن ليستحقّ أن يكون كاهنًا ومدبّرًا لأسرار الله. فالكاهن يتمّم عملاً أنجزه الله نفسه، وأسلمه لكنيسته لكي تتاجر به وتربح تلك النفوس التي تريد أن تخلص. أوّل عمل للكاهن هو أن يُعرّف العالم بالإله الحقيقيّ وبكنيسته الحقيقيّة، ويفصلها عن الآلهة الكاذبة والكنائس المزيّفة. لأنّ كلّ شيء يعمل اليوم لمزج الإله الحقيقيّ مع الآلهة المزيّفة، والكنيسة الحقيقيّة مع البدع الكاذبة. عمل الخلاص يبدأ بالإيمان، والإيمان يكتمل بالأعمال، والأعمال تتغذّى من التعب النسكيّ ومن أسرار الكنيسة. هذه هي الطريق التي يتقدّس بها الكاهن ويُقدّس شعبه. يكذب أولئك الّذين يفصلون الإيمان عن الأعمال؛ الّذين يُشدّدون على الأعمال الصالحة ويهمّشون الإيمان. الله نعاينه بالإيمان، والإيمان الأرثوذكسيّ هو مصدر كلّ الأعمال الصالحة، لأنّه مصدر النعمة الإلهيّة التي تكمّل كلّ عمل حقّ.

الاسقف الّذي استلم عمل المسيح، يُمارس وظيفته الكهنوتيّة كأب وليس كسيّد. الأسقف هو الأب الروحيّ لكلّ رعيّته، يُعلّمها الإيمان ويرعاها بالمحبّة وإنكار الذات. الأسقف المستنير، يعلم يقينًا أنّ خلاص نفسه مرتبط بقوّة بجهاده لخلاص شعبه. لا يمكن أن يخلص من دونهم. عن خلاصهم سيقدّم حسابًا كاملاً لا عن عدد العظات والنشاطات والمؤسّسات التي تعب فيها. عمله الأوّل زرع الإيمان الحقيقيّ في نفوسهم، لأنّ بهذا الإيمان يتصوّر المسيح فيهم. أمّا الأسقف والكاهن الّذي يُهمل العمل الروحيّ، ويتغذّى من تعداد انجازاته وأفعاله الفاضلة فإنّه يغرق في أهواء المجد الباطل وحبّ العظمة. وكلّ عمله يُصبح سعيًا ليتصوّر هو فيهم لا المسيح.

هل توجد أزمة أسقفيّة في كنيسة هذا الزمن الحاضر؟ حيث يتحوّل دور الأسقف من معلّم في الكنيسة يدعو إلى التوبة وحفظ الإيمان، إيمان القدّيسين الشهداء والمعترفين، إلى أسقف غارق في روح هذا العصر؛ يصنع تلاميذ لهذا الزمن المليء بالارتداد. روح العصر هي روح المراءآت، لا تطلب عدم الإيمان من أتباعها، إنّما أن يقبلوا كلّ ما يُنتجه روح العالم؛ بهذه الروح يتفتّت الإيمان الشخصيّ وتثور الأهواء. روح العصر هي روح الزنى والتجديف على الله؛ التفلّت والغرق في الأهواء والشهوات المختلفة وتشريعها؛ الترويج لكلّ أنواع نجاسات الجسد والشذوذ الجنسيّ. إعطاء المرأة دورًا يُخالف الدور الّذي حدّده لها الله في نظام الخليقة، والمطالبة الشاذّة بكهنوتها. تعدّي القوانين الكنسيّة، والأهمّ ما يختصّ بالإيمان والعولمة الدينيّة؛ وأخطرها هذا الرضوخ لهذه الروح المسكونيّة، وتشريع كل ما يُسمّى كنائس وطوائف وأديان. قبول هذا الشرّ أو جزء منه فقط يُسقط الكنيسة حتمًا في الروح الدهريّة والعولمة، ويُحوّلها إلى مؤسّسة دينيّة، والنعمة التي فيها إلى سلطة حقوقيّة. الكنيسة هي كنيسة، جسد المسيح، لأنّها تشهد للحقّ وتكمّل عمل المسيح. حين تبطل هذه الشهادة تفقد سبب وجودها الأصليّ؛ لا بل تُصبح كلّها عاملة لضدّ المسيح وتهيّئ لظهوره.

الأسقف أُعطي مكانة الرأس في جسد المسيح، لكنّه يبقى عضوًا في هذا الجسد وليس فوقه. إنّه يستمدّ كل سلطته الكهنوتيّة من هذا الجسد وليس من مكان آخر فوق هذا الجسد. لهذا لا ينبغي أن يقول فكره الخاصّ، لكن يخضع بامانة لتقليد الكنيسة وتعليم آبائها. البابويّة سقطت لأنّها أخضعت الكنيسة، جسد المسيح، لإنسان من أهواء لحم ودم، ففرض فكره وأهواءه على الكنيسة عوض الخضوع لفكرها ودقّة عقائدها. البابويّة قبل سقوطها العقائديّ سقطت في حبّ السلطة وحبّ العظمة. السقوط في هذه الأهواء هو الّذي جعلها تخضع بسهولة لروح العصر، وتتغيّر في الإيمان والروحانيّة بحسب تغيّرات العصر الّذي تعيش فيه. الأسقف المأخوذ بحبّ السلطة والمجد الباطل هو الّذي يستسلم بسهولة لروح العصر، ويبيع بالسهولة ذاتها الحقيقة التي عشقها في البدء وكرّس نفسه لعيشها والدفاع عنها.

الأسقف الأمين لكلّ الوديعة التي استلمها من كنيسة المسيح، وديعة الإيمان الواحد والتقليد الواحد، لا يتحوّل سريعًا عن فكر المسيح إلى فكر يفرضه روح العصر الّذي يحيا فيه. بروح الطاعة هذه لعقائد الإيمان يصير الأسقف هو الكنيسة، متّحدًا برأسها المسيح ومن خلاله بكلّ الجسد. إذا عمل الأسقف بغير هذه الروح فهو يسلّم الكنيسة وشعبها لروح شيطانيّة دهريّة، تطرد كلّ حركة الروح القدس منها. كلّ تعليم غير أمين للإيمان الأرثوذكسيّ ينعكس فتورًا، لا بل موتًا على إيمان شعب الله، إنّه يُبعثر قوّة وثبات إيمانهم بالله، ويُحوّله إلى إيمان شكليّ فارغ لا نعمة فيه ولا خلاص. ليتذكّر الأسقف هذه الحقيقة أنّه يُفرّغ شعبه من إيمانهم الحقيقيّ متى خضع لروح العصر وقَبِل التغيّرات المتعلّقة بالإيمان. إنّها روح يخلقها الشيطان في كلّ زمن، ويسعى لفرضها على الكنيسة. لقد خلق في الزمن المعاصر الحركة المسكونيّة، كما خلق قديمًا الآريوسيّة والنسطوريّة وغيرها الكثير من الهرطقات القديمة، ويسعى بشراسة أكبر لفرضها على الكنيسة. الحركة المسكونيّة المعاصرة تدّعي أنّها للمسيح، لكنّها في الحقيقة ليست سوى إنسانويّة جديدة؛ في كلّ نشاطاتها وتعليمها الحاليّ هدفها تحطيم الإيمان المقدّس، عبر بعثرة هذا الإيمان الواحد وتجزأته. الحركة المسكونيّة تدّعي أنّها تسعى لوحدة الكنيسة، لكنّها لا تبحث عن الحقّ لتوحّد الكلّ به، كما دعانا المسيح. إنّما عدم اعترافها بأنّ هناك إيمانًا واحدًا محفوظًا في مكان واحد، فهي تُحطّم كلّ وجود للكنيسة الواحدة.

مقاومة روح العالم لن تكون سهلة لأسقف يخاف الله ويخشى دينونة الله. لأنّه في الخطّ الأماميّ للمعركة ضدّ قوى الظلمة. هدف روح العالم أنّ يفصلنا عن الله بكلّ الوسائل، وينجح بقوّة كبيرة بزرعه فينا روح المساومة على الإيمان. لهذا، حربنا الممدوحة حين نقاتل ضدّ الكذب والإيمان الكاذب والخطيئة. العالم في حرب ضدّ الكنيسة والكنيسة في حرب ضدّ العالم. الأسقف الضعيف الإيمان يستسلم لروح العالم لينجو من تعب الحرب ويحافظ على مجده الباطل. أمّا الأسقف المستقيم الإيمان مع كهنته، بروح لا تخشى الاضطهاد والموت، يُقاومون روح العالم وإلحاده وتجديفه. نعمة الروح القدس تعمل في الكاهن الّذي يُفرغ ذاته من كلّ مشيئة ذاتيّة، ويُطيع حتّى الموت، على مثال مسيحه، الحقيقة التي تسلّمها. إنّه لا يطلب شيئًا لذاته إلّا حفظ الإيمان مع رحمة وتوبة، ومغفرة لخطاياه واستنارة لظلمته.

إذا خسر الأسقف النعمة الإلهيّة، ماذا يبقى له ليقدّم لكنيسة المسيح؟

لقد وعدنا رسول المسيح، يوحنّا الانجيليّ أنّ "الغلبة التي تغلب العالم هي إيماننا" (1يو4:5). لهذا، على الأسقف والكاهن أن يمتلك همّ الإيمان الأرثوذكسيّ قبل كلّ همّ رعائيّ آخر. همّ كيف يُثبّت شعبه في إيمانهم الأرثوذكسيّ بالله، لئلا يتحوّل العمل الرعائي إلى نشاط اجتماعيّ بحت، لا مسيح فيه ولا روح. ومتى تثبّت هذا الشعب في إيمانه حينها لا خوف عليه إطلاقًا لا من الأبالسة ولا من أصحاب البدع.

"احْتَرزوا اذًا لأنفُسِكم ولجميع الرّعيّة الّتي أقامَكم الرّوح القدس فيها أساقفة" (أع28:20). من دون الأساقفة والكهنة الممتلئين من نعمة الروح القدس والأرثوذكسيّة، لن يجد أحد طريق الصليب والقيامة ونعمة العنصرة.

 



آخر المواضيع

عظة الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان في أحد حاملات الطيب
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2024-05-20

سلّم الصعود إلى الله
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2024-04-13

الإيمان والتواضع لدى الكنعانيّة
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت المتوحّد غريغوريوس اسطفان 2024-02-17

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا