قصة تُبرِز الفرق بين الأرثوذكسية والبوذية التّيبتيّة


تعريب جولي سعد

جورج، شابٌ في السادسة عشر أو السّابعة عشرٍ من عمره، أتى إلى الجبل المقدس (آثوس) ليتنقّل من ديرٍ إلى آخر. بالرغم من أنه يونانّي الأصل، لكنه تربّى على يد رهبان البوذيّة التّيبتيّة[1] منذ صغره في ديرهم في الخارج. حقّق جورج تَقَدُّمًا كبيرًا في التّأمّل، وقد أصبح ساحرًا بارعًا له القدرة على استدعاء أي شيطان يريده[2]. كان خبيرًا أيضًا في الفنون القتاليّة. باستخدام قوّة الشيطان، قدّم عُروضًا مثيرة للإعجاب عن قُدُراته: كان يكسر البُندُق في راحة يده ويلقي القشور بينما تبقى المُكَسَّرات مُتَّصِلة بيده. كانت لديه المقدرة على قراءة الكتب المغلقة. كان أيضًا يضرب الصّخور الكبيرة بيده المُجَرَّدة، فتتحطّم كالجوز.

أتى بعض الرهبان بجورج إلى الشّيخ باييسيوس لمساعدته. سأل جورج الشّيخ عن القوة التي يمتلكها وما يستطيع القيام به، فأجابه الشّيخ بأنه لا يمتلك أيّة قوة، وأن كل قوةٍ هي مُنحَدِرة من لَدُن الله.

أراد جورج أن يُبرِز قوّته للشيخ، فَرَكَّز نَظَرَه على صخرةٍ كبيرة فَتَفتّتت. فأخذ الشيخ حجرًا صغيرًا ورسم عليه إشارة الصليب، وطلب منه بأن يُحَطِّمه. فَرَكَّز ونَفَّذ سِحرَه، لكنه لم يتمكّن من تَحطيمه. فأخذ يرتجف، والأرواح الشّيطانية -التي كان يعتقد بأنه يسيطر عليها- بما أنّها لم تستطع أن تكسر الحجر، انقلبت عليه وألقت به على الضّفة الثّانية للنهر. فَسَحَبه الشيخ من هناك في حالة يُرثى لها.

روى الشّيخ أيضًا، في إحدى المرّات بينما كنَا نتحدث، وقف فجأة وقبض على يديَ وأدارني  إلى الخلف. ثمّ قال:"فليأتِ الحجي أفندي ويحررَك إن كان يستطيع". شعرتُ وكأنّ قول ذلك كان تجديفًا. حرّكت يداي قليلًا فاندفع إلى الوراء، وعلى الإثر قفز عاليًا في الهواء وحاول رَكلي، إلّا أنّ رِجله توقّفت أمام وجهي كما لو أنّها اصطدمت بحائط غير مرئي. لقد حماني الله.

في تلك الليلة، أبقيته هنا ونام في قلايتي. لكن الشّياطين سحبته إلى الجرف وضربته بسبب فشله. في الصّباح، كانت حالته سيّئة، مجرحًا ومغطًّا بالأشواك والتّراب. وقد اعترف لي:" سحقني الشّيطان لأنني لم أستطِع أن أهزمك".

أقنع الشيخ جورج بإحضار النصوص السحرية، فأحرقها. عندما أتى إلى هنا، يذكر الشيخ، كان معه نوع من الرّقية أو التّعويذة. أردتُ أخذها لكنه لم يقبل أن يعطينا إياها. أخذت شمعة وقلت:"إرفع رجل بنطالك إلى الأعلى قليلًا". ثم وضعت الشمعة المضاءة على ساقه، فصرخ وقفز. فقلت له:" إن كانت شعلة شمعة صغيرة قد فعلت بك هذا، كيف ستتحمّل نار جهنم الذي ستنتهي به بسبب ما تقوم به؟"

أبقى الشّيخ هذا الشّاب بالقرب منه لفترة قصيرة وساعده طالما كان جورج على استعداد أن يكون مطيعًا له. فقد شعر الشّيخ بتعاطفٍ كبيرٍ معه لدرجة أنّه قال:" سأغادر الصحراء وأذهب إلى العالم فقط لمساعدة هذا الفتى". لقد بذل جهدًا كبيرًا لمعرفة إذا كان معمدًا حتّى أنّه وجد اسم الكنيسة التي اعتمد بها. تأثّر جورج بالقوّة والنّعمة التي للشّيخ، فأراد أن يصبح راهبًا، لكنه لم يكن قادرًا على ذلك.

يخبر الشّيخ عن حالة جورج ليُظهِر ضلالة الاعتقاد بأنّ جميع الأديان متماثلة وأنّ الجميع يؤمنون بالله نفسه، وأنه لا يوجد فرق بين الرّهبان البوذيين التيبتيين والرّهبان الأرثوذكس.

   

https://www.orthodoxpath.org/saints-and-elders-witnesses/34297/

 

[1] نسبةً إلى جبل التيبت Tibet (المُعَرِّبة)

[2] إن مَكانة السِّحر في البوذيّة هي مجهولة للكثير من الغربيّين، فإن هذه الديانة قد قُدِّمَت إليهم في معظم الأحيان كديانة حديثة مُستَثنيةً وجود السِّحر فيها. قدّم الباحث جورج دريفوس (George Dreyfus) تصحيحًا مُفيدًا، أول غربي ينال شهادة "الغيش" (Geshe) من مدرسة البوذيّة التّيبتيّة "غلوغ” (Gelug)

"على عكس المُفَكِّرين المُعاصِرين، لا يميل عُلَماء التّيبت إلى رفض عَناصر السِّحر وغالبًا ما ينخرطون في هذه الممارسات، على الرغم من أنهم قد يَرَون هذه الممارسات محدودة في تأثيرها وليس لها أي صلة بأهداف التقليد الخلاصي المَزعوم في البوذيّة. ومن هذا المُنطَلق، فإنهم أيضًا مختلفين عن البوذيّين المعاصرين الذين لا يُبدون أي إرتياح للممارسات السِّحرية الموجودة في تقاليد البوذية الآسيوية" (ص: 303-304). كما يَرِد في كتاب دريفوس “Sounds of two hands clapping. The education of a Tibetan monk”. يناقش دريفوس في كتابه بإسهاب الممارسة البوذيّة التيبتيّة في استرضاء "حُماة الدّارما (dharma) الدُّنيويّين” أي آلهة البوذيين. "لقد أقسمت هذه الأرواح الشريرة العنيفة... أن تحمي التعاليم البوذية". على الرغم من هذا الإلتزام، فإن هذه الأرواح ليست حكيمة بالكامل، فهي عُرضة لمشاعر شبه بشريّة كالغضب والحسد وما شابه. بالتالي فإن مشاعر هذه الأرواح هي جزئيّة ويمكن إدراج تَصَرُّفاتِها ضمن المعايير اللاأخلاقية بغية مساعدة مُمارسي  البوذيّة التيبتيّة على تأمين مصالحهم الأرضيّة (الماديّة) أو حتى قتل خُصومِهم" (299). في هذا الوقت تحقّّق هذه الأرواح القَسَم إذ "تقوم بحماية الشخص أو المجموعة، غالِبًا بِطُرُقٍ عنيفة، من أعداء البوذيّين". (ص:300). رغم أن "الكثير من التيبتيّين يشعرون بالتوتر والإرتباك في الإعتماد على آلهتهم أوالمعايير المثالية للتقاليد، فإنهم يُظهرون بشكلٍ بارز الحياة الطقسية للأديار التبتيّة... ولكن معظم هذه الطقوس المُخَصَّصة لهذه الآلهة لا تُمارَس في العَلَن بل في منزل حُماة هذه الآلهة، في مَعبدٍ مُخَصَّص لهم" (ص:300). بالفعل، "غالبًا ما لا يرغب التيبتيّون في تعريف الغُرَباء على مُمارَساتِهم وطُقوسهم وأسرارهم. أمّا المعابِد فهي مفتوحة دائمًا للجميع، ولكن منزل الحُماة هو أقلّ جُهوزيّة لاستقبال الزُّوار ويمكن أن يكون في بعض الأحيان مُغلَقًا لغير التيبتيّين (ص:302).



آخر المواضيع

حول هوى الشّكّ
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس دانيال الكاتوناكي 2020-11-18

حول طريقة الحياة الرّهبانية والزّوجية
الفئة : مواضيع متفرقة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس 2020-11-11

نظريَّة التَّطَوُّر الداروينيّة والنفس البشريَّة
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس نكتاريوس العجائبي أسقف المدن الخمس 2020-11-08

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا