روحانيّة فرنسيس الأسيزي وجروحاته (stigmata) في اللاهوت الأرثوذكسي

مقارنة بين خبرة فرنسيس الأسيزيّ الروحيّة والقدّيس سيرافيم ساروفسكي (الجزء الثالث)

روحانيّة فرنسيس الأسيزي وجروحاته (stigmata) في اللاهوت الأرثوذكسي

تعريب وإعداد رولا الحاج

مقارنة بين خبرة فرنسيس الأسيزيّ الروحيّة والقدّيس سيرافيم ساروفسكي (الجزء الثالث، 3/5)

 

على عكس فرنسيس، لم يسعَ القدّيس سيرافيم إلى «الشعور بتحوّله إلى المسيح نفسه» من خلال صلواته وأعماله؛ بل كان يصلّي ببساطة وعمق، ويتوب عن خطاياه. أثناء صلاته، وكنتيجة لأعماله النسكيّة المهمّة، نمت قوّة النعمة السريّة فيه من دون أن يشعر بها أو يُدركها. وفيما وقفَ أمام العرش (أي المائدة المقدّسة) بقلبٍ متلهّفٍ، بحسب تعبير الياس الإكديكيّ «...اتّحدت الروح بالصلاة، بعد أن تحرّرت من كلّ ما هو خارجيّ، وهذ الصلاة نفسها، التي تشبه شعلة تحيط بالروح كما تحيط النار بالحديد- تجعل كل شيء ناري ومتّقد»1. صُعق القدّيس سيرافيم فجأة بظهور القوّة الإلهيّة السريّة؛ لم يتصوّر، ولا حَلُمَ، ولا توقّعَ رؤيا مماثلة، وعندما حصل ذلك، اعتراه الذهول بحيث احتاج إلى ساعتين «ليعود إلى نفسه». ولاحقًا، وصف ما حدث وقال إنّه في البدء، ظهر عليه نور غير عاديّ كما لو أنّه نور الشمس، ثمّ رأى ابن الإنسان بكامل مجده، مُشرقًا أكثر من الشمس بنورٍ يفوق الوصف، ومُحاطًا بالقوّات السماويّة على غرار «سَرب من النحل»، آتيًا من الباب الشماليّ (للهيكل)، توقّف المسيح عند كرسيّ المطران، ورفع يديه، وبارك الأشخاص الّذين يخدمون والمُصلّين، ثم تلاشت الرؤيا.

عناصر كثيرة في رؤيا القدّيس سيرافيم مهمّة لهذه الدراسة. فأوّلاً، وبمقارنة مباشرة مع الصلاة، تخلو صلاة القدّيس سيرافيم من أي عنصرٍ يشير ولو بشكل غير مباشر إلى رغبته في رؤية أي علامة منظورة أو حسيّة للحضور الإلهيّ. فعلى الأقلّ، هو لم يُفكّر يومًا في أنّه يستحّق أن "يتحوّل إلى يسوع"، كما صلّى فرنسيس. السمّة الرئيسة لصلاة القدّيس هي التواضع العميق الذي يظهر من خلال اعترافه بخطاياه التي حثّته إلى صلاة التوبة. وتكمن أهميّة هذا الأمر، كما يُشير إليها الآباء مرارًا وتكرارًا، في كون التواضع الحقيقيّ يحول دون السقوط في المجد الباطل.

والجانب الآخر العميق في صلاة القدّيس سيرافم هو عدم التماس نعمة الظهور الإلهيّ من الله، كما لم يكن أي شيء – بحسب ما ذكر سابقًا- خارجًا عن توبته، أو تصوّره أو فكره أثناء الصلاة. يتناغم هذا الأمر مع توبة القدّيس سيرافيم، الذي يذكر بأنّه لم يفكر أنّه استحق يومًا أن يطلب بجسارة أمورًا إلهيّة مقدّسة على الرغم من خطاياه. فلو فكّر بهذه الطريقة، لكان انزلق بسهولة في الضلال. وإنّما صلاة القدّيس سيرافيم كان هدفها معاكسًا تمامًا، ممّا جعله يستحّق الرؤيا الإلهيّة فعلاً. عبّر القدّيس مكسيموس المعترف عن هذا الأمر في كتاب "المئوية الأّولى عن المحبّة" بقوله: «إنّ مَن لم يبلغ المعرفة الإلهيّة الفاعلة بإلهام المحبّة، من شأنه أن يجلّ ما يعمل، إن كان يرضي الله. أمّا الذي استأهل هذه المعرفة، فإنّه يردّد بانسحاق قلبٍ كلام أبينا إبراهيم، لمّا تجلّى له الله قائلاً: "أنا ترابٌ ورماد"» (تكوين 18: 27).

فيما يتعلّق برؤيا القديس سيرافيم، تجدر الإشارة إلى أنّ أسمى حالة روحيّة، تتحقّق بالطريقة التي ذكرها النسّاك في الفيلوكاليا، أي أنّها تنمو في قلب الإنسان خارج النطاقين العقليّ والحسيّ، وبالتالي، خارج نطاق الخيال. يقول الأب إفاغريوس لأناطوليوس في نصوصه حول الحياة العَمَليّة (praktiki) اختبار ما يلي:

لا يرى العقل "مسكن الله" بحدّ ذاته، ما لم يسمُ فوق كلّ فكر مادّيّ وكلّ مخلوق، ولا يقدر أن يسمو فوق هذا إن لم يتحرّر من الأهواء المرتبطة بالأمور الحسيّة التي تثير الأفكار حولها. ويتحرّر العقل من هذه الأهواء بوساطة الفضائل، ويتحرّر من الأفكار البسيطة بوساطة التأمّل الروحيّ. لكنّه يزدري حتّى بهذه (الأفكار البسيطة) عندما يرى خلال الصلاة ذلك النور الذي يميّز "مسكن الله"2.

عمومًا، يصعب وصف خبرة اتّحاد الله بالإنسان بتعابير بشريّة. وإنّما تُمنح الرؤى إلى أشخاص عملوا على استئصال الأهواء من داخلهم، وفي معظم الأحوال تكون هذه الرؤى مؤقّتة، وتصيب باطن الإنسان- فتبدو كأنها نابعة من داخله. يقول القدّيس اسحق السريانيّ: «إن كنتَ طاهرًا، فحينئذ تكون السماء بداخلكَ، وسترى فيها الملائكة، وسيّدهم معهم وفيهم»3. تفيد تعاليم آباء الكنيسة الأرثوذكسية بأنّ هذه الخبرات كلّها تفوق تصوّر الإنسان المتواضع، إذ إن تواضع الناسك لا يُشعره بأنّه يستحّق ذلك.

كملخص لخبرة القدّيس سيرافيم، نلاحظ أنّها تتحلّى بالصفات التالية:

  1. البساطة

  2. التوبة

  3. التواضع

  4. رؤيا غير متوقعة تتجاوز المستويين الحسيّ والعقلانيّ

  5. نشوة روحيّة أو انخطاف

وبالتشديد على العنصر الأخير، يشرح القدّيس إسحق- الذي اقتبسنا عنه بعض أقواله في المقال- ويقول: «المعرفة الصائرة بفعل القوّة الإلهيّة تدعى معرفة تفوق الطبيعة. ومشاهدة هذه المعرفة لا تتلقاها النفس من خلال المادة الموجودة خارجها، إنّما تظهر فيها من الداخل مجانًا بطريقة لا هيوليّة، سريعة، وغير متوّقعة. وتُعلن من الداخل لأنّ «ملكوت الله في داخلكم» (لوقا 17: 21). لا يرجى برموز ولا يأتي بترقّب حسب قول المسيح، بل يعلن في سرّ الذهن بدون سبب وبدون التأمّل فيه، لأنّ الذهن لا يجد فيه أيّ مادّة».

من خلال النقاط المذكورة أعلاه، المنقولة عن مقارنة بين الرؤيتين، بين ما اختبره فرنسيس والقديس سيرافيم من تصوّف، نجد اختلافًا كبيرًا بين الحالتين. إذ يظهر تصوّف القدّيس سيرافيم كانخطاف روحيّ نقيّ، وكأنّه عطيّة للناسك، وموهبة رؤيا روحيّة، وإستنارة لذهنه؛ في حين أنّ خبرة فرنسيس الروحيّة هي تصوّف ناجمٌ عن إرادته، والواضح أنّها مظلمة بسبب مخيّلته وشعور اللّذّة.

كما يميز فرق آخر الإثنين وهو تعبيرهما عن علاقة مختلفة بالمسيح. فبعكس القدّيس سيرافيم الذي اختبر قوّة المسيح الروحيّة في قلبه وقبلها في داخله؛ تلقّى فرنسيس هذا الوهم أساسًا عن حياة المسيح الأرضيّة. لقد تشرّب فرنسيس الجانب الخارجيّ لآلام المسيح، فتراءى له هذا الوهم على جبل الألفرنا، وكأنّه من خارجه.

تماشيًا مع رغبته القوية في اختبار آلام المسيح، شعر بواجبٍ لتقليد أو محاكاة نواح دنيوية أخرى من حياة المسيح. فهو لم يُرسِل «رسله» إلى مختلف أنحاء الأرض ليكرزوا، مانحًا إيّاهم تقريبًا التعليمات نفسها التي أعطاها المخلّص لرسله فحسب4؛ بل أقام أمام تلاميذه، وقبل فترة وجيزة من وفاته، شيئًا مماثلاً للعشاء السريّ ذاته. تقول سيرته الذاتية، «تذكّر العشاء المقدّس الذي احتفل به الرّب مع تلاميذه للمرّة الأخيرة»5. لا يمكن تبرير هذا الإفتراض بالاستناد إلى حياته الصاخبة، بغضّ النظر عن شدّة تقشفه ونسكه والأمور الصالحة التي قام بها. فهذا الأمر يبقى دلالة رئيسة، من وجهة نظر أرثوذكسيّة، عن سقوطه القوي في الخداع الروحيّ.

قبل البدء، لا بدّ من التلخيص باقتضاب الحالة المسمّاة "Plani" أي الخداع الروحيّ. بصورة عامّة، وفقًا للمتروبوليت أنطوني خرابوفيتسكي، عادة ما يأتي الخداع "Plani" (Prelest في اللغة الروسيّة) عندما يخدع الشرير الإنسان بالإيحاء له بأنّه يستحّق رؤى (أو غيرها من مواهب النعمة)، حينئذ يُعمي الشرير ذهنه (بصيرته) باستمرار، مُقنعًا إيّاه بقداسته الواضحة ويَعده بمنحه القوّة لاجتراح المعجزات. يقتاد الشرير هذا الناسك إلى قمّة جبلٍ أو سطح كنيسة، ويُظهر له عربة ناريّة، أو شيء آخر عجيب سيحمله إلى السماء، فيركبها الإنسان المنخدع (إذا قبل الخداع) فيسقط مباشرة إلى الهاوية، ويموت من دون أن يتوب6.

يتّضح من خلال هذا الشرح الموجز لحالة الخداع الروحيّ بأن الشخص الذي يمرّ بتجربة مماثلة يكون ضحية كبرياء وعادة ما يكون ضحية المجد الباطل؛ وبالتالي بلوغ حالة أساسها الضلال والخداع يدفع المرء إلى التخلي عن حذره حيال الوقوع في الخطيئة أو التجديف على الله. وهذه خطيئة شيطانيّة بالتأكيد، والأصعب لمقاومتها ومحاربتها، ومن هنا ظهرت أهميّة الكتابات الآبائيّة والتشديد الدائم على طاعة الناسك وتواضعه حتّى آخر لحظة من حياته على الأرض.

نورد نموذجًا آخر لنوع القداسة هذه، وهي حادثة في حياة فرنسيس حيث يُفترض أنّ المسيح ظهر له في الصلاة وأوعز إليه ان يطلب ما يشاء، أكثر من ثلاث أمنيات7. طبعًا، هذه رومنسيّة وقصص خرافيّة. ولكن هذه الدالة بين القدّيس والله هي نموذجًا لضلالٍ وخداع روحيّ. فسأله فرنسيس بما أنّه يشتعل محبّة من أجل الإنسان، أن يمنحه غفرانًا كاملاً لكلّ انسان يعترف ويزور كنيسته، في المركز الرئيسي لرهبنته. فوافق المسيح على طلبه، ولكن ينبغي على البابا أن يُجيز بها! ولقد وافق البابا عليها، ومنذ ذاك اليوم، يمكن اكتساب هذا الغفران في الثاني من شهر آب عند زيارة كنيسته والإعتراف هناك، ممّا يعني أنّك لن تضطّر أن تعاني من خطاياك المؤقتة والزمنيّة. وبالطبع، بدأ نظام جديد كامل من الغفرانات في القرن الثالث عشر.

لاحقًا، وبالتأكيد، دعاه تلاميذه "المسيح الجديد". يذكر القدّيس اغناطيوس بريانتشانينوف الذي اقتبس قولاً من سيرته الذاتيّة أنّه عندما مات فرنسيس وصعد إلى السماء، نظر إليه الله ولم يكن يعلم مَن هو الأعظم، فرنسيس أو ابنه المسيح8! هذا النوع من القداسة، والروحانيّة هو أسوأ بكثير من العقلانيّين السكولاستكيين، لانّ هذا يعني، أنّه يمكن أن تكتسب تعليمًا سكولاستيكيًّا في المعاهد اللاهوتيّة وتبقى انسانًا قدّوسًا، مُتشبثًّا بأصول الروحانيّة، لكن عندما يصبح معيار هذه الروحانيّة بحدّ ذاتها ضالاً، متغطرسًا بالكبرياء، حينئذٍ تُمّحى الجذور بالكامل. هكذا، يظهر نوع القداسة هذا، في عام 1200، أي منذ نهاية القرن الحادي عشر والثاني عشر حتّى الثالث عشر، أي حوالي مئة وخمسون عامًا بعد الإنشقاق الكبير. لقد اختلف مفهوم الروحانيّة عن الشرق بحيث لم يعد هناك من امكانية للتلاقي. هذا ما نسمّيه انسانًا ضالاً. هذا مثال نموذجيّ لإنسان يعيش في الضلال.

يتضّح مِمّا سَبق أنّ رؤيا فرنسيس تحوي علامات خداع روحيّ شديد. أمّا ما تبّقى، فهو وصف لأعمال فرنسيس وأفعاله التي ستشكّل سمّة أساسيّة لتصوّفه. من خلال عرض بعض الأحداث التي واجهها فرنسيس في حياته، ومقارنتها بالأحداث التي واجهها القدّيس سيرافيم ساروفكي؛ يمكننا استخلاص أخير يتعلّق بتصوّف هذين الناسكين. تجدر الإشارة إلى أنّ الأمثلة المختارة تصف هذين الشخصين بشكل عام.

 

1 Philokalia, Vol 3, p 322, para 103 (Greek ed.).

2 Early Fathers, p 297, 47.

3 Op. cit., p 105, para 71.

4 "اذهبوا اثنين اثنين إلى مختلف أنحاء الأرض، كارزين بالسلام للناس والتوبة لمغفرة الخطايا". راجع Guerier، صفحة 27. (راجع مرقس 6: 7- 12). إنّ السمّة الأبرز في ضلاله هو أنّه قلّد المسيح في شتّى الطرق حتّى أن عدد تلاميذه كان اثنا عشر، وهو نفس عدد تلاميذ المسيح. أرسلهم أوّلا إلى بلدان مسيحيّة، وفيما بعد إلى بلدان غير مسيحيّة. كما لو أنّه يكرز إنجيلاً جديدًا لم يُكرز من قبل، كما لو أنّه مسيحًا جديدًا يرسل تلاميذه ليكرزوا بإنجيله، كما لو أنّ ليس لهذه البلدان أساقفة وكهنة. أرسلهم ليكرزوا بإنجيله، وبالفعل ذهبوا وأسّسوا الرهبنة الفرنسيسكانيّة.

5 Guerier, p 115.

6 Khrapovitsky, Antony, Confession: A Series of Lectures on the Mystery of Repentance. Holy Trinity Monastery Press, Jordanville, N.Y., 1975.

7 ففي ذات ليلة من سنة 1216، وهو يضطرم حباً لله، في كنيسة سيدة الملائكة، تراءى له يسوع ومريم، ويلفّ بهما عدد من الملائكة. فأوعز إليه يسوع بأن يسأله ما يشاء لخير النفوس. فأجابه فرنسيس بدالّة بنوية: «إلهي القدوس، اسألك، أنا الخاطئ المسكين، غفراناً كاملاً لكل تائبٍ اعترف وتناول وزار هذه الكنيسة».

فقال يسوع: «طلبك عظيم جدًا لكنك أهل لأَّعظم منها وإني لمجيبك إليها فاذهب إلى نائبي على الأرض، واسأله باسمي هذا الغفران»

وفجر اليوم الثاني، دعا فرنسيس أحد الرهبان وقال له: «لنذهب إلى البابا». فتوَّجها إلى بروجيا، حيث كان يومئذ البابا هونوريوس الثالث. ووقفا بين يديه، وتعجّب البابا من طلب فرنسيس، وسأله عن كم سنة تريد هذا الغفران

فأجابه فرنسيس: «أيّها الآب الأقدس، أنا لا اطلب السنين، وإنَّما اطلب النفوس». ثم ردّد فرنسيس قول الرب. فأجابه البابا: «لم يسبق أن منح مثل هذا الغفران»

أجاب فرنسيس: «أيّها الآب الأقدس، لست أنا الذي اطلب هذا الغفران، إنّما يسوع المسيح هو مَن أوفدني إليك»

سمع البابا هذه الكلمات، فتأثر جدًّا. ثم قال ثلاثًا: «باسم الله، امنحكَ هذا الغفران للأبد، فيمكن اكتسابه مرّة في السنة، من العصر إلى غروب اليوم التالي. أمّا اليوم، فهو الثاني من شهر آب»

وقد مدّ الأحبار الأعظمون هذا الإنعام إلى جميع أيام السنة. راجع http://www.laparolededieupk.com/197757462

8 Brianchaninov, Bishop Ignatius, The Arena: An Offering to Contemporary Monasticism, Holy Trinity Monastery, 1982, p.40.

عندما صعد فرنسيس إلى السماء، يقول كاتب سيرته، عندما رآه الله الآب، شكّ للحظة لمن يعطي الأفضلية، لإبنه بالطبيعة أو ابنه بالنعمة أي فرنسيس. هل من تجديف أشدّ هولاً وجنونًا من هذا، هل من ضلال أصعب؟!