صَبر المخلَّع ومعنى الحياة


عظة في أحد المخلَّع – المطران أُغسطينوس كانتيوتيس (يو5: 1-15)

تعريب شادي مخّول

 

«وَكَانَ هُنَاكَ إِنْسَانٌ بِهِ مَرَضٌ مُنْذُ ثَمَانٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً» (يو5: 5).

يا أحبّةُ، ها سؤالٌ يُطرَح، ما هي الحياة؟ هل هي تنعُّمٌ؟ هل هي لهوٌ؟ هل هي رقصٌ وفرحٌ؟ هل هي «هلمَّ نأكلُ ونشربُ فغدًا نموت»؟ كثيرون هم الذين يفكّرون بهذه الطريقة، خاصةً اليافعين في أيّامنا الذين جرفتهم الأفكار الماديّة والإلحاديّة وارتأوا أنّ هذه السنين القليلة التي سيعيشونها على هذا الكوكب يجب أن تكون على أكبر قدرٍ من السعادة والمُتعة. وقد اتَّخَذوا من العبارة الإيطاليّة  dolce vitaشعارًا لهم، وهي تعني «الحياة الحلوة». الحياة الحلوة بالنسبة إليهم هي العيش في مَلاهٍ مُختلفةٍ نهارًا وليلًا، حيث يرقصون بجنونٍ ويُغَنّونَ أغانٍ خليعةٍ مُنشَغِلين بِتَصَرُّفات بَغيضة، ويتعاطون المخدِّرات ليحقّقوا، لبضعة ساعاتٍ، نشوةَ فردوسٍ مُصطَنَع. ما أن تمضي هذه السّاعات حتى يسقط هؤلاء التُّعَساء بحالةٍ رهيبةٍ من الكآبة والأسى.

للحياة معنًى أسمى للَّذين يفحصونَ عُمقَ الأشياءِ ويُفكّرونَ بطريقةٍ فلسفيّة. فحياة الفضيلةِ والواجِب ليست طريقًا مَرصوفة ومُعَبَّدة، مجَمَّلة بالشُّجيرات والزّهور ليُعجَبَ بها سائقو الدّرَّاجات النّاريّة الذين يمرّون من هناك؛ إنّها كطريقٍ جبليٍّ ضيّق حيث يُصادف سائقو الدّرَّاجات النّاريّة عدّة عوائق ومَصاعِب وتجارب، كما يُشير أيّوب أنّ حياةَ الإنسانِ هي تجربة. وما هي التجربة؟ هي حياةٌ مليئةٌ بالتجارب والأحزان والمِحَن. فكما يخرج الذهب من باطن الأرض مُتَّسِخًا ويُرمى في أتّون النار حيث كلّ ما لا قيمة له يحترق ويَتنقّى الذَّهَب، هكذا بالطّريقة عينها على الإنسان أن يعبر في أتّون نار البلايا والتجارب ليتنقّى من أخطائه ورذائله وأهوائه.

كان وقتٌ لم يكن يستوجب على الإنسان فيه أن يتنقّى، كان نقيًّا وطاهرًا. متى كان هذا؟ عندما كان يعيش بقرب الله في الفردَوس. لكن عندما أخطأ الإنسان، دنَّست الخطيئةُ عالمَ روحه وأصبحَ مليئًا بالشّرور والخطايا، كذهبٍ غير نقيٍّ يحتاج إلى التنقية والتَطَهُّر. منذ ذلك الحين، بعد سقوط الإنسان الأوَّل، بدأت المعاناة والأحزان والتجارب. فالأرض التي كانت نقيّة ومُعَطَّرة بأريج الأزهار الجميلة، أمسَت بريّة وبدأت تُنبِت شوكًا؛ وبغيةَ اقتلاع الأشواك وجعل الأرض مُنتِجَة، على الإنسان أن يُدمي يديه. أضحت الحيوانات الوديعة ضاريةً وتحوَّلت إلى وحوشٍ يخاف الإنسان من أصواتها. امتلأت الأنهار وفاضَت مُسَبِّبَةً فياضاناتٍ وكوارث. ارتجَّت الأرض بهزَّاتٍ مُرعِبة. والإنسان أيضًا، الذي كان مرَّةً سليمًا وخالِدًا، أُصيبَ بالمرَض والألم والموت بسبب الخطيئة.

حلَّت المصائب على الإنسان بسبب اضطرابات عناصر الطبيعة، من الزّلازل والفياضانات. أتت المصائبُ إثر الأمراض والموت، كما أتت أيضًا من الإنسان نفسه؛ هذه كانت الأعظم. المصائب التي يصعب احتمالها هي تلك الآتية من الأصدقاء والأقارب، الذين يُدِرّون المصائب كالسُّم بسبب الشيطان المُعَشِّش فيهم. خارج نطاق الشرّ الصادر من نُظَرائه، عانى الإنسان من عدّة مصائب جَسيمة. الإساءة والسَّرقة وإهانة شرف العائلة والفسق والفجور والكذب والافتراء والذَّم والإساءات والقتل والجرائم والحروب المُرعبة التي تجعل الأرضَ صعوبات لا تنتهي – هذه كلّها تشكِّلُ مَصدر مصائبٍ للإنسان.

سيواجه الإنسان المصائب أينما ذهب، أحيانًا من عناصر الطبيعة، وأحيانًا من شرّ نَظيرِه الإنسان وحقده، وأحيانًا أُخرى من نفسه. تأتي بعض المصائب من الشرّير الذي يُحاول أن يُبيد الإنسان. بالنهاية، تأتي بعض المصائب من الله القدير الكليّ الحُسن والكليّ الحكمة، وذلك بغية تطهير البشريّة الخاطئة.

يُسافر الإنسان وسط محيطٍ من الأحزان. وقد أثبَتَ المسيحُ ذلك عندما قال: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يو16: 33). لم يوجد، ولا يوجد الآن، ولن يوجدَ إنسانٌ لا يواجه المصائب. عندما توجَدُ جزيرةٌ لا يُحيطُ بها البحر، عندها سيوجَدُ إنسانٌ غير مبتَلًى بالأحزان.

المشكلة هي، كيف يواجه الإنسانُ المصائبَ؟ كثيرون هم الَّذين يمجِّدون الله عندما يكونون أصحّاءَ وجُيوبهم مليئة وأولادهم يَنمون وحياتهم تسير على المَسار الصحيح. لكن عندما تُقاطِع المصائبُ السَّكينةَ، يفقدون اتّزانهم ويلعنون اليوم الذي وُلدوا فيه. يُصبِحُ البَعض منهم يائسينَ جدًّا فيضعون حدًّا لحياتهم بالانتحار.

أيّها الإنسان المُعَذَّبُ في هذا العالم! عليك أن تُسلِّحَ نفسكَ بالصَّبر لتغلب الحزن. ولاقتناء الصَّبر، عليكَ أن تفتحَ الكتابَ المقدَّسَ وأن تقرأ ما يقوله عن المصائب وما هدفها؛ إقرأ هذه الأمثلة البديعةَ عن الصبر.

هناك عدَّةُ أمثلةٍ عن الصَّبر في الكتاب المقدَّس. واحدٌ من هذه الأمثلة هو المخَلَّع الوارد ذكره في المقطَع الإنجيليّ المُخَصَّص لهذا الأحد. هو بطلٌ أعظم من الظّافرين في ميادين المعركة والحاصلين على أوسمة الشَّجاعة.

لننظر إلى حياة هذا البطَل. لقد عاش وسط محيط من المصائب. ليس لأيّامٍ ولا لأسابيعَ، ولا لبضعة أعوامٍ إنّما لمدّةِ ثمانيةٍ وثلاثينَ سنة من المرض، لقد كان مخلَّعًا بالكامل. ومع ذلك لم ينتحب ولم يُجدِّف على الله ولم يلعن يوم ولادته. لقد أمضى أيّامَ مصائبه بصبرٍ مُذكّرًا إيّانا بصبر أيّوبَ، مؤمنًا بأنَّ الله لم يَتَخلَّ عنه، إنّما سيُريه رحمتَه يومًا ما، وقد أراه الرَّب رحمتَه. الله بنفسه أتى، يسوع المسيح الإله الحقيقيّ، وشفى المخَلَّع. وقد انذَهَلَ كلُّ من أبصَرَ هذه المعجزة. لقد أحرَزَ في ذلك اليوم، هذا المخلَّع، بَطَل الصَّبر، مكافأةً من المسيح الضابط الكلّ، لقاء صبره.

نرجو يا أحبّائي، أن نُكافَأ كُلُّنا لقاء صَبرِنا، رجالًا ونساءً، وكلُّ من يعاني من المصائب بيننا. ومن أجل أن نحتمل، لنفكّرْ بأبطال الصَّبر كالمخَلَّع، وخاصّةً بمَلِكِ الألم والحزن، ربِّنا يسوع المسيح، القائل: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ».

من كتاب قطراتٌ من ماء الحياة: عظاتٌ أرثوذكسيَّة عن أناجيل الآحاد. أُغسطينوس كانتيوتيس؛ صفحة 60-64.

المصدَر:

https://www.johnsanidopoulos.com/2012/05/paralytics-endurance-and-meaning-of.html

  

 



آخر المواضيع

عظة أحد العنصرة
الفئة : زمن البندكستاري

ألقدّيس لوقا أسقف سيمفروبول 2020-06-07

عظة في صعود ربّنا يسوع المسيح
الفئة : زمن البندكستاري

القديس غريغوريوس النيصصي 2020-05-27

إلى ماذا يرمز شفاء يسوع للرجل الأعمى منذ الولادة
الفئة : زمن البندكستاري

القديس كيرلّس الإسكندري 2020-05-25

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا