عظة حول ميلاد النبيّ يوحنّا المعمدان


القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش

تعريب طوني برهوم

 

من بين الأعياد الكنسيّة، هناك ثلاثة لإكرام قِدّيسي الله، وهي تتميّز من حيث أهميتها عن الأعياد الأخرى المُكَرَّسة للقديسين، وتُعَدُّ من أعظم الأعياد في كنيسة المسيح. تُمَجِّد هذه الأعياد تدبير الله لخلاصنا.

هذه الأعياد الثلاثة هي: عيد ميلاد القديس يوحنا المعمدان السابق وعيد قطع رأسه وعيد الرَّسولَين بطرس وبولس.

إن ظهور رئيس الملائكة جبرائيل للكاهن زكريا في الهيكل والإعلان له وللبارة أليصابات عن ميلاد "ابن" سوف يَعُدّ طريق الربّ مخلّص العالم، والتحقيق اللاحق لذلك الوعد، هي أولى الأحداث التي رَواها الإنجيليّون.

يفتتح إعلان رئيس الملائكة جبرائيل لزكريا في الهيكل إنجيل العهد الجديد. إن بشارة الملاك جبرائيل ذاته بعد ستّة أشهر في الناصرة لمريم العذراء، بشأن ولادة ابن الله منها، الذي سوف يتجسّد فيما بعد، هو استمرار لكشف التّدبير الأزليّ لخلاص الجنس البشريّ.

بعد البشارة بثلاثة أشهر، وُلِد القديس يوحنا السابق "في مدينة في يهوذا"، وبعد ذلك بستّة أشهر، ولد المسيح نفسه في بيت لحم.

هذه الأحداث مُتَرابِطة بشكل وَثيق. "لقد سبق الحبل المجيد بالسابق فأنبأ بولادة الملك الذي كان مُزمِعًا أن يولد من العذراء" (الاكسابستلارية، 23 أيلول، تذكار الحبل بالقديس يوحنا المعمدان).

أيضًا إنّ إعلان رئيس الملائكة جبرائيل في الهيكل، الذي نَقَله زكريا لاحقًا لكل الضواحي المجاورة في الترنيمة الرائعة التي أنشدها بعد ولادة الطفل يوحنا واستعادته لِهِبة النُّطق (لوقا 1: 67 -79)، هو سابق للترنيمة الملائكيّة: "المجد لله في الأعالي"، التي رتّلها الملائكة في بيت لحم عندما أعلنوا ميلاد المسيح للرعاة.

إن ميلاد يوحنا المعمدان هو الفرح الأول الذي أرسله الله للجنس البشريّ، إنّه بدء خلاصه من قوّة الشيطان والخطيئة والموت الأبدي.

صحيح أنّ ميلاد العذراء مريم الكليّة القداسة قد حدث قبل ميلاد السابق، وقد بشّر الملائكة والدَيها بولادتها، غير أنّه، في ذلك الوقت، كان والداها هما الوحيدَين اللذين عرفا المجد العظيم الذي تمّ إعداده للعذراء المولودة، ولم يكونا على دِراية تامّة بما تم الإعلان عنه لهما مسبقًا. لذلك، كانا الوحيدَين اللذين احتفلا عندما وُلِدت ابنتهما، بينما لم يفهم بقيّة العالم، إلاّ في وقت لاحق، الفرح الذي أُعلِنَ للعالم، بحلول هذه الولادة.

لهذا السبب، تأسّس عيد ميلاد الفائقة القداسة وعيد دخولها إلى الهيكل في الكنيسة وبدأ الاحتفال بهما بشكل جدّيّ ومميّز في وقت لاحق نسبة إلى الأعياد العظيمة الأخرى؛ بينما ميلاد يوحنا السابق هو واحد من الأعياد المسيحيّة الأقدم والأكثر إجلالاً. لقد حُفِظت عظات عن هذا العيد منذ القرون الأولى.

بدأ تحضير الجنس البشريّ للقاء ابن الله على الأرض منذ يوم ميلاد يوحنا السابق. "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِه...ِ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ. (لوقا 1: 68 ، 76). كلمات زكريا الكاهن هذه الموحى بها من الله، بعد أن استعاد عَطِيّة الكلام، عُرِفت في جميع أراضي اليهودية، وسبّبت اضطرابًا لجميع الذين يعيشون هناك، الذين أخذوا يسألون بعضهم بعضًا بدهشة: «أَتَرَى مَاذَا يَكُونُ هذَا الصَّبِيُّ؟» (لوقا 1: 66)

نشأ فكرٌ لا إراديّ: أليس هذا هو المسيح نفسه؟ كانت اليهوديّة في حالة من تَوَتُّر في انتظار المخلّص. هكذا أعدّ الطفل يوحنا الطريقَ للربّ بمولده. وحتى عندما كان لا يزال في رحم أمه، من خلال ارتكاضه (لوقا 41:1) أعلن ولادة الطفل يسوع، كما لو كان يصرخ: "المسيح ولد، فمجّدوه. المسيح أتى من السماوات فاستقبلوه". (إرموس، القطعة الأولى من قانون عيد ميلاد المسيح).

 كَونُه وُلِدَ قبل المسيح بِنِصف سنة بالضبط، لقد صوّر يوحنا السابق بتوقيت ميلاده مهمّته التي هي إعداد طريق الربّ. ولد في 24 حزيران حين يبدأ النهار بأن يصبح أقصر بعد الانقلاب الصَّيفي، في حين أنّه في وقت ميلاد المسيح (25 كانون الاول) يبدأ النهار بأن يصبح أطول بعد الانقلاب الشتوي. هذه الحقائق هي تجسيد للكلمات التي تكلّم بها السابق فيما بعد، بعد بداية المسيح لبشارته: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ." (يوحنا 30:3)

"المنذر بالشمس، السابق"، هو يوحنا المعمدان،  الذي كمثل نجمة الصبح، أعلن عن ظهور شمس الحقّ في الشرق.

تمامًا كما أنّ حدث ميلاد يوحنا المعمدان هو بمثابة إعداد لميلاد ربنا يسوع المسيح، فإنّ عيد ميلاد يوحنا السابق هو أيضًا بمثابة إعداد لعيد ميلاد المسيح.

"نجم النجوم، السابق، وُلد على الأرض اليوم، من رحم عاقر، يوحنا حبيب الله يُظهِر بزوغ فجر المسيح، المُشرِق من العلى" (ذكصا السحرية للعيد، 24 حزيران).

"إن الخليقة تفرح في ولادتك الإلهيّة لأنّك ظهرت لنا كملاك أرضي، أيّها السابق والرجل السماويّ، معلنًا لنا تجسد إله السموات" (الأودية الخامسة من القانون).

"أيّها النبيّ السابق لحضور المسيح، إنّنا لا نستطيع نحن المكرّمين إيّاك بشوقٍ، أن نمدحك بحسب الواجب، لأن بمولدك الشريف الموقّر، انحلّ عُقْر أمّك، ورباط لسان أبيك، وكُرز للعالم بتجسد ابن الله." (طروبارية العيد).

 

المصدر

 https://www.johnsanidopoulos.com/2019/06/homily-on-nativity-of-saint-john.html



آخر المواضيع

حول هوى الشّكّ
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس دانيال الكاتوناكي 2020-11-18

حول طريقة الحياة الرّهبانية والزّوجية
الفئة : مواضيع متفرقة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس 2020-11-11

نظريَّة التَّطَوُّر الداروينيّة والنفس البشريَّة
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس نكتاريوس العجائبي أسقف المدن الخمس 2020-11-08

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا