مَن هو أخي؟


مَن هو أخي؟

الكاهن الرّاهب أليكسي (ديكسون)

نقلتها إلى العربيّة: يولا يعقوب

 

«مَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟»1 لقد قالَ لنا المسيحُ منذ البدءِ: «لا يَحسُنُ أَنْ يَكُونَ الإِنسانُ وَحْدَهُ»2. وَمَعَ ذلك، فإنّ الإنسان قد وسَّع السّلوك الاجتماعيّ، إلى درجة أنّه أصبح من "غير الطّبيعيّ" أن يكون لدينا حتّى صديقٌ واحدٌ في العالم يمكن أن نشاركَه آلامَنا وَمُعاناتنا. إنّ العالم الّذي يسعى إلى إسكات ضميرنا واستنزافنا من أيّ حياةٍ في المسيح، يُدخِل الإنسانَ في اِنعِزالٍ وَاِنفِصالٍ مستمرَّيْن عن الله والقريب والجار. لقد أصبح الإنسانُ قايينًا ثانيًا، أوّل شخص حقيقيّ تخلّى عن اهتمامه بأخيه الإنسان. أصبحَ بابلَ ثانية، أوّل دَفْع حقيقيّ للعولمة، إلى حدّ أنّه يهمل واجبه تجاه العالم، وتجاه خالق السّماوات والأرض. لقد مرّ وقتٌ طويلٌ منذ أن اختبَرْنا أُلفةً حقيقيّةً، لِدرجة أنّنا بِتْنا مُكتفين بِالرّفقة الرّقميّة وَالسّطحيّة.

ما هو الحلّ لهذه الحالة المؤسفة؟ نحتاجُ، كَأُناسٍ، إلى القِيام بالمبادرة. نحتاجُ إلى أن نكون مُنفتحين وَمباشَرين في بناء صداقاتِنا مع الإخوة الآخرين في المسيح. نصوم معًا، نصلّي معًا، نوزّع الصّدَقات معًا. قال القدّيس أنطونيوس الكبير بِشكلٍ واضحٍ: «الموتُ وَالحياةُ يعتمدان على القريبِ»3. ارفضوا فِكْرَة أنّه يمكنكم أن تكونوا بمفردكم وأنّكم لا تحتاجون أحدًا. النّاس الّذين يُفكّرون هكذا، «يتصرّفون مثل أسيرٍ يتوق إلى الحرّيّة، ولكن بدلًا من أن يُجهد نفسه للتّحرّر من العبوديّة، قام بتغيير أسياده، واعتقد أنّ الحرّيّة تكمن في ذلك التّغيير.»4 إنّهم بذلك يبيعون حقّهم الطّبيعي من أجل الاستعباد لأهوائهم الرَّديئة! إن اتّحدنا بالمسيح وبكنيسته، نمتلك عمود الحقيقة والمحبّة بدون تَفريط، لأنّ الرّبّ هو أساسُنا الثّابت. لكي نبني حقًّا علاقاتٍ تجمع المؤمنين، كالّتي كانت لِيُونَاثَانَ وَدَاوُدَ، علينا أن نحوّل نفسَنا إلى شكل تلك العطيّة الثّمينة التي مَنَحَنا إيّاها اللهُ. لا يمكننا أن نتوقّع أن يكون لدينا أصدقاء رائعون، وأن نحسّن وندعم بعضُنا بعضًا، بينما نتصرّف نحن كَمُجَرَّد حمقى نستغلّ القريبين منّا من أجل مصلحتنا الخاصّة. إن احتجتَ إلى إرغام أحدهم على أن يحبّك وأن يصغي إليك، فهو ليس بِصديقٍ لك.

من خلال إيداعِ ذواتنا للآخرين، ومشاركة حياتنا مع أحد الأشخاص، نشكّل روابط لِبُنيان بعضنا البعض ونستنبط التّجربة الحقيقيّة التي تقدّمها لنا الحياةُ المسيحيّةُ. المسيحُ هو خَتَنُنا في الكنيسة، والكنيسةُ هي أمّنا وعائلتنا. بالنّسبة إلى الرّاهب، سيكون رهبانُ أخويّتِه إخوتَه، وسيكون رئيسُ ديره كأبٍ. بالنّسبة إلى الزّوج، سيكون رفاقُه الرّجالُ كإخوةٍ وأصدقاء، وستكون زوجتُه حبيبتَه ورفيقتَه. سنكون جميعًا مرتبطين في علاقاتنا مع أقرب النّاس إلينا، وفي تكوين روابط المحبّة هذه، سَنَجِدُ الخلاصَ في مكاننا الخاصّ وفي طريقة عيشِنا، ذلِكَ أنّ المكان لا يخلّصنا، إنّما المسيح إلهنا الّذي يُسارِع لِلقائنا حيث نكون.

كيف يكون لديك أخ مسيحيّ؟ يمكن للمرء أن يسأل: كيف نُعطي مِمّا لنا؟ كيف تكون التّضحية؟ لقد صاغ القدّيس يوسف الهدوئيّ الجوابَ ببساطةٍ: «من الأفضل لأخي أن يكون سعيدًا من أن أكون سعيدًا»5. هذا يعني أن نصبح واحدًا مع الله، وفي هذا الطّريق نحو القداسة، نجسّد التّطويبات، ونصبح مسيحيّين حقيقيّين، مسيحًا صغيرًا، مشجّعين بعضنا بعضًا كما كتب الرّسول بولس: «فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ»6. تعلّمنا الحكمةُ أنّ الأخ موجودٌ حتّى في أصعب الأوقات: «الصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ حين، وَيُولَدُ الأَخُ لِوقتِ الضّيقِ»7 وغالبًا ما يكون الصّديق هو السّبب الواضح لِصعوباتنا: «جُرُوحُ الْمُحِبِّ أَمِينَة...»8. أن تكون صديقًا وأخًا في المسيح، يعني أن تشارك في حياة المسيح، وأن تصبح مثل القدّيسين، وأن تقتدي بهم كما يقتدون هم بالمسيح. في حين لا يمكننا أن نتوقّع الكمال الفوريّ من دون جهاد9، إلّا أنّه يمكننا ويجب علينا أن نشرع بحياة من النّسك المُبهِج، وإعادة التّوجيه نحو المسيح، وفيما نقترب جميعُنا من القِمّة، نقترب أيضًا من بعضنا البعض.

إنّ وجود إخوة لا يأتي من دون تحدّيات. وكما أنّ الرّهبان سيجاهدون من أجل تقبّل بعضهم البعض والتّعايش مع طبائع وشخصيّات بعضهم البعض، كذلك يجب علينا جميعنا في الكنيسة أن نتقبّل ونحبّ أخانا. قد يعني هذا أنّه يجب أن نحبّ أخانا ليس كَمِثالٍ كاملٍ، لكن بالأحرى أن نحبّه كَمَن هو الآن، بِصرف النّظر عن نقائصه وضعفاته، وأن نحبّ أيّ أحدٍ كما هو؛ ليس كَنموذجٍ مِثاليٍّ أو كَمثالٍ كاملٍ (أو نجرؤ على القول كَصَنَمٍ!). حتّى أنّ هامة الرّسل بطرس قال بِوضوحٍ: «أحِبّوا الإخوَةَ»10. ما دمنا باقين في كنيسة المسيح، سفينة خلاصنا، سنواجه العديد من القراصنة، في بحرٍ غير مُتَناهٍ، الّذين يسعون إلى جلب تَشويشِهم إلى داخل الكنيسة، سالبين إيّانا كنزنا وحياتنا الحقّة. هؤلاء القراصنة هم الأهواء الّتي تهاجمنا، والّتي يجب علينا أن نتغلّب عليها. ليس وجودُنا لكي نتغلّب على أخينا الإنسان، بل لكي نُحرّرَه من عدوّنا المشترَك، حتى نتمكّن من مساندة بعضنا البعض، داعمين بعضنا بعضًا، ومدافعين عن بعضنا البعض، لنتمكّن من تقديم بعضنا بعضًا كأقرباء وأصدقاء وإخوة، مودِعين «ذَواتِنا وبعضُنا بعضاً وكلَّ حياتِنا المسيحَ الإله»11.
 

https://www.orthodoxethos.com/post/who-is-my-brother


 

1. متّى 12 : 48

2. تكوين 2 : 18

3. القدّيس أنطونيوس الكبير. أقوال الآباء الشّيوخ. تُرجمَت في معهد القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ – البلمند. منشورات النّور، 1990.

4. Saint Gregory of Nyssa. “On Virginity: Chapter XVI.” In Nicene and Post-Nicene Fathers. Edited by Phillip Schaff & Henry Wace. Peabody: Hendrickson Publications, 1999.

5. Saint Joseph the Hesychast. Monastic Wisdom: The Letters of Elder Joseph the Hesychast. Florence: Saint Anthony’s Greek Orthodox Monastery, 1999.

6. رومية 12 : 1 – .2

7. أمثال 17 : 17

8. أمثال 27 : 6

9. “ولَعَمْري إن الإعجابَ بأتعاب القديسين حسنٌ، والاقتداء بهم يؤول إلى الخلاص. أمّا مُماثَلة سيرتهم دُفعة واحدة، فأمر مُتَعَذِّر وغير معقول.” القديس يوحنا السلّمي، السلّم إلى الله، المقالة الرابعة، 42.

10. 1 بطرس 2 : 17

11. خدمة القدّاس الإلهيّ للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم



آخر المواضيع

الشماسات بين التقليد وروح العصر
الفئة : مواضيع متفرقة

الشماس مكسيموس سلُّوم 2024-05-17

عظة في إنجيل الإيوثينا الحادية عشرة (يوحنا21: 14 - 25)
الفئة : مواضيع متفرقة

الميتروبوليت إيروثاوس فلاخوس 2024-04-04

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا