عظة أحد العنصرة


ألقدّيس لوقا أسقف سيمفروبول

تعريب جنيفر سعد

 

لقد حلّ العيدُ العظيم، عيدُ الفرح الكبير للمسيحيّين: امتلأ الرّسل من الرّوح القدس، ولم ينسكب فقط على الرّسل بل وفي العالم لتحقيق الوعد الذي قَطَعَهُ لنا الرّب يسوع المسيح عندما قال: "لَا أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى" (يو18:14) سوف أرسلُ الروح القدس، المُعَزّي  (يو7:16). وقدّس الرّوح القدس الخليقة وسوف يَهدي الجنس المسيحيّ الى الخلاص حتى انقضاءِ الدّهرِ.

 

حلّ الرّوح القدس أوّلًا على الرّسل. وكيف حلّ؟ انحدر بوضوحٍ وبشكلِ ألسِنة ناريّة. منذ ذلك الحين، لم يَنْزل الرّوح القدس ظاهريًّا على أي شخص آخر. ما معنى هذا؟ لماذا كان من الضّروري أن يتّخذَ الرّوح القدس شكل ألسنة ناريّة حقيقيّة ومنظورة للجميع؟  لأن الرّسل كانوا قدّيسين؛ لأنّه من خلالهم ومن خلال عِظاتهم سيَكرِزُون بالإنجيل المقدّس في جميع أنحاء العالم. هم كانوا أوّل الكارِزين بالإنجيل، أوّل من أظهروا نور المسيح في العالم. لذلك، ميّزَهم الرّوح القدس بهذه الطّريقة، ونَزلَ عليهم بشكلِ ألسنةٍ ناريّةٍ. جعل قلوبَهم وعقولَهم ملتهبةً وقدّسَهم وأنارَهم وذكّرَهم بكلّ ما سَمِعوه سابقًا من الرّبّ يسوع المسيح، وأعطاهُم القوّة ليأتوا بالعالم كلّه الى المسيح.

 

لكن ألا يَنْزل الرّوح القدس على كلّ من يستحقّ أن يناله؟ ألم يكن القدّيس سيرافيم ساروف مَمْلوءً من الرّوح القدس؟ لم يَنْزل عليه الرّوح القدس على شكل ألسنة ناريّة وإنّما بطريقة غَلَب بها على جميع أفكاره ورَغَباتِه ومشاعره وأشواقِه. امتلأ القديس سيرافيم من الرّوح القدس. وهكذا ملأ الرّوح القدس العديد من القدّيسين كما ملأنا جميعنا نحن المسيحيّين المُعاصرين غير المستحقّين لأنّنا في سِرَّي الميرون والمعموديّة نُمنَح جميعنا نعمة الرّوح القدس.

 

مُنِح الجميع هذه النّعمة ونالوها، ولكن لم يحافظوا عليها جميعًا. لقد فقدَ كثيرون هذا الكنز، فقدوا نعمة الرّوح القدس. فهل يستطيع الرّوح القدس أن يَسْكن في قلبٍ نجسٍ مملوء بالخطيئةِ؟ كما يَطرد الدّخان النّحلَ وكما تُبعِد الرّائحة النّتنة كلّ النّاس، هكذا نَتانة القلب البشريّ تَطْرد نعمة الرّوح القدس. يَسْكن الرّوح القدس فقط في قلوبٍ نَقيّة، والرّبّ يَمنحهم فقط النّعمة الإلهيّة ومواهِبه المقدّسة لأنّه "كنز الصّالحات" – جميع الصّالحات التي يمكن ان يمتلكها قلب الإنسان. هل بإمكان القلب النّجس أن ينالها؟ هل بإمكان القلب الخاطئ والفاقد الرّحمة والمحبّة ان ينال نعمة الرّوح القدس؟

 

لكن كيف نَحصل على قلبٍ نقيّ؟ كيف نَمتَنِع عن الخطايا السّمِجة؟ كيف نَمتَنِع عن إغراءات عدوّ خلاصنا وعن الإغراءات الدّنيويّة؟ كيف نُحصّن أنفسنا؟ علينا أن نتذكّر بشكلٍ متواصلٍ وطوال أيّامنا وكلّ ساعة أن الرّوح القدس لا يَسْكن في قلبٍ نجسٍ. علينا أن لا نخضع للتّجارب، وعندما تَهْمُس الرّوح النّجسة، التّي هي عدوّ خلاصنا، في أذُنِنا عن الرّغبةِ في النّجاحِ الدّنيويّ وتَرسم لنا صورة حياة مذهلة ورَغِدة، وعندما تُثير كبرياءنا وتُثير رغبةً في اقتناء المَجْد وحُبّ الظّهور، علينا أن لا نَقْبل هذه الهَمَسات الشّيطانيّة وعلينا مُواجَهة الإغراءات الدُّنيويّة. ما إن تَلمس هذه الإغراءات قلبنا، علينا حالًا الإدراك أنّها إغراء. علينا فورًا أن نَرفُض هذه الإغراءات بكامِل قوّتنا العقليّة والقلبيّة ولا ننظُر الى التّخيُّلات المُغرية التي تُظهِرها لنا الرّوح النّجسة لإغوائنا. وفي حال فَشِلْنا القيام بذلك وتأمّلْنا بالمجد وبالنّجاح الدّنيويّ وفكّرنا بهما مليًّا، فويلٌ لنا لأن الإغراء سيَمْلك قلبنا.

 

يقولُ الآباء النّساك، الذّينَ اختبروا كيفيّة فَحْص حَركات قلبهم، أنّ قُبول هذه الأفكار المُغرية يجعل المرء مُنسجمًا معها وتُصبح روحه متعلّقة ومُتّحدة بها. يَدْعونا الآباء القدّيسون أن نَخْشى التصاقنا بجميع الأفكارِ الدّنسةِ. إذا اتّبعنا هذه التّعليمات لن نتأثّر بهذه المُعاناة الرّديئة والمُروّعة فالرّوح القدس لن يَتْركنا. علينا أن لا نُؤخَذ ونفرح بإغراءاتِ الشّيطانِ ويجب أن لا نَنسجمَ معها بل أن نَتحصّنَ ضدّها بغضب مقدّس. قال الرّسول بولس كلامًا عميقًا وعلينا جميعًا تذكّره جيّدًا: «اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُو (أف26:4). هناك غضبٌ مُقدّسٌ كَذلكَ الغضب الذي أثار قلب يسوع عندما طَرَد بسوطٍ الصّيارفة من الهيكلِ ولمّا قال لِبُطْرُسَ الرّسول: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!».

 

كيف يمكن للرّب يسوع المسيح أن يقول مثل هذه الكلمات للقدّيس الرّسول الذي أحبّه من كل قلبِه؟ قالها بغضبٍ. هكذا يجب أن تَجْري الأمور. لم يستطع الرّب إلّا أن يَغضب من الرّسول بطرس عندما كان الأخير يُحاول إقناعه بعدمِ الذّهاب إلى الموتِ على الصّليب. هذا هو الغضب المقدّس الذي يجب أن يملأ قلب كل مسيحيّ عندما يشعر بالهَمسات التي تُبعده عن طريق المسيح. فليخلّصنا الرّبّ من اللّامُبالاة وعدم الاكتراث. لِيُعطِنا الغضب المقدّس لِطَرْدِ المجرِّب وهذا ما نحتاج إليه. علينا أن نتذّكر كل حياتنا أنّ الرّب يسوع المسيح يدعونا لنصبح أبناء الله، وأن نَسْعى طوال حياتنا لِنور المسيح.

 

يجب أن نُكَرِّس حياتنا كلّها للرّب يسوع المسيح. يجب أن نسعى بكل كياننا حتى لا نُغضب الرّب بأيّ شكلٍ من الأشكالِ، وأن نُصلّي من أجل أن يُساعدنا نحن الضُّعفاء في الرّوحِ. سيُساعِدُنا الرّب وسَيأتي الرّوح القدس إلى قلوبِنا ويُنيرها ويعطينا القوة لنَسير في طريق الخلاص. ليحلّ الرّوح القدس في قلوبنا وليعزّينا ويُعزّي كل من يَحزن. هذا ما يعلّمنا إياه عيد العنصرة العظيم.

المصدر

https://www.johnsanidopoulos.com/2017/06/homily-for-feast-of-pentecost-st-luke.html?m=1



آخر المواضيع

عظة أحد العنصرة
الفئة : زمن البندكستاري

ألقدّيس لوقا أسقف سيمفروبول 2020-06-07

عظة في صعود ربّنا يسوع المسيح
الفئة : زمن البندكستاري

القديس غريغوريوس النيصصي 2020-05-27

إلى ماذا يرمز شفاء يسوع للرجل الأعمى منذ الولادة
الفئة : زمن البندكستاري

القديس كيرلّس الإسكندري 2020-05-25

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا