جهاد الصوم الكبير (الجزء 1/2)

جهاد الصوم الكبير (الجزء الأول).

الشّيخ أفرام أريزونا.

نقله إلى العربيَّة: جورج اللقيس.

 

إننا في صَدَد الدُّخول في المَيدان الروحي الكبير للصوم الكبير المُقَدَّس. الصوم الكبير المُقَدَّس هو وقتٌ لتَبْكِيتِ الضّمِير، للتوبة، للدموع، للتغيير في أنفسنا، لمرحلة جديدة في الحياة الروحية. لقد خصّصت الكنيسةُ، التي تعتني بأولادها، أي بنا نحن المسيحيين، مثل الأم الحنونة، زمنَ الصوم هذا للجهاد، من أجل مساعدة أبنائها على الجهاد أكثر، ومن أجل تطهير أنفسهم، والاقتراب من الله، ليكونوا أهلاً للاحتفال بيَوم القيامة العظيم المُشرِق.

لقد أولى المسيحيون على الدَّوام، وخاصةً الرهبان، اهتمامًا خاصًّا بهذا المَيدان الروحي واعتبروه مُقدَّسًا على نحوٍ استثنائيّ، لأنه مَرحَلة تتضمّن جهادات روحيّة وجسديّة. هناك جهاد الصوم، جهاد السهر، جهاد التطهير، جهاد مُمارَسة الواجبات الروحية، وهي أكثر بكثير من أي وقت آخر من السنة. يحصل ما يمكن أن نسمّيه "إزالة التَّشَتُّت" من الحياة الرّوحيّة، ويولي الناسُ اهتمامًا أكبر لصوت ضميرهم من أجل إصلاح ما أهملوه ربّما، والتقدّمِ روحيًا.

تُؤازِرُنا الكنيسةُ بترانيم وخِدَم مكرَّسة للتوبة، بالإضافة إلى التعاليم التي تُقدّمُها لنا، لتؤهلنا للجهاد من أجل تَنقية نفوسنا.

لدينا خِدم البروجيزماني (القُدُسات السابق تقديسها)، وهي شديدة المَنفَعة. إن ترتيلة الشيروبيكون في هذا القداس، مليئة بالروحانية والتأمّل والحضور الملائكي. لهذا السبب، يجب أن نأتي إلى هذه الخِدَم الليتورجيّة خلال الصوم الكبير بمزيد من الشعور بالتوبة. نحن الذين نتناول جسد المسيح ودمه يجب أن نكون أنقياء، طاهرين ومستقيمين في الجسد والروح حتى تفعل النعمة الإلهية فينا. لهذا السبب يجب علينا أن نعيش حياتنا بِيَقَظة ونبلّل وجوهنا بالدموع، في قلايتنا وفي الكنيسة، حتى نغسل نفوسنا ونصبح مستحقّين لتناول القربان المقدّس. بالطبع، غالبًا ما يجعلنا الشيطان نشعر أننا بحاجة أكثر لتَأنِيب الضّمِير، فنقول: حالتي أسوأ من أي شخص آخر. مِمّا يعني أننا لا نستطيع أن نذرف الدموع وغالبًا ما تكون لدينا أفكار سيّئة. يجب طَرد هذه الأفكار والصُّوَر الأثِيمة المُرافقة لها بمجرّد ظهورها. وعندما نملك أفكارًا شرّيرة أو تكون نفوسنا باردة تجاه أحد الإخوة، فلا نقتربَنَّ من الإله المُحِبّ البشر، الذي هو في غاية الطهارة والقدّوس.

طيلة هذه الفترة، و في كل خدمة خلال الصوم الكبير، نتلو صلاة القديس أفرام السرياني وهي على النحو التالي: "أيّها الربّ وسيّد حياتي، أعتقني من روح البطالة والفضول وحبّ الرئاسة والكلام البطّال. وأنعم عليّ، أنا عبدك الخاطئ، بروح العفّة واتّضاع الفكر والصبر والمحبّة. نعم، يا ملكي وإلهي، هبني أن أعرف ذنوبي وعيوبي وألاّ أدين إخوتي، فإنّك مبارك إلى الأبد، آمين".

بهذه الكلمات، يريد القديس أن يجعلنا نفهم بوضوح شديد، أننا بحاجة إلى الاهتمام بشكل خاص بالمسألة الواردة في الجملة الأخيرة، بصرف النظر عن الفضائل الأخرى، وهي مسألة إدانة الذات وإدانة الإخوة، وأنه من دون محبة إخوتنا البشر، لا توجد فرصة لتحقيق، ولو أدنى تقدُّم نحو تطهيرنا الروحي. إذا لم ننتبه إلى أفكارنا وكلماتنا وقلبنا، فلا مَنفَعة من الصوم. يكون الصوم مُفيدًا عندما يقترن بمحبة القريب وعندما لا ندين الآخرين. عندما لا ندين إخوتنا، بل ندين أنفسنا، فإننا نتّصِفُ بمحبة الآخرين ومحبة نفسنا، والاهتمام بتنقِيتها وتحقيق الوصية الأعظم، أي محبة الله والقريب. إن محبة الله والقريب هما الفضيلتان العظيمتان اللتان تُعَزِّزان البُنية الروحية بأكملها، فلا يمكن للفضائل الأُخرى أن تُقتنى من دون هاتَين الفضيلتَين. "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ." (1 يوحنا 4: 16).

هناك مسألة أخرى تتطلّب منّا الاجتهاد قدر الإمكان وهي الصلاة. يجب أن نصلّي صلاة يسوع، في كل فرصة، دون إهمال من دون أي إضاعة للوقت. في صلاتنا الشخصية في قلايّتنا، يجب أن نَغصُبَ أنفسنا، ولا نَدَعِ النّعاس يغلبنا، ولا الإهمال أو الكَسَل؛ يجب أن ننشغل طوعًا في الأمور الروحية. فورَ نهوضنا من النوم، يجب أن نبدأ بالصلاة، فهي تأتي في المقام الأول في برنامجنا اليومي، بِما فيها قانون صلاتنا، والمسبحة، والهَذيذ في الله. يجب أن نذهب إلى الكنيسة باستعداد كبير حتى نجني أفضل النتائج من مُثولِنا في مَيدان الجهاد.

بالإضافة إلى ذلك فإن الصوم مع الجُهد الجسدي يُساعد على مغفرة الخطايا. "انْظُرْ إِلَى َتَعَبِي وَتَواضُعي، وَاغْفِرْ جَمِيعَ خَطَايَايَ" (مزمور 18:24‏). عندما نجاهد بالصوم والمطانيات والصلاة وبِجُهد من كل قلبنا وذهننا، فإن هذا المجهود المبارَك يكون مقدَّسًا ويكافِئُهُ الله بسخاء، لأنه يجعل الناس مستحقّين لإكليل المجد والإكرام. تجزع الشياطين كثيرًا من الصوم، لأنه يُحَطِّمُها. قال الرب: "وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ[من الشياطين] فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ"(متى 17: 21). ولهذا السبب كان الآباء القدّيسون يبدأون دائمًا أيَّ عملٍ مباركٍ بالصوم. لقد اعتبروا الصومَ عَظيمًا جدًّا وأن الروح القدس لا يُظَلِّل الناس عندما يكونون مُتْخَمين بالطعام وبطونُهم مُمتلئة. على كلِّ مسيحيٍّ يتوق إلى الطهارة، أن يتّخذ هذه القاعدة، أي الصوم والصلاة والسهر، كَبِداية لمسيرته. عندما يمارس الناس الصوم والصلاة والسهر معًا، يكتسبون مكانةً روحيّةً عظيمة.

كانت للآباء عادةٌ مقدسةٌ قديمًا. في عشية الصوم الكبير، كانوا يتركون الأديرة ويتوغّلون في الصحراء، حيث يعيشون في نسك شَديد لغاية سبت لعازر، ثمّ يعودون ليحتفلوا مَعًا بأحد الشعانين. كان البعض منهم يأخذ القليل من الضَّروريّات الأساسية فيما يتعلّق بالطعام، والبعض الآخر يأكل الخضار فقط، و ذلك من أجل الجِهاد بِضَراوةٍ أعظم في الصحراء. بعد ذلك، كانوا يقضون كلَّ أيام الأسبوع العظيم معًا في الكنيسة، ويأكلون قطعة من الخبز اليابس والقليل من المكسّرات يوميًا. لقد نِلنا البركة والنعمة بمعرفة نُسّاكٍ قضوا حياتهم في الصوم والجهاد الروحي، ليس فقط خلال فترة الصوم الكبير.

كان شيخُنا الرّاقد، الشيخ يوسف الهدوئيّ الكهفيّ (كان يعيش في الكهوف، حيث التقيت به)، يصوم صومًا صارِمًا للغاية خلال الصوم الكبير. وبالطبع فرَضَ هذا علينا أيضًا. من الإثنين إلى الجمعة، خمسة أيام في الأسبوع، لم يكن هناك طعام، باستثناء حفنة من الدقيق، الذي كُنّا نصنع منه عجينة بالماء فقط. هذا كان طعامنا، طبق صغير كل أربع وعشرين ساعة. وفي الوقت نفسه، خلال النهار، كُنّا نقوم بعمل شاقٍّ، لرفع أَحمال ثقيلة على ظهورنا؛ وأثناء الليل، كُنّا نقوم بمئات السَّجدات، وساعات من الصلاة. وكل هذا من أجل تنقية الإنسان الداخلي، لجَعلِه أَنقَى وأكرم في عيني الله، حتى يكتسب الدّالّة أمام الله ويستطيع بالتالي أن يصلّي من أجل العالم أجمع. لأن العالم، والناس في كل مكان، بحاجة إلى صلوات القديسين، وخاصة صلاة النساك. لقد شدَّد القديس أنطونيوس الكبير العالمَ أجمع بصلواته.

[يتبع]

https://pemptousia.com/2023/02/the-struggle-of-great-lent-%CE%B9/