حول الرّوح القدس


المطران سوتيريوس ميتروبوليت بيسيديا

تعريب: جنيفر سعد

 

اليوم هو الاحتفال المُبهِج بعيد العنصرة المقدّس. يُفصّل لنا كتاب أعمال الرّسل كيف حلّ الرّوح القدس على الرّسل وعلى حوالي مئة وعشرين من المؤمنين الأوائل المُخلِصين للربّ. وما حدث لاحقًا هو أمر مُدهِش حيث أنّ ثلاثة آلاف شخص اقتبلوا المعموديّة في اليوم عَينِه، كما وتأسّست كنيسة المسيح المقدّسة على الأرض. يَمنحنُا حدث العنصرة العظيم فرصة للتّعرف على الرّوح القدس، بما في ذلك علاقته بالمؤمنين وكيفيّة حصولنا على نِعَمِه.

 

نُعلِن في قانون الإيمان (اي دستور الإيمان) أنّ الرّوح القدس ينبثق من الآب وأنّه واحد في الجوهر مع الآب والابن. بما أنّ الرّوحَ القدسَ أقنومٌ من الثّالوث المقدّس، فهو يشترك بالكرامة والمجد مع الآب والابن. لذلك عادة نَختُم الصّلوات والابتهالات بتمجيد وتكريم وتقدير للآب والابن والروح القدس. كَون الرّوح القدس هو الإله الحقيقيّ، فهو يشترك في أعمال الله الآب والله الابن. عند الخلق، كان «رُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ» (تكوين 2:1)، وبقوّته المُفعَمة بالحياة، خلق المياه كمصدر للخليقة الجديدة. كما وأنّه عندما خُلِق آدم، أعطى الرّوح القدس «نسمة حياة» (تكوين 7:2) لجسده، ليُصبح الإنسان كائنًا حيًّا بنفسٍ عاقِلة. هذا ما يَمْنح الحياة والحركة والطّاقة لجسم الإنسان.  ألهَمَ الرّوح القدس الأنبياء ما سيقولونه ويفعلونه ليُخبروا النّاس عن إرادة الله. تلقّت مريم العذراء الرّوح القدس في النّاصرة وبقوّته العجيبة جَعَلَها أمّ كلمة الله. لمّا اعتمد المسيح، نزل الروح القدس «مثل حمامة» ليؤكّد مجدّدًا على صوت الآب أنّ يسوع هو ابنه الحبيب، وأنّه يجب علينا الإصغاء إليه. حلّ الرّوح القدس في يوم الخمسين، وأظهر الصّيادين البسطاء «غزيريّ الحكمة» كما تشير طروبارية عيد العنصرة. أعطاهم القوّة ليُعْلِنوا بجرأة أمام الآلاف أنّ المسيح هو الإله الحقيقيّ. هذا هو الرّوح القدس نفسه الذّي نقتبله نحن أيضًا من خلال سرّ الميرون بعد المعموديّة، ليُصبح جسدنا «هيكل للرّوح القدس الذّي فيكم» كما يقول القديس بولس الرّسول (1 كورنثوس 19:6). 

  

بالرّوح القدس يصير الاحتفال وتتمّة جميع الأسرار المقدّسة. وبالرّوح القدس يتحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه في سرّ الافخارستيّا في القدّاس الإلهيّ. وباستدعاء الرّوح القدس تتقدّس المياه في المعموديّة المقدّسة. هذا بالضبط ما يحصل في تقديس المياه في عيد الظّهور الإلهيّ. إنّه الرّوح القدس الذّي يقدّس الزّيت الذي يستخدمه الكهنة في المسحة المقدّسة لدهن المريض للصّلاة من أجل صحّته. «نعمة الرّوح القدس المحيي» هي التي تجعل الإنسان شمّاسًا وكاهنًا وأسقفًا خلال السِّيامة. حتى الكتب المقدّسة المُدوَّنة من رجال الله هي بإلهام الرّوح القدس وإرشاده. لهذا لا يمكن فهم الكتاب المقدّس بشكل صحيح إلّا بإرشاد الرّوح القدس (راجع 2 بطرس 20:1-21). يصبح كلّ شيء كاملًا بالرّوح القدس ويتحقق كلّ شيء (لاستخدام تعبير لاهوتيّ) «من الآب ومن خلال الابن وبالرّوح القدس».

 

إذ نحن عالمون بهذه الأمور، نُدرك أنّ نموّ الحياة الرّوحيّة للمسيحيّ يحصل من خلال الرّوح القدس. حتى أنّ إيماننا واعترافنا بأنّ المسيح هو ربّنا وإلهنا مُستطاع فقط بقوّة الرّوح القدس (راجع 1 كورنثوس 3:12). يُعلّمنا الرّوح القدس كلّ حقيقة من إيماننا كما قال الرّب لتلاميذه: «وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ» (يوحنا 13:16). ويُعلن القدّيس بولس الرّسول: «وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا» (رومية 26:8).

 

توجد العديد من المواهب الأخرى التي يمنحنا إياها الرّوح القدس (راجع 1 كورنثوس 4:12-11 وغلاطية 22:5-23)، لكن نَظَرًا لضيق الوقت دعونا نركّز على نقطة رئيسيّة أخرى: يُطهّر الرّوح القدس نفسنا من كلّ خطيئة بعد توبتنا وبعد طلب المغفرة. لهذا السبب في كل خدمة كنسيّة وفي صلوات المؤمنين الفرديّة، نبدأ بالصّلاة المألوفة «أيّها الملك السّماوي المعزّي روح الحقّ...»، التي نصلّي فيها ليحلّ الرّوح القدس و«يسْكُن» فينا ويطهّرنا «من كل دنس» أي من كلّ خطيئة.

 

إخوتي وأخواتي، دعونا في هذا اليوم العظيم نسجد على رُكَبِنا ونطلب من الرّوح القدس أن يُحْييَ فينا النّعمة التي تلقّيناها منه بعد معموديّتنا بالزّيت المقدّس. لنندفع نحو الحفاظ على أنفسنا في حالة تُسعِد الرّوح القدس وتُسكِنُه فينا ليُدفئنا باستمرار ويُنيرنا بِنار العنصرة. آمين.

 

https://pemptousia.com/2020/06/on-the-holy-spirit-2/

 



آخر المواضيع

آلام المسيح تَغلبُ الموت.
الفئة : زمن البندكستاري

الأرشمندريت إفرام، رئيس دير الفاتوبيذي. 2022-06-11

قيامة المَسيح
الفئة : زمن البندكستاري

2022-06-01

غبطة القديسين في السّموات وبدء ملكوت المسيح، الكنيسة السماويّة الظافرة
الفئة : زمن البندكستاري

المتقدّم في الكهنة الأب مايكل بومازانسكي 2021-06-25

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا