مقال يستحق القراءة والمُشاركة


ديمتريوس تسلنغيدس، أستاذ في اللاهوت العقائدي في معهد اللاهوت في جامعة تسالونيكي

19 أذار 2020
تعريب: ماهر سلّوم

 

لِنَقِف حسنًا، لِنَقِف بخوف وإيمان ومحبة.

 

نحن أمام أحداث ذات أهمّية مَهيبة لنا جميعًا. لهذا السبب، يجب أن نقبل التّدابير التي اتُّخِذَت ك"تأديب لأجل المعصية” لنا جميعًا، أي كَتَوْجيه سُلوكيّ حسن، قد سمح به إلهنا الكُلّي الرحمة والطويل الأناة، بعنايته ومحبّته، كي يقودَنا جميعًا، شعبًا وإكليروس، إلى التّوبة المُخَلِّصة أي إعادة توجيه أذهاننا نحو الله.

 

فلنتّخذ هذا "التّأديب” بتواضع وشكر، ولنتحمّله بروح توبة عميقة، كدواء مُرّ لكنّه مُطَهِّرٌ من أجل شفائنا. هكذا، ستكون توبتُنا دِرعًا مُحَصِّنًا الروح القدس في داخلنا. سوف تصبح مظلّة نلتجئ لها لحمايتنا المَضمونة.

 

إن الأسى الذي نختبر بثبات يمتحن مُيول نَوايانا، أي أننا ندرك أين تستند إرادتنا، على الله أم على العالم. لنقبل هذا الدّواء المر والشّافي من أجل خلاصنا بروح التأنّي. الآن هو الوقت المَقبول، الآن موسم خلاصنا (بالتّوبة). جميع التأديبات وكل ما يسمح به الله تُنتَسَخ بالتوبة الصّادقة، خصوصًا عندما تترافق بِنَوحٍ وصَومٍ مَرضيٍّ لله.

 

تخلق التوبة المفتاح الروحي لتجديد علاقة المحبة بين الإنسان والله. هذا مُؤَكَّد في العهدين القديم والجديد وفي روح كُتُبِهما، وكذلك في الخبرة والتقليد المُسَلَّم عبر الزّمن حتى القدّيسين الحَديثين في كنيستنا. إن التوبة العميقة التي نعيش مع رأفتنا بأخينا المُتَأَلِّم ستساعد في إنهاء "تأديبنا” الصعب. لا يَظُنَّنَّ أحدٌ منّا أنه مُستَثنى ممّا سبق وقيل أعلاه. لو عِشنا بذهنيّة العَشّار والإبن الشّاطر التائب بحسب مَثَل الإنجيل، أو على الأقلّ بذهنيّة اللص الشَّكور على الصّليب، لَما كُنّا حُرِمنا الآن من المناولة الإلهيّة.

 

فلنَضَع في اعتبارنا أنها المرة الأولى في تاريخ كنيستنا حين يتوقّف الإحتفال بالقدّاس الإلهي؛ هذا يعني أننا لَسنا مستحقّين فيما بعد بالمشاركة بها. وبشكل أساسي، سمح المسيح بهذه التّجربة المؤلمة ك"تأديب” لأننا جميعًا نتناول بغير استحقاق. لهذه الأسباب، نحن ننتظر أن يقوم أساقفتنا وكهنتنا بالإعتراف عَلَنًا وبكل تواضع… وأن يطلبوا الرّحمة لهم كما لشعب الله لأجل "التأديب" المَفروض علينا بِحَقٍّ. علاوة على ذلك، إننا نعترف كِتابيًّا للرب قائلين: “عادِلٌ أنتَ يا رب بكل ما صنعتَ بنا” (دانيال 3). كذلك، عند الإحتفال بالقدّاس الإلهي، يطلب الأساقفة والكهنة من المسيح أن يمحو خطاياهم وما اقترفه شعب الله عن جهل (“جاثين أمام رأفاتِك لأجل خطايانا وجهالات الشعب” إفشين الموعوظين الأول، خدمة القديس يوحنا الذّهبي الفم).

 

فقط بصلاتنا الحارّة وفحص ذاتنا بالروح القدس والإعلان (من فوق) عن كشف ذاتنا ومعرفة حقيقيّة لذاتنا، سوف نرى "شُعاعًا” في أعيُنِنا الرّوحية عن السبب الأول والأساسي لهذا "التأديب” الشامل. فقط من خلال توبة مُتَجَذِّرة في حياتنا وكامل كياننا، وبغفران الخطايا من قبل المسيح وحضوره معنا، سوف نحيا بشركة حقيقيّة مع الله في قلوبنا. وبعد رفع "التأديب”، سوف نحيا أسراريًّا بالكُلّية في هيكل الله كَجماعة بابتهاج مع سائر أعضاء جسد المسيح السِّرّي.

 

حتى ذلك الوقت، سوف نحفظ الوصايا باجتهاد وهكذا نعبّر عَمَليًّا عن توبتنا ومحبّتنا للمسيح، من أجل إعادة تَفعيل ملكوت الله في قلوبنا.

إن النّدم مع تَفَجُّع القلب سوف يعيد تَفعيل وجود الروح القدس الغائب منّا وسوف يؤهّلنا لِقِوى حضوره الحيّة. سوف يُعَزّينا، بما أنه المُعَزّي، مُسبِغًا علينا ثمار حضوره الفَعّال الغنيّة، أي "المحبة، الفرح، السلام…” التي سوف نختبرها في داخلنا "بكل حَواسِّنا”. تشمل هذه الخبرة المعيار الأكيد لِصِدق توبتنا. على العكس، إن لم نؤكّد نختبر هذه الأمور في داخلنا، فهذا يعني أن الخطيئة وسببها الأول – أي إرادة نِيَّتنا السيّئة – باقية فينا وتنمو بلا توبة ولا اعتراف.

 

فلتكن كلمات الله كإنذار في آذاننا، من فم النبي داود الملك: “ٱللهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي ٱلْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ ٱللهِ؟ كُلُّهُمْ قَدِ ٱرْتَدُّوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا، لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ” (مزمور 2:53-3).

 

أخيرًا، ننهي الحديث بتفاؤل واقعي، مُتَذَكِّرين نجاة نينوى بعد إستجابة جميع سكّانها المُتَلَهِّفة (الملك والحُكّام وحتى الحيوانات) لبشارة التوبة التي نادى بها النبي يونان وكما ذُكِرَت بامتياز: “فَلَمَّا رَأَى ٱللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ ٱلرَّدِيئَةِ، نَدِمَ ٱللهُ عَلَى ٱلشَّرِّ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ.” (يونان 10:3).

 

يهتف القديس يوحنا الذّهبي الفم، مُندَهِشًا من توبة أهل نينوى، ويقول: “لقد رأينا الله يبدّل كلامه من أجل محبته للإنسان. لقد تابت نينوى وتاب الله. التوبة مزّقت صك الهلاك… ايّتها التوبة العظيمة! إنها تحصل في الأرض، لكنّها تبدّل الأشياء في السماء.”

 

المصدر

http://orthodoxgoldendale.com/2020/04/28/let-us-stand-well-let-us-stand-with-fear-faith-and-love/



آخر المواضيع

"أيّامي قد فَنِيَت كالظِّل..."
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس إغناطيوس بريانتشانينوف 2020-06-27

حول الأزمة الإقتصاديّة العالميّة
الفئة : مواضيع متفرقة

القدّيس نيقولاي فيليمروفيتش 2020-06-25

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا