(5/4) السّرطان الحقيقيّ: الحركة المَسكونيّة - الجزء الرابع

من أجل حُسنِ ثبات كنائس الله المقدَّسة واتّحاد الجميع

السّرطان الحقيقيّ: الحركة المَسكونيّة - الجزء الرابع (5/4)

من أجل حُسنِ ثبات كنائس الله المقدَّسة واتّحاد الجميع

إعداد وتعريب: إدي بطرس

 

لقد رأينا حتّى الآن ما فَعلَهُ المسكونيّون في الماضي وما يَفعلونَهُ في الحاضِر ومَوقِفَ آبائنا القِدّيسين. يُمكِنُ لِلمَرءِ هُنا إضافَة سؤالٍ مَنطِقيّ: «لماذا أنتُم صِعابٌ بِشأنِ المساعي الوِحدَوِيَّة، بَيْنَما تُصَلّي كنيسَتُنا الأرثوذكسِيَّة ليلًا نَهارًا ’مِن أجلِ حُسنِ ثَباتِ كَنائسِ الله المقدَّسَة واتّحاد الجَميع‘ واتِّحاد المسيحيّين هو إرادَةُ الرَّبّ، ولِهذا السَّببِ قَبْلَ آلامِه صَلّى إلى أبيه السَّماوِيِّ ’لِيَكونَ الجَميعُ واحِدًا‘؟»1

لِذلك، علينا أنْ نُجيبَ عن هذا السّؤال، فَهُو بِالفعل أحَدُ الحِجَج المفَضَّلَة لدى المسكونيّين الذين يَستَخدِمونَهُ كَحَلٍّ سَهلٍ وطريقةٍ لِلتَّهَرُّب عِندما يُواجِهونَ النَّقدَ الموثَّق مِن قِبَلِ شخصٍ تقيٍّ مُناهِضٍ لِلمَسكونيَّة.

عندما يُعلِنُ الشَّماسُ لِلمؤمنين «مِن أجل حُسنِ ثَباتِ كَنائسِ الله المقدَّسَة [واتِّحاد الجميع إلى الربِّ نطلُب]»، هل يَطلُبُ مِنهُم في الواقع أنْ يُصَلّوا مِن أجل الكنيسة الأرثوذكسِيَّة ومُختَلَف الجَماعات الهرطوقيَّة وكأنَّها معًا هي كنائس الله المقدَّسة؟ بِالتَّاكيدِ لا! مِثل هذا التَّفسير مِن شأنِه أنْ يُشَكِّلَ أحقرَ أشكالِ عَدمِ التَّقوى. يُسَمّي التَّقليد المقدَّس «الكنائس المقدسة» بالكَنائس الأرثوذكسِيَّة المحليَّة المقدَّسة في كُلِّ مَكانٍ في العالم، والتي، كونها في شَرِكَةِ إيمانٍ ومَحبَّةٍ كامِلَة، تَضُمُّ الكنيسَة الواحِدَة الجامِعَة المقدَّسة الرَّسولِيَّة (يجدُر الذِّكر هنا أنَّ كُلَّ كنيسَةٍ مَحلِّيَّة هي كنيسة كامِلَة مُتطابِقَة مع جسد المسيح وتُسمّى ’جامِعَة‘ طالما أنَّها تُحافِظُ على الإيمانِ بِدون أيِّ ابتداعات)2.

في إشارته إلى المعنى الجُغرافيّ لِلمُصطَلَح، يقول القدّيس كيرلس الأورشليميّ أنَّ الكَنيسَة «تُسمّى كاثوليكِيَّة لأنَّها تمتَدُّ إلى كُلِّ العالم، من أقصى الأرض إلى أقصاها»3.

كتب ميتروفانوس كيريتكوبولوس بطريرك الإسكندريَّة أنَّ الآباء لقَّبوا الكنيسة بـ«الجامِعَة» بِسَبب وِحدة الكنائس الفرديَّة المحليَّة المنتَشِرة في كُلِّ مَكانٍ، والتي تُشَكِّلُ جَميعُها بِرِباطِ الرّوحِ القدُس الكَنيسَة الواحِدَة الجامِعَة4. لكنَّ الكَنائس الأرثوذكسِيَّة المحلِّيَّة مُعرَّضَة لِخَطَرِ الهَرطقات والانقِسامات وفقدان «التَّعليم الصَّحيح»5 واستِقرارِها الثّابِت على أُسُسِ الإيمانِ الصَّحيح، بِحَيثُ تَتمزَّقُ الوِحدَةُ بِيْنَها في الإيمان والمحبَّة وتَبتَعِدُ عن الوِحدَة الجامِعَة.

لذلك، يجب على ملىء جَسد المؤمنين الأتقِياء إعلان طلباتٍ كَثيفَةٍ ومُتَّقِدَةٍ (كـ«مِن أجل حُسن ثبات كنائس الله المقدَّسة واتِّحاد الجَميع» التي يَقولها الكاهِن أو الشَّمّاس) لِلحِفاظِ على الوِحدة بين الكنائس الأرثوذكسِيَّة المحلِّيَّة المقدَّسة في التَّعليم الصَّحيح لِكلِمَة الحَقِّ والإيمان الرَّسوليِّ، ولكن أيضًا «بِرباط السَّلام»6 والمحبَّة، «التي هي رِباط الكَمال»7. في هذا الصَّدَد، إنَّهُ صحيحٌ8 أنَّ هذه الطّلبَة تُلَخِّصُ، في شكل صلاةٍ، وصيَّة بولس الرَّسول لأهلِ تسالونيكي: «فاثْبُتُوا إذًا أيُّها الإِخْوَةُ وَتمسَّكوا بِالتَّعاليمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا»9.

علاوة على ذلك، فإنَّه قد ثَبتَ بِوُضوحٍ أنَّ الطّلبة السَّلامِيَّة الكُبرى التي يُعلِنُها الشَّمّاس «مِن أجل حُسن ثَباتِ كنائس الله المقدَّسة واتّحاد الجَميع» لا يُمكِنُ أنْ تَشمُل مُختلَف تَجمُّعات الهَراطِقَة والمنشَقّين التي - وِفقًا لِلآباء القدّيسين - هي كَنائس مُزيَّفة وتُدعى بِالمعنى الدَّقيقِ لِلكَلِمَة، «كنائس فاعِلي الشَّرّ» و«التَّجمُّعاتٍ المقيتة»10، وكذلك ثبت ذلك أيضًا مِن الطّلبات المستخدَمَة في أقدم الممارسات الليتورجيَّة كما هي مَحفوظَة لنا في القوانين الرَّسوليَّة. في ما يلي طِلبتان نموذجيَّتان يقولُهما الشَّمّاس:

  1. لِنُصَلِّ مِن أجل الكنيسة الجامِعة المقدَّسة الرَّسوليَّة، المنتَشِرَة مِن أقصى الأرض إلى أقصاها؛ أنْ يَحفظَها الرَّبُّ راسِخَةً وبعيدة عن أمواجِ هذه الحياة كَمؤسَّسَةٍ على صَخرَةٍ حتى نِهايَةِ العالَم.

  2. لِنُصَلّي مِن أجل كل رئاسَةٍ تحت السَّماء، ومن أجل أولئك الذين يكرزون بِكَلِمَةِ حَقِّكَ11.12

أيَّة كنائس وأيُّ نَوعٍ مِن الوِحدة تَتحدَّثُ عنها هذه الطِّلبة؟ إنَّ كلمة «كنيسة» (εκκλησια) لا تُستخدَمُ عادَةً في الكِتابات الآبائيَّة لِلإشارَة إلى الجماعات الهرطوقيَّة، لكن هُناك استِثناءات قليلَة13. إنَّ القدّيس هيبوليتوس الروميّ على سبيل المثال، لا يَدعو جَماعَة الاسقف كاليستوس كَنيسَة، بل بالأحرى مَدرسَة كما كانت تُسَمّى الجَماعات الهرطوقيَّة14. هذا على الرُّغمِ مِن أنَّ الاختِلافات بين القديس هيبوليتوس والأسقف كاليستوس لم تَكُنْ عَقائدِيَّة، بل كانت ذات طابعٍ تأديبيّ، بِمَعنى آخَر، انشِقاق. علاوة على ذلك، وَحْدَها الكَنائس الأرثوذكسِيَّة يُمكِنُ أنْ تُسمّى «كنائس الله المقدَّسة». لِذلك فَإنَّ ادِّعاءَ المسكونيّين بِتَفسيرِ كَلِمَة «كَنائس» كما وَردَتْ في الطِّلبة على أنَّها تَعني الكَنائس غير الأرثوذكسِيَّة، ليس له أساس.

إنَّ «كَنائس الله المقدَّسَة» هي كنائس مَحلِّيَّة أرثوذكسِيَّة. مُنذ العُصورِ الرَّسولِيَّة، جَرَت العادَةُ على تَسمِيَةِ الجَماعة المسيحيَّة لِكُلِّ مَدينَةٍ كَنيسَة. هكذا، يَكتُبُ القدّيس بولس رَسائلَهُ إلى كنيسَةِ الله التي في كورنثوس (1 كورنثوس 1: 2) إلى كنائسِ غلاطِيَّة (غلاطية 1: 2)، ويَكتُبُ القدّيس يوحنّا اللاهوتيّ إلى الكنائس في أفسس وسميرنا وغيرها (رؤيا 2: 1 و8). في عَصرِنا هذا، يُطلق على كَنيسَةِ أُمَّةٍ بِأكمَلِها كَلِمَة «الكَنيسَة»: الكَنيسَة الرّوسِيَّة والكَنيسَة الجورجِيَّة، إلخ. كُلُّ هذه الكنائس المحلِّيَّة الثابِتَة في وِحدة الذّهن وشركة الصَّلاة مع بعضِها البَعض تُشكِّلُ الكَنيسَةِ الواحِدَة الجامِعَة15.

إنَّ كلمة ενωτις هنا لها مَعنى الوِحدَة، البقاء في الوِحدَة. مِن الواضِحِ أنَّ هذه الكَلمة يُمكِنُ أنْ يَكونَ لها المعنى المشار إليه مِن حَقيقةِ أنَّها تُستخدم ضِمنَ إطار أقانيم الثالوث القُدّوس، الواحِد في الجَوهَر16. لِذلك، فَإنَّ الكَنيسَة في الطِّلبَة السَّلامِيَّة «لاتِّحاد كنائس الله المقَدَّسة»، لا تُصَلّي مِن أجل شيءٍ غيرِ موجودٍ لا بُدَّ مِن تَحقيقِه، بل مِن أجل وِحدَةِ الكَنيسَة، تلك الموجودَةِ أساسًا، ومِن أجل أنْ تُحفَظَ دائمًا ولا تُدمَّر بِسَبَبِ هَرطقةٍ أو انشِقاق ما17.

على كُلِّ حال - لإكمال الصّورَة - فإنَّ أفضلَ تَفسيرٍ لِلجزءِ الثاني مِن هذه الطِّلبة، أي «واتّحاد الجَميع»، هو القُدّاس الإلهيّ لِلقِدّيس باسيليوس الكبير. يُفهَم «اتّحاد الجميع» دومًا في سياق فَرَضيّة الإكليزيولوجيا الأرثوذكسيّة ؛ لهذا السبب يتوسّل هذا الأب القديس في صلاة الكلام الجوهريّ الرّائعة، بعد تقديس القرابين الكريمة: «...رُدَّ الضالّين وضُمَّهم إلى كنيستك المقدّسة الجامعة الرسوليّة»؛ «كُفَّ شِقاقات الكنائس»؛ «اقمَع ثورات البِدَع سريعًا بقوّة روحك القدّوس»18.

فقط من خلال وقف الشِّقاقات وإبادة الهرطقات وعودة الضالّين إلى الأرثوذكسيّة يتمّ الاتّحاد، بنعمة الله19. بكلمة "انشقاق” (في اللغة اليونانية، تعني كلمة σχισμα حرفيًّا: تمزيق، وهي تأتي من فعل σχιζω الذي يعني: يمزّق) تبدو الكنيسة كقطعة من لِباسٍ مُمَزَّق. هذا يذكَِرُنا بِرؤية القدّيس الشهيد بطرس رئيس أساقفة الإسكندريّة (+311). ظهر له الرب يسوع المسيح بشكل صبيّ بِعُمر 12 سنة بِلِباسٍ مُمَزَّق. رَدًّا على سؤال القديس بطرس: «أيّها الخالِق، مَن مَزَّق لِباسَكَ؟»، أجاب الرب: «آريوس، الرَّديء الاعتقاد؛ لقد فصلَ عنّي أناسًا اقتنَيتُهم بِدَمي»20. هنا، يجب على المرء أن يفهم أن لِباس المسيح هو الكنيسة، لِباسُ المسيح الذي مزّقه الأوثان مرّةً، يمزّقه الهراطقة الآن. بالنسبة لآباء الكنيسة، لِباس المسيح، غير المُلَفَّق بل المنسوج من أعلى إلى أسفل، يَرمُز لوحدة الكنيسة. بحسب القديس كبريانوس القرطاجي: «لِباس المسيح، كامِلُ النَّسج، يُشير إلى تَناغُمِنا غير المنفصِل، نحن الذين لَبِسنا المسيح. بالإشارة الرّمزيّة لهذا اللِّباس، صوّرَ الربُّ وحدة الكنيسة»21.

يشرح القديس ثيوفيلكتوس البلغاري المقطع الوارد في أفسس 13:4 كما يلي: «نبلغ كلُّنا وحدة الإيمان، أعني أننا نظهر جميعًا بإيمان واحد، غير مختلفين في مسائل العقائد، وغير مختلفين فيما بيننا بطريقة الحياة. فعندها تكون وحدة الإيمان الحقيقيّة، حين نملك الرأي الصحيح في مسائل التعليم ونحفظ وحدة المحبة» (تفسير العهد الجديد للقديس ثيوفيلكتوس)22.

يُجيب القديس سمعان التسالونيكي، حين نصلّي من أجل «واتّحاد الجَميع»، فنحن نصلّي للوحدة الروحيّة والأسراريّة بين جميع أعضاء الكنيسة، «من أجل الوحدة في الإيمان الصحيح والمحبّة والحياة المُرضية للمسيح»23. إن وحدة الكنيسة ليست فقط بوحدة الآب والابن كنموذج لها، لكنّها نتيجة وحدتها بالروح القدس. طبيعة وحدتها هي متمركزة حول الثالوث: الكنيسة متّحدة مع الآب من خلال الروح القدس بالمسيح المخلّص. يحفظ ربّناجسده في وحدة مع الآب؛ لكن هناك خطر سقوط أحد ما من هذه الوحدة، كما فعل يهوذا. إذن، صلاة الرب ليست إيعازًا لوحدة أعضاء جسده، أي الكنيسة، المؤمنين بالذين سقطوا منها، وليست اعتبارًا أن المؤمنين والذين سقطوا هم واحد. بَيد أنه يتوسّل لأبيه أن يحفظ كنيسته في وحدتها الإلهيّة التي تعيشها بحقّه ومحبته ومجده. هكذا، حين يرى العالم وحدة الكنيسة الباهِرة، سوف يعرف رسالة يسوع المسيح الإلهيّة والفادية، ويؤمن بها24.

وعندما نصلّي من أجل نهاية الانشقاقات ووحدة الكنائس الأرثوذكسيّة، يجب أن نتذكّر أن أساس وحجر الزاوية لهذه الوحدة هو الحقيقة فقط. قول القديس إيريناوس واضح: كل الذين «هم خارج الحقيقة هم خارج الكنيسة»25.


 

1 Bishop Angelos of Avlona, Ecumenism: A Movement for Union or a Syncretistic Heresy? p. 18.

2 Bibliotheke Latinon Ekklesiastikon Pateron, Vol. 1 [Athens: K. N. Dratsella, 1968], p. 90)
Patrologia Graeca, Vol. V, col. 713B (Epistle to the Smyrnaeans 8.2).

3 St. Cyril of Jerusalem, Patrologia Graeca, Vol. XXXIII, col. 1044C (n.) and B, (Catechesis 18, §23).

4 Metrophanes Kritopoulos, Patriarch of Alexandria, “Confession of Faith” (1652), Ch. 7, On the Church (John Karmiris, Dogmatic and Credal Monuments of the Orthodox Catholic Church [in Greek], Vol. II [Graz, Austria: Akademische Druck u. Verlagsanstalt, 1968], p. 528 [608]).

5 1 St. Timothy 1:10; 2 St. Timothy 4:3; St. Titus 1:9, 2:1.

6 Ephesians 4:3.

7 Colossians 3:14.

8 Orthodoxos Typos, No. 143 (1 July 1971), p. 3.

9 2 Thessalonians 2:15.

10 St. Cyril of Jerusalem, Patrologia Graeca, Vol. XXXIII, col. 1048A (Catechesis 18, §26).

11 Constitutions of the Holy Apostles, Patrologia Graeca, Vol. I, col. 1085C (Bk. VIII, ch. 10, “Exclamation for the Faithful”).

12 Bishop Angelos of Avlona, Ecumenism: A Movement for Union or a Syncretistic Heresy? pp. 20-21.

13 See Lampe, Greek Lexicon.

14 See Bishop Ilarion Troitsky, Studies in the History of Church Dogma, p. 325.

15 Orthodox Life, 1992 (4), p. 27.

16 See Lampe, Greek Lexicon.

17 Orthodox Life, 1992 (4), pp. 27-28.

18 St. Basil the Great, Divine Liturgy.

19 Bishop Angelos of Avlona, Ecumenism: A Movement for Union or a Syncretistic Heresy? p. 21.

20 St. Dimitry of Rostov, Lives of the Saints, Nov. 25.

21 Concerning the Unity of the Church, quoted from Studies in the History of Church Dogma by Bishop Ilarion Troitsky, p. 380.

22 Orthodox Life, 1992 (4), p. 26.

23 Skaballanovich, Explanatory Typicon, Kiev, 1910, 2nd ed., p. 77.

24 Bishop Angelos of Avlona, Ecumenism: A Movement for Union or a Syncretistic Heresy? pp. 24-25.

25 St. Irenaeus of Lyons, Patrologia Graeca, Vol. VII, col. 1076 (Against Heresies IV.33.7).