،الصلاة بالشِفاه


للشيخ أفرام الأريزونيّ،

نقلتاها الى العربيّة رولا الحاج وجولي سعد

 

نصيحة مُقَتضبة

لم يُعطِ الشيخ يوسف تعاليم كثيرة أو دروسًا في الصلاة الذهنيّة. وهذا ليس لأنّه لم يكن باستطاعته التعليم عن هذا الموضوع، فقد أتقن عِلم الصلاة وتوصّل لأن يرث تقليد ‘اليقظة’ ويصير خليفةً له، بل لأنّه كان حريصًا ألاّ يملأ عقولنا بتخيُّلات حالاتٍ لم نبلغها. عندما كنّا نذهب إليه للاعتراف في الليل، كانت نصيحته مُقتَضبة وموجزة. ونصيحته، في أغلب الأحيان، تألّفت من اقتراحات، ولكنّها كانت دائمًا مليئة بالفائدة.

فالنهج الّذي اتّبعه الشيخ معنا قضى بأن نمضي قُدُمًا في الصلاة، مراقِبًا، وموجِّهًا إيّانا عند الضرورة. وعلى هذا النحو كنّا نجتهد في الصلاة. مراتٍ كنّا نصلّي الصلاة الذهنيّة من ثلاثِ إلى خمسِ ساعات، والرأسُ مُنحنٍ والذهن ملتصقٌ في داخل عمق القلب الروحيّ. خلالها كنتُ أرفع رأسي أحيانًا لأتنشّق بعض الهواء الطلق، لكنّ عذوبة الصلاة كانت تعود وتجتذبني إلى عمق القلب! ذاقت نفسي طعم الصلاة فأنشَدَت: "لا تسْعَي وراء أيّ شيءٍ آخر؛ إنّها مطلبُكِ. إنّها الكنز السماويّ، فتمتّعي به".

لقد أعانتني صلوات الشيخ فعليًّا مرارًا كثيرة لأبلغ إلى تذوّق حضور الله روحيًّا!

حاجتنا إلى ترداد الصلاة بشفاهنا

الأمر الأوّل الّذي كان الشيخ يوسف يطلبه ممّن أراد الانضمام إلى أخويّتنا هو أن يلتزم الصمت والصلاة. "الصلاة يا بنيّ، أريد أن أسمعك تردّد الصلاة، لا أن تتفوّه بكلامٍ بطّال". إنّ الشيخ، المعلّم المتمرّس في الصلاة الذهنيّة، قد عرف أنّه إن كان المبتدئ صامتًا ومشغولاً بالصلاة، فسيقوم بانطلاقةٍ حسنة وينال من الله مواهب وافرة في المستقبل. وشدّد على أنّه "سواءٌ كان الراهب يأكل أو يشرب أو يجلس أو يعمل أو يمشي أو يقوم بأيّ عملٍ آخر، فعليه أن يصرخ دون توقّفٍ ‘ربّي يسوع المسيح، إرحمني’. وبهذا الأُسلوب سوف ينزل اسم الربّ يسوع إلى أعماق قلب الراهب، فيُذَلّل التنّينَ ويُخلّصُ نفس الراهب ويُحييها. لذا، ثابِر باستمرار على استدعاء اسم الربّ يسوع إلى أن يلتهِم قلبُك الربَّ، والربُّ يلتهم قلبَك، والاثنان يصيران واحدًا".

كان الشيخ يتابعنا باستمرار ليرى إلى أيّ مدى كنّا نجعل الصمتَ والصلاة جزءًا من حياتنا. ولهذا السبب كان يقول:

"لا أُريد منكم شيئًا. سوف أطهو أنا الطعام، وأهتمّ باحتياجاتكم. جُلَّ ما أُريده منكم ليلاً ونهارًا هو الصمت، والصلاة، والتوبة، وعلاوةً على كلّ شيءٍ، الدموع. لا أُريد شيئًا آخر سوى التغصُّب في الصلاة، والدموع ليلاً ونهارًا. لأنّنا إذ نأتي إلى الرهبنة بدايةً، يكون ذهننا مثقلاً بالنَزَعات، والآراء، والأفكار، والشواذات، وأطنانِ الأنانيّة والمجد الباطل. عالم الأهواء هذا بكامله له أفكاره المنسجمة معه وتخيُّلاته. فإذا سعينا لأن نحفظ ذهننا حرًّا وبعيدًا عن هذا كلّه من أجل الصلاة، فإنّنا لن نقدر على ذلك بسهولةٍ. لماذا؟ لآنّنا ضعفاء روحيًّا وذهننا يتشتّت بسهولة.

وبما أنّنا لا نستطيع أن نتلو الصلاة ذهنيًّا، كما يعلّمنا آباء الكنيسة القدّيسون، فإنّنا نحاول بدلاً من ذلك أن نُردّد الصلاة بشفاهنا، مُتَّبعين مثال شيوخنا. إنّه من الأسهل أن نُعتِق ذهننا من الشرود، بسماع ذواتنا تردّد الصلاة. وتدريجيًّا، سوف تُحلّي الصلاة ذهننا وتفصله عن الحلاوة الدنيويّة. إذ ذاك يلج الذهن تدريجيًّا إلى داخل القلب ويستدعي من دون توقّفٍ اسم يسوع. فالاقلاع عن الكلام البطّال يساعد هذه العمليّة بشكلٍ كبير، بحيث يمتلئ وقتُنا كلّه بالصلاة. إذا لم نضع حجر الزاوية للصلاة المتلوّة بالشفاه بدون انقطاعٍ، فمن المحال أن نقوم بانطلاقةٍ حسنة بكلّ معنى الكلمة في الحياة الروحيّة الرهبانيّة".

نعم، لقد شاهدنا هذا في واقع الحياة. فقد جذَّرتْ خبرتُنا في عمق داخلنا صدقَ هذا التعليم. ومن يسعى إلى محاججة هذا التعليم يتحطّم على صخرة ‘التجربة’، ويبرهن على افتقاره للخبرة الرهبانيّة. فالشيخ يوسف نصحنا أيضًا ما يلي:

"ما أن تستيقظ وتفتح عينيك، إبدأ للحال بترداد الصلاة. لا تدَع ذهنك يشرد هنا وهناك، مبدِّدًا وقت ترداد الصلاة الثمين. عندما تغصب نفسك على هذا النحو، سيؤازِرك الله أيضًا في اكتساب عادة ترداد الصلاة حالما تستيقظ. بعدئذٍ تبدأ يومك وعملك مردّدًا الصلاة. وبهذه الطريقة يتقدّس كلّ شيءٍ: العمل، والمكان، والزمان، والفم، والقلب، وكامل المرء الّذي يردّد اسم يسوع المسيح. إنّ الراهب الّذي يردّد هذه الصلاة المحبوبة دونما انقطاعٍ يتسلّح بقوّةٍ إلهيّة هائلة لدرجة أنّه يصير مُحصَّنًا أمام هجمات الشياطين، لأنّ الصلاة تحرقهم وتطرهم بعيدًا".

 

التقدّم في الصلاة

تتأصّل الصلاة في داخلنا بعد تردادها بالشِفاه فترةً زمنيّة. والطريق يتمهّد نحو الذهن، بعدئذٍ يردّد المرء الصلاة دونما جهد. يستيقظ من النوم، فتبدأ الصلاة للحال من تلقاء ذاتها! يبدأ أوّلاً بمحاولة تردادها بصوتٍ عالٍ دونما انقطاع. وما أن تشقَّ الصلاة بالشِفاه الطريقَ مثل جرّافة، يتمكّن الذهن من القيادة مثل السيّارة. تشقُّ الصلاة بالشِفاه الطريق للذهن، ومن ثمَّ يتمكّن الذهن بسهولةٍ من البدء بالصلاة بصوتٍ داخليّ. وإذا تابَعتْ الصلاة إلى العمق مُحرزةً تقدّمًا –نظير ما حدث مع ‘آباء اليقظة’ العظماء والمميَّزين- فإنّ هذه الطريق الضيّق تصير طريقًا حقيقيًّا واسعًا في داخل القلب.

عندما يتأمّل القلب في اسم المسيح، يكون فيه عيدٌ عظيم مع غنًى روحيّ هائل. هناك يجد المرء ذهبًا، وألماسًا، وكنوزًا. وفي ساحة العيد هذه يُتاجر حسنًا ويغتني. لكن ينبغي عليه أوّلاً أن يشرع في تجارته كتاجرٍ صغير. هكذا، وبالمثل، من الضروريّ ترداد الصلاة بدايةً بصوتٍ مسموع.

ولهذا السبب، لم نكترث لما قاله الآخرون عن كيفيّة تلاوتنا للصلاة، فمضينا قُدُمًا. لو لم نكن مُصرّين على التزام الصمت وترداد الصلاة بصوتٍ مسموع، لكانت أذهاننا تجول في جميع ‘الأزقّة’ جالبةً كلّ مخلّفات الخيال إلى القلب. لو لم يأتٍ بنا إلهنُا العذب إلى هذا الشيخ العظيم، لكنّا نقوم فقط بالخِدم الليتورجيّة الكنسيّة. بالتأكيد، إنّ الترانيم الكنسيّة حسنةٌ ومبارَكة من الله، لكنّها تفتقر إلى القوّة الّتي تتمتّع بها صلاة يسوع في قمع الأهواء. حتّى إنّنا كنّا شهودًا على شيطانٍ يكشف عن قوّة صلاة يسوع، عندما صرخ على امرءٍ كان قد استحوذ عليه، قائلاً: "أُدخل إلى الكنيسة مع الآخرين، وأوقِف هذه التمتمة (أيّ ترداد صلاة يسوع)".

لقد علَّمنا الشيخ أنّه "من دون الصلاة، ومن دون اليقظة، ومن دون الانتظام، ومن دون الجهد، ومن دون حفاظنا على برنامجنا، لن نقدر على اكتساب أيٍّ من الكنوز الّتي يتكلّم عليها ‘آباء اليقظة’".

 

غصب الذات في الصلاة

كنت أُردّد الصلاة بصوتٍ مسموع، بما أنّ أحدًا لم يكن بجانبي، بحسب العادة. وبما أنّني كنت أُردّدها دونما انقطاعٍ، أَخَذ حلقي يؤلمني. فقلت للشيخ: "أيّها الشيخ، إنّني أُردّد الصلاة كثيرًا حتّى إنّ فمي راح يؤلمني، ولساني أيضًا، وحلقي يتضيّق. لا أقوى على التنفُّس، وقلبي يؤلمني. وأشعر بجُرحٍ في حنجرتي".

"دعها تؤلمك! لن يحصل مكروهًا لك. إصبر! لا تتوقّف أبدًا عن ترداد الصلاة! سيجلب لك الألم الجسديّ بهجةً روحيّة. إن لم تؤلمكَ، لن تثمرَ في الصلاة. ستساعدك الصلاة وتعزّيك وتعلّمك وتنيرك وتخلّصك. أُصرخ على الدوام مردّدًا الصلاة. صُن ذهنك بالصلاة واليقظة. ينبغي أن يتّجه ذهنُك إلى الداخل لا إلى الخارج، لا إلى التبشير وتقديم النصائح والثرثرة، بل لأن يصلّي بتواضعٍ كبير وبدموع. فهذا هو قِوام الصلاة؛ وهذه هي الطريق الآبائيّة؛ وهذه هي نصيحة أجدادك الروحيّين. ضعها قيد الممارسة. لأنّك إن لم تقتنِ ‘العمل’، فكيف سيصير لك أن تتكلّم على ‘المشاهدة الإلهيّة’ للسماء؟".

"فليكن مُبارَكًا. لكنّ قلبي يؤلمني عندما أُزامِنُ الصلاةَ مع تنفُّسي".

"لن يحصل لك مكروهٌ".

وإذ ردّدتُ الصلاة محاولاً أن أحجب كلّ فكرةٍ وصورةٍ بحيث تبقى الصلاة وحدها في داخلي، قال لي المجرِّبُ في أفكاري: "سوف تختنقُ الآن!"، فأجبته: "لا يهمّني إذا أخَذَتني الغَصّةُ واختنقتُ! في هذا المكان سوف أُجاهد حتّى الموت".

طول النهار كان الشيخ يُذكِّرنا: "استمرّوا في ترداد الصلاة! ربّي يسوع المسيح، إرحمني! ربّي يسوع المسيح، إرحمني! في هذا الترداد سيكون خلاصكم. سيُنير ذِكرُ اسم يسوع المسيح ذهنكم؛ ويشدّد نفسكم؛ ويساعدكم في الحرب ضدّ الشياطين؛ ويغرس فيكم الفضائل؛ وذِكرُ اسمه سيصير كلّ شيءٍ بالنسبة إليكم". ولهذا السبب كان يُلحّ علينا بإصرارٍ، نحن تلاميذه، لكي نطبّق النهج العمليّ في ترداد الصلاة بصوتٍ مسموع.

وكما كانت حياته غَصْبًا مستمرًّا في الصلاة، كذلك، فقد أرغَمْنا ذواتنا نحن أيضًا قدر المستطاع على أن نغرس اسم يسوع المسيح في قلوبنا. إنّ تعليم شيخنا القدّيس كان يقوم على هذا: على حثِّنا، وتوصيتنا، وتذكيرنا بذِكر اسم الله دومًا ودونما انقطاع. على حذوِ ما قاله القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ: "ينبغي علينا أن نفكّر في الله أكثر بكثير من تنفُّسنا للهواء".

 

الصلاة محور تركيزنا

إنّ انشغال أخوّيتنا الرئيسيّ هو الصلاة، وذلك اتّباعًا لتقليد ‘آباء اليقظة’ ولشيخنا أيضًا. فالشيخ، من خلال إشرافه، وتعاليمه، وبخاصّة مثله الشخصيّ، قد حَرِص أن نردّد الصلاة دونما توقّف. لم تكن الصلاة الذهنيّة مجرّد واجبٍ نقوم به بداعي الطاعة، بل كانت محور تركيزنا. إنّها الفضيلة الّتي في الطليعة، والسلاح، والترس، والأساس، والاستمراريّة في نهج الآباء الّتي سَنَدت أخويّتنا وأثمرت لاحقًا.

قال لي الشيخ: "عندما تتقبّلُ تلميذا مُريدًا، لا تعلّمه شيئًا سوى الصلاة، لأنّ الصلاة ستمنحه تقوًى، وشوقًا إلى الله، وانتباهًا، ورغبةً حارّة في الأُمور الروحيّة، واعترافًا صريحًا. إنّ الصلاة هي الّتي تمنح كلّ هذه الأُمور".

يوجد في أيّامنا هذه مرشدون روحيّون قليلون، ولعلّهم يُعدّون على الأصابع، ليسوا مجرّد معلّمين لهذه الصلاة الذهنيّة المخلِّصة والملهَمة من الله، بل وعاملين بها، يُجدّدون نفس الإنسان المصلّي ويحوّلونها حقيقةً إلى الصحّة. بالمقابل، فالنفس (وبخاصّةٍ نفسُ الراهب) تبقى مريضةً عندما يكون لها هذا التعليم ولا تطبّقه. مرّاتٍ كثيرة، عندما كنت أُصلّي ذهنيًّا، متّبعًا تعليم الشيخ، كان ذهني يلج بسرعةٍ مذهلة في ‘مشاهداتٍ إلهيّة’ سماويّة تتخطّى العالم المادّيّ. إلاّ أنّني في مرّاتٍ أُخرى شعرت وكأنْ لا قدرة لصلاتي على تخطّي حتّى ما أُسقِّف به قلاّيتي.

وإذ كنتُ متحيّرًا من هذا الأمر، سألتُ الشيخَ: "أحيانا عندما أُصلّي، لا يقدر ذهني أن يتجاوز ما تتغطّى به قلاّيتي كسقفٍ. فلماذا أشعر بهكذا إعاقة؟"

"إنّها الشياطين، يا وَلَدي، الحاضرة من حولنا بحالٍ لامنظور، هي الّتي تعيقه بإذنٍ من الله لنتعلّم بالخبرة عن الحروب اللامنظورة معها".

 

ما الّذي يجعل من الراهب راهبًا حقيقيًّا؟

كان الشيخ متشدّدًا للغاية، لأنّه رامَ أن يصير تلاميذه أهلاً للإسكيم الرهبانيّ. ولهذا فقد قال لي: "يا بنيَّ، من السهولة بمكانٍ أن يهجر المرءُ العالم، ويلبس الجُبّة، ويقتبل الإسكيم، ويصير راهبًا. بَيْدَ أنّ هذا ليس برهبنةٍ على حقيقتها. الراهب هو الّذي يهجر العالم، ويفتّش عن مرشدٍ غير ضالٍّ ويجده، ويبقى إلى جانبه بأمانةٍ حتّى الموت من خلال الطاعة، ويكتسب الصلاة الذهنيّة. فإذا لم يتنقَّ من الأهواء، وإذا لم يكتسب عملَ الصلاة الذهنيّة، لا يُعتَبر راهبًا حقيقيًّا. خارجيًّا، قد أضحى راهبًا، أمّا داخليًّا فلا. إذا لم يتعلّم أن يصلّي باستمرار، أو إلى درجةٍ ما، لا يمكننا القول بأنّه صار راهبًا حقيقيًّا.

الإنسان ذو شِقّين في طبيعته: خارجيٌّ وداخليّ، جسدٌ ونفس. له أن يلبس خارجيًّا وداخليَّا، وكذلك له أن يكون عاريًا خارجيًّا وداخليًّا. وله أن يغتذي بالأطعمة المادّيّة وأيضًا بالأطعمة الروحيّة. فإذا لم يتغيّر المرء داخليًّا، يكون خارجه فارغًا. يقول الربُّ: "نَقِّ أوّلاً داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجهما أيضًا نقيًّا" (مت 23: 26). أيّ نَقِّ أوّلاً داخل نفسك –نَظِّم أفكارك، ونَقِّ نفسك من الأهواء، وتُبْ، وذلِّل ذاتك- تدرك من ثمَّ أن أعمالك الخارجيّة كلّها تكون صحيحةً".

لقد زوّدتنا أقوال الشيخ بدعمٍ هائل في جهاد صلاتنا. كان يقول لنا: "متى انغرس الدعاء باسم يسوع على شفاهنا، يبدأ الذهن تدريجيًّا في أن يتحرّر من الميل نحو التشتّت لأنّه قد ابتدأ يتذوّق عذوبة ترداد الصلاة بصوتٍ مسموع. عند هذه المرحلة، يشرع الذهن بالفوز باسم يسوع. فبمقدار ما يقلّ تشتّت الذهن، بمقدار ما يزداد اكتسابه للصلاة مُلكًا له. وإذ يكون الذهن في الصلاة كلّيًّا، للحال يشرع القلب بالانفتاح وبتقبُّل انحدار الصلاة إلى داخله. ويصير الذهن والقلب والصلاة في اتّحادٍ واحد. ومن بعد مرور السنين، في غَصبٍ للذات في جهادات النسك كلّها، يتقبّل القلبُ الصلاةَ كلّيًّا ويَهُذُّ بها باستمرار. على هذا النحو يصل القلب إلى حالةٍ يُسيطر فيها كمَلكٍ على الصلاة والأهواء. ومن ثمّ يسود السلام، ويَخضع كلُّ شيءٍ للمسيح، الّذي يحكم باسمه الإلهيّ".

 

ثمار الصلاة الشفهيّة

مع تردادنا للصلاة بصوتٍ مسموعٍ طوال اليوم ومنذ اللحظة التي نستيقظ فيها، كانت نفوسنا تشعر بفرحٍ كثير، وتخشّعٍ كثير، ودموعٍ كثيرة، لدرجة تفوق الوصف. من جرّاء الصلاة بالشفاه، تكثّفت مرّات كثيرة النعمة والحبّ الإلهيّ، لدرجة أنّ أذهاننا كانت تُختطف إلى المشاهدة الإلهيّة. أثناء عملنا، لم يكن ذهننا في الصلاة فحسب، بل بطريقةٍ سريّة كان في مشاهدة الله، كان في تذوّقٍ للعالم الآخر ضمن مشاهدةٍ إلهيّة.

  ذات يومٍ، كنتُ أردّد الصلاة بصوتٍ مسموع أثناء عملي في نحت الخشب المستخدم لصناعة أختام قربانة التقدمة. وفجأةً، صارت صلوات الشيخ من أجلي مقتدرة جدًّا لدرجة أنّني وجدتُ نفسي في حالةٍ روحيّة لا تختلف عمّا شَعر به آدم عندما كان في جنة عَدْن قبل السقوط. يا له من أمرٍ يصعب تفسيره. والمذهل في الأمر هو أنّني لم أكن أردّد الصلاة عقليًّا؛ بل كنتُ أردّدها شفهيًّا ودونما توقّف! كنتُ وحدي، ولكنّ الفائدة كانت ستعود عليَّ بالأكثر لو كان أخٌ آخر بالقرب مني يردّد الصلاة! لأنّه لو أخذ ذهني بالشرود، لسمعته يُصلّي، ومن ثمَّ أنا أيضًا أخذت بالصلاة ثانية.

كان ذهني يُختطف حتّى عندما كنتُ أساعد الشيخ في ذهابه إلى الكنيسة (عندما واجه في حياته لاحقًا صعوبة المشي). ففي جسدي، كنتُ أوجد بالقربِ منه، أمّا في ذهني فلم أكن. كان ذهني في مكانٍ آخر؛ كان يجول في السماوات! ومن ثمَّ كنتُ أعود ثانيةً إلى نفسي لأشعر أنّني موجود بجانب الشيخ. ومن ثمّ أعاود الخروج، وبدهشةٍ أقول لنفسي: «كم هي رائعة الحياة الروحيّة! ويا لعظمة الرهبنة! كيف تبدّل الإنسان! وكيف تغيّره! كيف تُصيِّر ذهنه خفيفًا من الناحية الروحيّة فيتغلّب على الصعوبات كلّها ويبلغ إلى أماكن يتعذّر وصفها بالكلمات!».

 مهما كانت نوعيّة العمل الذي كنّا نقوم به، كان الشيخ يصيح فينا، «أيّها الأولاد، ردّدوا الصلاة. ردّدوا الصلاة بصوتٍ مسموع!» طبعًا، لم يكن يقصد بأن نصرخ بها بأعلى صوتنا؛ كان يروم أن نردّدها بتؤدة، وبصوتٍ معتدل يحمل نغمة المناجاة. حتّى إنّنا في مرّاتٍ كثيرة كنّا نهمس بها همسًا تجنّبًا لمضايقة الأخ الموجود بالقرب منّا، بَيْدَ أنّنا لم نتوقف قطّ عن تردادها.

ولأنّنا واظبنا على ترداد الصلاة بصوتٍ مسموع، فقد وَصَفَفنا رهبانُ آخرون في المنطقة بالمغرورين والمُضلَّلين. إلاّ أنّنا لم نكن نردّدها بصوتٍ عالٍ بهدف أن يسمعنا الآخرون فيمدَحونا على أنّنا رجال صلاة، بل لأنّ تردادها على هذا النحو هو نهجُ جهادٍ أثمر ثمرًا كثيرًا: فاسم المسيح، أوّلًا، يُقدّس الجوَّ ويُقصي الشياطين بعيدًا. ثانيًا، عندما يصلّي المرء بصوتٍ مسموع، فإنّ الآخر سوف يستصعب الشروع بالكلام البطال معه، لأنّه سيقول في نفسه، «كيف لي أن أقطع صلاته لأخبره ترّهات؟ فهو سيتجاهلني حتمًا».

ثالثًا، إنّها تعيق الذهن من التشتّت، الذي يُعتبر ‘كلامًا بطّالاً للذهن’؛ لأنّه حتّى ولو شَرَد ذهنك، فإنّ سماع صوتك سيعيده بسرعة. رابعًا، عندما يكون أخٌ آخر في جوارك، يحلم في يقظته أو يتفوّه بكلامٍ بطّال، ويَسمعك تردّد الصلاة، سوف يتسنّى له أن يستعيد رباطة جأشه ويقول في نفسه، «إنّ أخي يصلّي، أمّا أنا فماذا أفعل؟».

إنّ الصلاة الشفهيّة، الرصينة، الساكنة، وغير الضّاجّة، تجلب على هذا النحو صالحاتٍ لا تُعدّ! فصوت اسم يسوع يكون كطنين النحل في أفيرهم عند إنتاجهم للعسل، الأمر المفعم بالمنفعة والفائدة. كذلك، فالعسل الروحيّ النافع جدًّا يُنتج عندما نردّد اسم المسيح بصوتٍ مسموع. والربّ الّذي «يمنح الصلاة للمصلّي»، يرى نوايا الإنسان الحسنة ويجازيه عليها.



آخر المواضيع

هل الصّوم فضيلةٌ؟
الفئة : مواضيع متفرقة

الأرشمندريت أثناسيوس ميتيليناوس 2022-11-14

إجاباتٌ على أسئلةٍ
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس نيقولاي فيليميروفيتش 2022-10-04

ما الذي يميّز المسيحيّة الأرثوذكسية عن الدّيانات الأخرى؟
الفئة : مواضيع متفرقة

الأرشمندريت أثناسيوس ميتيليناوس. 2022-09-20

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا